اليوم: السبت29 رمضان 1435هـ الموافق: 26 يوليو 2014
Languages عربي
العلامة السيد علي فضل الله في خطبة الجمعة: تفجير مقامات الأنبياء والأولياء مدان ويعبر عن ضيق أفق السيد علي فضل الله: الحملة الظالمة على مسيحيي الموصل لا تعبر عن حقيقة الإسلام في نظرته إلى الآخر السيد علي فضل الله: نأمل أن تنطلق الفتاوى من المرجعيات الدينية نحو موقعها الصحيح لنصرة الشعب الفلسطيني ومده بالمال والسلاح والرجال استشهاد القيادي في حركة الجهاد الإسلامي صلاح حسنين ونجله في غارة صهيونية على رفح الأمم المتحدة: نزوح 149 ألف فلسطيني إلى 84 مدرسة للأونروا في غزة الاحتلال الصهيوني اعتقل 931 فلسطينياً من القدس والداخل خلال 3 أسابيع تقرير: 29 صحافياً فلسطينياً استشهدوا برصاص الاحتلال الصهيوني منذ العام 2000 أردوغان: إسرائيل تمارس إبادة جماعية في غزة ولن نصمت حيالها روحاني: الساكتون عن الجرائم في غزة سيخجلون من فعلتهم أمام التاريخ شيخ الأزهر: القرآن الكريم ظل صامداً 14 قرناً دون تغيير حرف واحد منظمة طبية: الملاريا سبب الوفاة الأول في جمهورية أفريقيا الوسطى مقاتلو حركة الشباب ينسحبون امام تقدم الجيش الاثيوب أكثر من ملياري شخص فريسة الفقر المطالبة بالحقّ والدّفاع عنه فريضة وواجب نائب بريطاني يعتذر عن تصريحات له بشأن الكيان الصّهيوني أشعر بالنّدم لارتدائي الحجاب! نائب بريطاني يعتذر عن تصريحات له بشأن الكيان الصّهيوني أشعر بالنّدم لارتدائي الحجاب! قمَّة دوليَّة لمكافحة الختان الإقرار بالمشاعر السلبيّة خطوة أولى لتخطّي الأزمات قمَّة دوليَّة لمكافحة الختان الإقرار بالمشاعر السلبيّة خطوة أولى لتخطّي الأزمات
الإنسان بين الشّرك والإيمان
العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله
٣٠/٦/٢٠٠٧
/
16 جمادى2 1428هـ

تناولنا فيما سبق موضوع الذهنيَّة التي كان ينطلق بها بعض أصحاب الأئمّة(ع) تجاه الآخرين ممّن يختلفون معهم في بعض مسائل العقيدة أو الشريعة، وكيف كان الأئمّة(ع) يجيبونهم وفق المنهج الإسلامي القرآني الذي يعيد المسألة إلى المرتكزات العقيدية الإيمانيّة التي تشكّل الأساس الفاصل بين الإسلام والكفر، وهي التَّوحيد والنبوّة والمعاد، معتبرين أنَّ ما اختلف فيه المسلمون في مدرستي الإمامة والخلافة، هو اختلاف ضمن الدائرة الإسلاميّة الواسعة، وليس اختلافاً بين كفرٍ هنا وإسلامٍ هناك.

الأئمة والمنهج الإسلامي القرآني:

وفي روايةٍ رواها الكافي، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن زرارة، قال: "دخلت أنا وحمران "بن أعين"، أو أنا وبكير، على أبي جعفر محمّد الباقر(ع)، قال: قلت له: إنّنا نمدّ المطمار، قال: وما المطمار؟ قلت: الترّ ـ وجاء في القاموس: الترّ الأصل والخيط يقدّر به البناء ـ فمن وافقنا، من علويّ أو غيره، تولَّيناه، ومن خالفنا، من علويّ أو غيره، برئنا منه، فقال لي: يا زرارة، قول الله أصدق من قولك، فأين الذين قال الله عزّ وجلّ: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً}[1]؟ أين المرجوْن لأمر الله؟ أين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً؟ أين أصحاب الأعراف؟ أين المؤلّفة قلوبهم؟".

زاد حمّاد في الحديث ـ عن زرارة ـ قال: فارتفع صوت أبي جعفر وصوتي، حتى كاد يسمعه من على باب الدار. وزاد فيه جميل، عن زرارة: "فلمّا كثر الكلام بيني وبينه، قال لي: يا زرارة، حقّاً على الله أن لا يدخل الضلّال الجنّة".

إنَّنا نلاحظُ في هذا الحديث ـ إلى جانب ما تضمّنته الأحاديث السّابقة عن نظرة بعض أصحاب الأئمّة إلى المخالفين، من إبعادهم عن رحمة الله، ومن الالتزام بالبراءة منهم، ومن رفض الفكرة في إدخال هؤلاء الجنّة ـ أنَّ زرارة يؤكّد هذه النظرة السلبيّة، فلا يدخل الجنّة ـ في نظره ـ إلا من صحّت عقائده، وهم الفرقة المحقّة من الإماميَّة، وأنَّ الإمام الباقر(ع) أظهر له خطأ ذلك؛ لأنّ الله تعالى تحدّث عن بعض الناس الذين تنالهم رحمة الله ممّن لا يعتقدون بما تعتقده الإماميّة؛ لأنّ الحجّة لم تقم عندهم على الحقّ، أو لأنّهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، أو لأنّهم من المرجين لأمر الله، أو من أهل الأعراف ممّن جاء القرآن بالحديث عنهم بإمكان أن يدخلوا الجنّة من خلال رحمة الله التي وسعت كلّ شيء.

ويبدو أنّ زرارة ـ حسب الزيادة المضافة على الرواية ـ لم يقتنع بذلك، فاعترض على الإمام(ع) حتى ارتفع صوته في الجدل، كما ارتفع صوت الإمام في الردّ عليه.

وإنّنا نشكّ في صحّة ما ذكر في ذيل الرواية، من أنّ الإمام الباقر(ع) قال له: "حقّاً على الله أن لا يدخل الضلاّل الجنّة"؛ لأنّ ذلك منافٍ لما قرّره الإمام في الاستشهاد بقول الله، فلا يُمكن أن يؤدّي الجدل بينه وبين زرارة إلى الاقتناع بما أثاره معه، ولا سيّما أنّ هناك آية واضحة الدلالة على أنّ الله قد يغفر لكلّ الناس، ما عدا المشركين، وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}[2].

وربّما كان المنطق الذي يلتزم به زرارة وأمثاله، هو الذي أشار إليه الله في كتابه: {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ}[3].

ونلاحظُ من جانبٍ آخر الأسلوب الرائع لأئمّة أهل البيت(ع)، ومنهم الإمام الباقر(ع)، في انفتاحهم على المناقشة مع أصحابهم بالحجّة والدليل القرآني؛ لإثبات ما يقعون فيه من الخطأ الفكري، وتوجيههم بأنّ عليهم الرّجوع إلى القرآن في تفاصيله في مواقع رحمة الله وغفرانه، وأن لا يعتمدوا فيه على آرائهم الخاصّة في تقويم الأفكار.

ومن جهة أخرى، نلاحظ في هذه الرواية كيف اتّسع صدر الإمام الباقر(ع) لارتفاع صوت زرارة في الجدل بينه وبينه، وكيف تجرّأ على الإمام في ذلك. ويعلّل البعض ما حدث، أنّ ذلك كان منه في بدوِ أمره قبل كمال معرفته، وكان هذا من طبعه وسجيّته، ولم يمكنه ضبط نفسه، ولم يكن ذلك لشكّه وقلّة اعتنائه.

وإنّنا نرى أنّ أخلاقيّة الأئمّة من أهل البيت(ع) هي الأخلاقيّة العالية التي جاء بها الإسلام، في الانفتاح على الناس بالصدر الرحب، حتى في حالة الخروج عن الأدب في الخطاب أو في المناظرة، على هدي جدّهم النبيّ محمّد (ص) الذي كان رحمةً للناس في رقّة قلبه ولين لسانه، حتى وصفه الله بالخلق العظيم في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[4].

الشِّرك بين المعنى وخطوط المفهوم:

وثمّة موضوع آخر يتحرَّك في هذا الاتجاه، وهو أنّه قد يكون لبعض الكلمات ظهور في معنى، ولكن ربّما تستعمل هذه الكلمات في معنى آخر، بلحاظ بعض الجوانب التي قد تلتقي بها ولو من بعيد؛ تأكيداً بأنّ الله يريد من الإنسان أن يؤمن بالحقيقة في جذورها الفكرية، فلا يبتعد عن خطوطها في التزاماته العقيدية أو الثقافيّة.

ومن هذه الكلمات، كلمة "الشرك"، التي تمثّل ـ في دلالتها ـ الالتزام بإله غير الله، على نحو العقيدة بتعدّد الآلهة، كما ورد في قوله تعالى حكايةً عن الكفّار: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}[5]، أو على نحو العبادة، كما ورد في قوله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}[6].

وقد يُطلق الشّرك على اتّباع غير الله في الطاعة، بإطاعتهم فيما يأمرونهم به أو ينهونهم عنه، خلافاً لأمر الله ونهيه، كما ورد عن الإمام جعفر الصادق(ع) في تفسير قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ}[7]، قال: "شرك طاعة وليس شرك عبادة"؛ وذلك لأنّهم أطاعوا الشيطان في المعاصي التي يرتكبونها، فأشركوا بالله في طاعته، ولم يشركوا به في عبادته.

وفي حديثٍ آخر عن الصَّادق(ع) في تفسير الآية: "يطيع الشيطان من حيث لا يعلم فيُشرك". وربّما جاء في بعض أحاديث الإمام الصادق(ع) ـ في تفسيرها ـ أنّه قول الرجل: "لولا فلان لهلكت، ولولا فلان لما أصبت كذا وكذا، ولولا فلان لضاع عيالي؛ ألا ترى أنه قد جعل لله شريكاً في ملكه، يرزقه ويدفع عنه. فنقول: لولا أن الله منّ عليّ بفلان لهلكت، قال: نعم، لا بأس بهذا".

ولا تنافٍ بين هذه التَّفاسير؛ لأنَّها مصداقٌ للانحراف الَّذي يصيب المؤمن في طاعته لغير الله، أو في إرجاع ما يحصل له من قبل النَّاس، من إنقاذهم له من بعض البلاء أو المشاكل، إلى النَّاس لا إلى الله، في الوقت الذي يفرض عليه الإيمان أن يرجع الأمور كلّها إلى الله، وأن يؤمن بأنّ الله هو السبب في تهيئة الأسباب لقضاء حوائجه وحلّ مشاكله.

وقد ورد عن الإمام الباقر(ع) ـ في رواية بريد العجلي عنه ـ قال: سألته عمّا يكون به العبد مشركاً. قال: "من قال للنَّواة إنّها حصاة وللحصاة إنّها نواة". وقد فسّره الشيخ البهائي رحمه الله، قال: "لعلّ مراده من اعتقد شيئاً من الدين ولو لم يكن كذلك في الواقع، فهو أدنى الشِّرك، ولو كان مثل اعتقاد أن النواة حصاة وأنَّ الحصاة نواة ثمّ دان به".

وفي قوله: "ثمّ دان به" إشارةٌ إلى أنَّه إنَّما يكون مشركاً إذا دان به، أي عبد الله به واعتقده وأظهر أنّه من عند الله؛ لأنّه التزم فيما اجتهد به، أو فيما قلّد به غيره ممّا يخالف الحقيقة التي أوحى بها الله، فكأنّه أشرك بالله في التزامه بما قرّره.

وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق(ع) ـ في رواية أبي العبّاس ـ عن أدنى ما يكون به العبد مشركاً، قال: من ابتدع رأياً فأحبّ عليه وأبغض عليه. والمقصود به، الرأي المبتدع الذي ليس له مستند شرعي، بل كان مخالفاً للدين؛ فإنّ موقفه هذا قد يرتبط بالشرك، ولو من بعيد؛ لأنّه اتّخذ مع الربّ عزّ وجلّ ربّاً آخر، وهو نفسه وهواه، أو غيرهما ممّن اتَّبعه من الناس فيما رآه، وإن لم يشعر به، سواء كان ذلك الرأي متعلّقاً بالأصول أو بالفروع، فأحبّ عليه من تابعه، وأبغض عليه من خالفه.

ولا يشمل الأمر هذا الشَّخص الذي اجتهد في فهم الكتاب والسنّة، فبذل كلّ جهد في التدقيق والتحقيق في فهم النص، وأخطأ في فهمه واجتهاده، مع أنّه من أهل الاجتهاد؛ لأنّه لم يتّبع رأياً على خلاف الحقّ، بل أخطأ في فهم مصدر الحقّ الذي يؤمن به، ولو انكشف له لم يخالفه.

وربّما يطلق الشّرك على رفض التّسليم لحكم الله فيما خلق وفيما شرَّع، ولحكم الرسول فيما بلّغ وقضى، فإنّ مثل هذا يكون قريباً من الشِّرك. وهذا ما ورد به الحديث عن الإمام جعفر الصَّادق(ع) ـ في رواية عبد الله بن يحيى الكاهلي ـ قال: قال أبو عبد الله: "لو أنّ قوماً عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا الصَّلاة، وآتوا الزكاة، وحجّوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثم قالوا لشيء صنعه الله أو صنعه رسول الله: ألا صنع خلاف الّذي صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم، لكانوا بذلك مشركين"، ثمّ تلا هذه الآية: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}[8]، ثمّ قال أبو عبد الله: "فعليكم بالتسليم".

ونلاحظ في هذا الحديث، أنّ اعتراض هؤلاء الناس على ما صنعه الله أو صنعه النبيّ، منافٍ لإيمانهم بحكمة الله في خلقه، أو لعلمه بحقائق المصالح التي تتمثّل في فعله، ما يؤدّي به إلى تفضيل رؤيتهم على تقدير الله.

وهكذا يتمثَّل الانحراف بعدم التزامهم بقضاء النبيّ فيما اختلفوا فيه ممّا تحاكموا به إليه؛ لأنّه يدلّ على التشكيك بعدالته أو بعصمته، بينما يفرض عليهم الإيمان بالله وبرسوله التسليم المطلق بأنّه يمثّل الحقّ والصَّلاح في كلّ ما فعله.

وفي هذا النَّوع من الاعتراض على الله ورسوله، لونٌ من ألوان الشِّرك؛ لأنّه يوحي بأنَّهم يلتزمون برؤيتهم عن الله وعن رسوله.

العبادة الشَّاملة:

وقد تحدَّث الإمام الصَّادق(ع) عن عمق معنى عبادة الله بإخلاص، وعبادة الإنسان للناس، بما يجعل العبادة متمثّلة بالطّاعة؛ فقد روى أبو بصير، قال: "سألت أبا عبد الله(ع) عن قول الله عزَّ وجلّ: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ}[9]، فقال: "والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً، وحرّموا عليهم حلالاً، فعبدوهم من حيث لا يشعرون".

وفي رواية ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد الله(ع)، قال: "من أطاع رجلاً في معصية الله فقد عبده".

وجاء في رواية الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم، قال: أتيت رسول الله وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك"، قال: فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ من سورة براءة هذه الآية: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ}[10] حتى فرغ منها، فقلت له: "إنّا لسنا نعبدهم"، قال: "أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه"، قال: قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم"".

إنّ هذه الأحاديث توسّع معنى العبادة في عالم التطبيق إلى الالتزام بالقوانين العمليّة في سلوك الإنسان، في نفسه وأهله وماله والنَّاس من حوله، على صعيد العلاقات العامّة والخاصّة، إذا أطلقها بعض المنتسبين إلى الدِّين أو غيرهم، فحلّلوا حرام الله، وحرّموا حلاله، فخضعوا لهم في ذلك وأطاعوهم طاعةً عمياء، من دون أن تكون لهم أيّة حجّة على ذلك؛ الأمر الذي يجعلهم في موقع العبادة لهم؛ لأنّ معناها ـ على مستوى المفهوم ـ هو الخضوع والتذلّل والطاعة والانقياد المطلق، بحيث يمثّل الانسحاق والذوبان في المعبود في الالتزام بقداسته.

ولعلّنا نستوحي من ذلك، أنّ الله جعل اتّباع الهوى وطاعة الشيطان عبادةً لهما، فقال سبحانه: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}[11]، وقال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}[12]. وإذا كان اتّباع الغير بغير أمر الله عبادةً له، فقد نلاحظ أنّ الكثير من الناس مقيمون على عبادة غير الله، وهو النفس والشيطان وأهل المعصية والكفر ممّن يدفعون الناس إلى الخضوع لهم في أمورهم القانونية والتشريعية والاتباع الأعمى لأوامرهم ونواهيهم، وذلك من خلال بعض الضغوط النفسيّة أو المالية أو السلطوية التي تفرض عليهم الخضوع. وهذا هو مصدر الشرك الخفي الذي لا يلتفت إليه المؤمنون، ولكنّهم يقعون فيه.

هناك موضوع يتّصل بالوسوسة النفسيّة، التي قد يخيّل فيها للإنسان أنّه قد كفر بربّه أو أشرك به، وهو حديث النفس في الخواطر التي تعرض للإنسان المؤمن في التَّشكيك بالله، أو في عدله، أو في النبيّ ورسالته، فيشعر بالضِّيق والإحباط والخوف من أن يكون ذلك دليلاً على زوال إيمانه الذي لا يزال مرتبطاً به على مستوى العقيدة والعمل.

وقد وردت بعض الروايات في معالجة هذا الجانب عن النبيّ(ص) وعن أئمّة أهل البيت(ع). فقد روي عن الإمام محمد الباقر(ع) أنّه قال: "إنّ رجلاً أتى رسول الله(ص) فقال: يا رسول الله، إنّي نافقت، فقال: والله ما نافقت، ولو نافقت ما أتيتني تعلمني. ما الذي رابك؟ أظنّ العدوّ الحاضر أتاك، فقال لك: من خلقك؟ فقلت: الله خلقني، فقال لك: من خلق الله؟ قال: إي والذي بعثك بالحقّ لكان كذا، فقال: إنّ الشيطان أتاكم من قِبَل الأعمال فلم يقوَ عليكم، فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلّكم؛ فإذا كان كذلك، فليذكر أحدكم الله وحده". وقد جاء الحديث بهذا المضمون ـ مع بعض الاختلاف ـ عن الإمام جعفر الصَّادق(ع) ـ في رواية محمّد بن مسلم ـ عنه(ع) أنّه قال: "جاء رجل إلى النبيّ(ص) فقال: يا رسول الله، لقد هلكت. فقال له: أتاك الخبيث، فقال لك: من خلقك؟ فقلت: الله، فقال لك: الله من خلقه؟ فقال: إي والذي بعثك بالحقّ لكان كذا، فقال رسول الله: ذلك والله محض الإيمان". وقد جاء عن الإمام الصادق(ع) ـ في تفسير قول النبيّ(ص) ـ إنّما عنى بقوله "والله محض الإيمان"، خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض له ذلك في قلبه.

وجاء في رواية عليّ بن مهزيار، قال: "كتب رجل إلى أبي جعفر ـ محمّد الجواد ـ يشكو إليه لمماً يخطر على باله، فأجابه في بعض كلامه: إنّ الله عزّ وجلّ إن شاء ثبّتك، فلا يجعل لإبليس عليك طريقاً. وقد شكا قوم إلى النبيّ(ص) لمماً يعرض لهم لأن تهوي بهم الريح أو يقطَّعوا أحبُّ إليهم من أن يتكلّموا به، فقال رسول الله(ص): أتجدون ذلك؟ قالوا: نعم، فقال: والذي نفسي بيده، إنّ ذلك لصريح الإيمان؛ فإذا وجدتموه فقولوا: آمنّا بالله ورسوله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله".

مواجهة وساوس الشّيطان:

إنّنا نلاحظ في دراستنا لهذه الروايات المتشابهة في المضمون، سواء في ما يتعلق بالمشكلة الخاصّة للأشخاص، أو في الإيجابيّة الّتي اعتمدها النبيّ(ص) لمواجهتها، أنَّ هؤلاء خافوا من أن يكونوا فقدوا الإيمان وسقطوا في الكفر، في الخطرة الشيطانيّة التي خطرت لهم، لأنّ التفكير في السؤال عن خلق الله يوحي بأنّ الله مخلوق كبقيّة الموجودات الحيّة، ما ينتج العقيدة السلبيّة بأنّه لا يمكن أن يكون إلهاً؛ لأنّهم تعلّموا من الكتاب والسنّة أنّه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[13]، ولم يكن لديهم أيّة ثقافة فلسفيّة تطلّ بهم على الجواب الفلسفي بأنّ المخلوقيّة ليست ملازمةً لصفة الموجود، بل لصفة الممكن، فلا تنطبق على الله الواجب الوجود الذي تتوقّف فرضيّة كلّ الوجود الممكن الطبيعيّ على فرضيّة وجوده، فلا بدّ من أن يكون غير مخلوق؛ لأنّ أيّ موجود مسبوق بالعدم لا بدّ من أن يكون وجوده خاضعاً لإرادة موجود آخر، ما يفرض أن تنتهي سلسلة الأسباب إلى خالق أزليّ الذات، على قاعدة أنّ ما بالعرض لا بدّ من أن ينتهي إلى ما بالذات.

وقد كان ردّ النبيّ(ص) على هذه الصدمة الروحيّة الداخليّة، أنّ ما حدث لهم من الخوف على إيمانهم، هو محض الإيمان وصريحه، وأنّ هذه الوسوسة الفكريّة ناشئة من وسوسة الشيطان الذي لم يستطع السيطرة عليهم من خلال إغرائه لهم بترك أعمالهم العباديّة، وبالانحراف عن الشريعة في خطّها السلوكي، فحاول الدخول عليهم من هذا الباب؛ الأمر الذي يفرض عليهم أن يصدموا الشيطان، بالإصرار على التزامهم بالإيمان بالله وحده والتصديق برسوله.

وربّما نستوحي هذا المناخ الَّذي يعيشه المؤمنون في هذه الوسوسة الشيطانيّة، التي لا تترك أثراً في عمق الشخصيّة الإسلاميّة ولا تهزّ إيمانها، ما ورد في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}[14].

وقد ورد في بعض الأحاديث المرويّة عن النبيّ محمّد(ص) في العفو عن حديث النفس بالأمور السَّلبيّة المنافية للعقيدة، قال: "إنّ الله عفا عن أمّتي ما تحدّثت به أنفسهم، ما لم يتكلّموا أو يفعلوا"، وقد ورد في حديث الرفع المشهور، أنّ من جملة الأمور التي رفعها الله عن الأمّة "الوسوسة في الخلق"، وهو التفكّر في الخلق بما لا ينسجم مع معنى الإيمان.

وقد ورد في هذا المجال، عن محمّد بن حمران، قال: "سألتُ أبا عبد الله(ع) عن الوسوسة وإن كثرت، فقال: لا شيء فيها. تقول: لا إله إلا الله". وعن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله الصَّادق(ع)، قال: "قلت له إنّه يقع في قلبي أمر عظيم، فقال: قل: لا إله إلا الله. قال جميل: فكلّما وقع في قلبي شيء قلت: لا إله إلا الله، فيذهب عنّي".

وقد تحدث لبعض المؤمنين بعض الوساوس والخطرات التي تمثّل الإساءة إلى جلال الله في مواقع عظمته، وتحقير ذاته، وتوجيه الإهانة إليه بشكل جنوني لا شعوريّ، فيعيشون الخوف على دينهم من ذلك، ويخيّل إليهم أنّهم فقدوا الإيمان، وأنّ الله سوف يحاسبهم على ذلك ويعاقبهم عليه. ولكن عليهم، عندما يحدث ذلك، وعلى هدي الإيحاء النبويّ لأولئك المؤمنين الذين هرعوا إليه لتأكيد إيمانهم، أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، وأن يؤكّدوا التزامهم بالإيمان بالله ورسوله، بإظهار ذلك، ومتابعة أعمالهم الخالصة لله، تمرّداً على الشيطان. وقد ينفعهم في علاج هذا المرض الوسواسي النفسي قراءة سورة الناس، من حيثُ إنّها تمثّل الابتهال إلى الله الذي هو {مَلِكِ النَّاسِ}[15]، و{إِلَهِ النَّاسِ}[16]، بأن يُعيذ عبده اللاجئ إليه من الشيطان، بلطفه ورحمته وعنايته.

المصدر: الندوة الأسبوعية في دمشق.


[1]ـ سورة النساء: 98.

[2] ـ سورة النساء: 48.

[3]سورة الإسراء: 100.

[4] سورة القلم: 4.

[5]ـ سورة ص: 5.

[6]سورة الزمر: 3.

[7]سورة يوسف: 106.

[8]ـ سورة النساء: 65.

[9]ـ سورة التوبة: 31.

[10]ـ سورة التوبة: 31.

[11]ـ سورة الفرقان: 43.

[12]ـ سورة يس: 60.

[13]ـ سورة الشورى: 11.

[14]ـ سورة الأعراف: 201.

[15]ـ سورة الناس: 2.

[16]ـ سورة الناس: 3.


مواضيع اخرى للكاتب

تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها
أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
محاضرات رمضانية
أدعية أيام شهر رمضان
أدعية ايام شهر رمضان - صوت
رمضانيات
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر