اليوم: الثلاثاء6 ذي الحجة 1443هـ الموافق: 5 يوليو 2022

مسألةٌ تتعلّق بمصير الإنسان في الآخرة!

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}[الحشر: 18 ـــ 20]...

لقد خاطب الله الناس بصفتهم الإيمانيّة، كما خاطبهم بصفتهم الإنسانيّة، ليقول لهم إنَّ لكم صفتين: صفة تستمدّونها من وجودكم، وتلك هي صفة إنسانيَّتكم، التي تلتقون فيها على أساس هذا المبدأ الذي يوحِّدكم بين يدي الله، وصفة الإيمان التي تجعل الحياة عندكم خاضعةً للمسؤوليَّة، التي تنطلق من الله، وتتحرَّك في خطِّ علاقاتكم مع الحياة من حولكم، ومع عباد الله، وهي صفة الإيمان. فأنتم عندما تؤمنون بالله، فإنَّكم تتحسَّسون حضور الله في الكون، باعتبار أنَّه وحده الخالق، ووحده المدبِّر، ووحده المهيمن على الأمر كلّه، فترجعون إليه تستمدّون منه شرعيّة كلّ عمل تعملونه، وكلّ موقف تقفونه، وكلّ علاقة تتحرّكون فيها، لتتحسَّسوا في إيمانكم أنَّ الله ينظر إليكم من موقع هذا الإيمان، ويحاسبكم على أساس مواقع ومواقف هذا الإيمان.

فالله سيقول لك كمؤمن: كيف هي قضيّتك في خطّ إيمانك؟ هل كنت مؤمناً في بيتك تتعامل مع أهل بيتك بالإيمان؟ هل كنتَ مؤمناً في مجالات عملك، لتتعامل مع النّاس على أساس الإيمان؟ هل أنتَ مؤمن في علاقاتك العامّة والخاصّة في ما تؤيّد وفي ما ترفض؟ كن المؤمن الذي يعتبر الإيمان كلّ حياته، ويعتبر صفة المؤمن هي الصّفة التي تحيط بكلّ مواقعه، فلا يخلو أيّ موقعٍ من مواقعه من خطِّ الإيمان. {وَاتَّقُواْ اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[المائدة: 57]. إنَّ الإيمان يفرض عليكم التقوى، لأنّ المؤمن بالله هو الّذي يعتقد أنّه مسؤولٌ أمام الله، وأنَّ الله هو الذي يحاسبه، وهو الذي يعاقبه ويثيبه. ولهذا، فإنَّ عليه أن يخشى مقام ربِّه، {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}[النّازعات: 40 ـــ 41]. أن تخاف الله، وأن تراقبه وأنتَ تتحرَّك في حياتك، وأن تحاسب نفسك على ما تحرَّكت فيه.

{اتَّقُوا اللهَ...} اتَّقِ الله، ليدفعك خوفك من الله سبحانه وتعالى إلى أن تعرف رصيدك عند الله، ماذا قدَّمت لنفسك أمام الله؟ حتّى إذا جاءك الموت الآن، فأنتَ تستطيع أن تحسّ بالأمن، لأنّك تملك رصيداً يدخلك الجنَّة، أو يبعدك عن النَّار، {اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}، غداً ستقف بين يدي الله، قد يكون الغد يوماً تستقبله، وقد يكون شهراً تستقبله، وقد يكون سنةً، أو أكثر من سنة. المهمّ أن تظلّ في وعيٍ دائم لِمَا قدَّمت لغدك في الفرصة التي تقف فيها بين يَدَي ربِّك، ما يعني أنَّ على الإنسان في كلّ يوم أن يحسب حساباته في علاقاته مع الله، وأن يفكّر في اليوم الماضي كيف مضى، وفي اليوم القادم كيف يستقبله؟

استمعوا إلى ما ورد عن رسول الله (ص)، لنتعلَّم كيف نحاسب أنفسنا، وكيف نستطيع أن نتعرَّف رصيدنا.

يروى أنَّ رسول الله (ص) كان يوصي أبا ذرّ ليحدِّث أبو ذرّ نفسه بذلك، وليحدِّث غيره بذلك: "يا أبا ذرّ، حاسِب نفسك قبل أن تُحاسَب، فهو أهون لحسابك غداً"(1). احسب حساباتك الآن، كم معصية عصيت الله بها، وكم طاعة أطعت الله بها، هل حساب السيّئات عندك أكثر، أم حساب الحسنات، أم أنّ الحسابات تتساوى في هذا المجال؟ حاسِب نفسك الآن، إذا حاسبت نفسك الآن، فإنَّ ذلك يهوِّن عليك الحساب غداً. مَن يحاسِب نفسه، فسوف يعرف الخسارة والرّبح في حساباته؛ فإذا رأى نفسه خاسراً، حاولَ أن يعوِّض الخسارة، وإذا كان رابحاً، حاول أن يحافظ على الرّبح وأن يستزيد منه. أمّا الذي لا يحاسب نفسه، فيصعب عليه الحساب غداً، لأنَّ الأمور تضطرب عليه في ذلك الموقف الصّعب.

"حاسِب نفسك قبل أن تُحاسَب، فهو أهون لحسابك غداً، وَزِنْ نفسك قبل أن توزَن"؛ ما هو حجمك؟ ما هو قدرك؟ وما هي قيمتك عند ربّك؟ زِن نفسك، لأنَّ ميزان الله لا يخطئ؛ فإذا لم تكن ممّن ثَقُلَت موازينه، فلن تستطيع أن تحصل على شيء، لأنَّ الذي يخفّ ميزانه يوم القيامة، لا يجد لنفسه أيّ موقع في مواقع رحمة الله. لهذا، لا بدّ لك من أن تزن نفسك الآن، فإذا رأيت نفسك خفيفاً في أعمالك، فحاول أن تثقل عملك، لتكون كفّتك في الميزان ثقيلة. وإذا رأيت أعمالك ثقيلةً وجيّدة، فحاول أن تزيد من أعمالك، لتكون مواقعك أكثر ثباتاً وأكثر قيمةً عند الله.

"وتَجَهَّز للعرض الأكبر"، عندما يعرض النّاس {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ}[الحاقّة: 18]، هناك يوم العرض الأكبر، ليس عرض الأجساد أو الجمال أو المال، سوف تعرض سرائركم عند الله {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}[الطّارق: 9]، وسوف تعرض أعمالكم على الله، يوم تقدّم الأعمال في صحيفة أمام الله، وسوف تعرض كلّ كلماتكم {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}[الكهف: 49]، جهِّز نفسك للعرض الأكبر؛ حتّى إذا عرضت على الله، كنتَ في موقع تستطيع أن تأمن فيه على نفسك وأنت تواجه الموقف العظيم بين يدي الله، وتجهَّز للعرض الأكبر يوم تعرض، حيث لا يخفى على الله خافية.

*من كتاب "الجمعة منبر ومحراب".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر