اليوم: الجمعة25 ربيع الأول 1441هـ الموافق: 22 نوفمبر 2019

قصَّة أصحاب الفيل

محمد السيد

عام الفيل هو العام الّذي ولد فيه سيّدنا ومولانا رسول الله(ص)، وقد سُمّي بهذا الاسم، لأنّه شهد قدوم أبرهة ملك الحبشة على رأس جيش كبير، ومعه الفِيَلَة، من أجل هدم الكعبة الشّريفة، وورد ذكر هذه الحادثة في القرآن الكريم، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ}[الفيل: 1-5].

كما وجاء تفاصيل هذه الحادثة في كتب السِّيَر والتّاريخ، قال ابن كثير في تفسيره: كان هذا توطئةً لمبعث رسول الله(ص)، فإنّه في ذلك العام وُلِدَ على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم ـ يا معشر قريش ـ على الحبشة لخيرتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الّذي سنشرّفه ونعظّمه ونوقّره ببعثة النبيّ الأمّيّ محمد(ص) خاتم الأنبياء.

وبنى أبرهة كنيسةً ضخمة، وقرّر أن يدعو أهل الجزيرة العربيّة لأن يحجّوا إليها بدل الكعبة، وينقل الكعبة إلى أرض اليمن، وأرسل أبرهة الرّسل والدّعاة إلى قبائل العرب في أرض الحجاز يدعونهم إلى الحجّ إلى كنيسة اليمن، فأحسّ العرب بالخطر إذّاك، ولم يستجيبوا لطلبه، فغضب وقرَّر أن يهدّم الكعبة، وجاء على رأس جيش عظيم، وكان بعضهم يمتطي الفِيَلة، وجاء رسول أبرهة إلى مكّة، فدلّوه على عبد المطلب الّذي قال له الحديث المشهور: "نحن لا طاقة لنا بحربكم، وللبيت ربّ يحميه".

أمر عبد المطّلب أهل مكّة بأن يلجأوا إلى الجبال المحيطة بها، وذهب هو وجمعٌ معه إلى جوار البيت ليدعو..

تقدّم أبرهة وجيشه صوب الكعبة، حتى إذا كان طلوع الشمس، طلعت عليهم الطّير ومعها الحجارة، فجعلت ترميهم، وكلّ طائر في منقاره حجر وفي رجليه حجران، وإذا رمت بذلك مضت وطلعت أخرى، فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطنٍ إلا أحرقه، ولا عظمٍ إلا أوهاه وثقبه، وهكذا هزم الجيش وهلك قائده بعد ذلك.

وفي تفسيره لسورة الفيل، يقول سماحة المرجع المفسِّر السيّد محمد حسين فضل الله(رض): {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} الّذين جاؤوا بكلّ قوّتهم وعدّتهم ليهدموا الكعبة الّتي جعلها الله موضعاً لعبادته، ومحجّةً لخلقه، وليست الرّؤية ـ هنا ـ هي الرّؤية الحسيّة، لأنّ الزّمان قد ابتعد عن الفترة الّتي نزلت فيها السّورة، بل الرّؤية القلبيّة المنفتحة على التّاريخ الصّادق المعروف لدى النّاس من جهة، وعلى الحقيقة الصّارخة المتمثّلة بالكعبة الباقية على مرّ السّنين بكلّ التحدّي الإلهيّ للّذين يريدون أن يهدّموها أو يمسّوها بسوء من جهة أخرى.

{أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ}، فلم يستطيعوا أن يحقّقوا لأنفسهم أيّ نجاح لخطّتهم فيما كادوه وخطّطوا له من تخريب الكعبة وتدميرها، بل تحوَّل كيدهم إلى تدمير أنفسهم وضياع جهدهم.

{وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ}، أي جماعات متفرّقة لتحارب كيدهم بدلاً من أهل مكّة الّذين هربوا إلى الجبال خوفاً من قوّتهم وبأسهم وبطشهم.

{تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ}، وهي كلمة فارسيّة مركّبة من كلمتين، تفيدان معنى الحجر والطّين، أو حجارة ملوّثة بالطّين.. {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ}، والعصف هو الحاف من ورق الشّجر، والمأكول هو الفتيت من الطّحين حين تمزّقه الحشرات وتأكله، أو حين يأكله الحيوان ويمضغه، وهكذا تمزّقت أجسادهم وتفتّتت بفعل هذه الحجارة الّتي كانت تفعل فيها فعل القذيفة الّتي تحوّل الأجساد إلى أشلاء بقدرة الله الّتي لا يعجزها شيء.

وبقي للتّاريخ الرّساليّ الإيحاء الإلهيّ الّذي يؤكّد للمؤمنين أنّ الله إذا أراد حماية بيته ودينه، فإنّه يتدخّل بإرادته بطريقة خارقة للعادة، ليهزم كلّ الطّغاة الّذين يريدون به كيداً، فلا تثبت أمامه قوّة، ولا تنجح أيّة مكيدة، مهما كان نوعها، فعلى المؤمنين أن يعرفوا كيف حفظ الله بيته الحرام، حتّى وهو في أيدي المشركين الّذين تفرّقوا عنه، فكيف لا يحميه وهو في أيدي المؤمنين، وتلك هي العبرة البالغة في كلّ حين...[تفسير من وحي القرآن، ج24، ص:426].

قال الماوردي في فوائد هذه القصَّة: وآية الرَّسول(ص) في قصّة الفيل، أنّه كان في زمانه حَمْلاً في بطن أمّه بمكّة، لأنّه ولد بعد خمسين يوماً من الفيل، وبعد موت أبيه.. فلو ظفروا لسَبُوا واسترقّوا، فأهلكهم الله تعالى لصيانة رسوله(ص) أن يجري عليه السّبي حملاً ووليداً.. لقد كان مولد النبيّ(ص) نذيراً بزوال دولة الشّرك والظّلم، وبداية لنشر الخير والعدل بين النّاس، وكانت حادثة الفيل من دلائل نبوّته وبشاراتها قبل مولده(ص).

وتبقى هذه القصَّة القرآنيَّة عبرةً لأولي الألباب في بيان قدرة الله تعالى، ونصرته الحقّ وإزهاقه الباطل.

إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبِّر بالضرورة عن رأي الموقع ، وإنما عن رأي صاحبه .


مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

الإسم: احمد مواسة
الموضوع: للبيت رب يحميه
التعليق: عندما قال عبد المطلب  للبيت رب يحميه هل يقص الاوثان التي كانو يعبدونها ام كان قريش يعلمون بوجود الله (سبحانه وتعالى ) غير انهم  كانوا يكابرون فقط
الرد: يقصد بذلك الله عز وجل، فقد كانوا يقرون بوجود الخالق ولكن يشركون فكان حالهم بالنسبة للأصنام كما قال القرآن الكريم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى
التاريخ: ١٠/١١/٢٠١٦
الإسم: محمد عبدالناصر
التعليق: جزاكم الله خيرا
التاريخ: ١٩/١٠/٢٠١٦
الإسم: سامى
الموضوع: ارجو التفسير
التعليق: هل مطلوب من الكفار ان يحجوا عند المسيحيين فى الكنيسة!؟
الرد: غير واضح.
التاريخ: ١١/١/٢٠١٦
الإسم: عبد الرحمن
الموضوع: عبدة
التعليق: شكرا لكم على هدا الموضوع
التاريخ: ١٥/١١/٢٠١٥
الإسم: احمد ومحمد
الموضوع: بارك الله فيكم
التعليق: جميلة جيدا






التاريخ: ٢٦/١٠/٢٠١٤
الإسم: محمد
التعليق: جيدجدا
التاريخ: ٢٠/١٠/٢٠١٤
الإسم: عدي
التعليق: بسم الله الرحمن الرحيم
بس الله حاسس فينا
جازاكم الله خيرا
التاريخ: ١٦/٩/٢٠١٤
الإسم: خالد
التعليق: هو جميل جدا وملخص كمان جزاكم الله خيراا
التاريخ: ٢٧/٨/٢٠١٤
الإسم: HAKIM
التعليق: يارك الله فيكم
التاريخ: ١٦/٨/٢٠١٤
الإسم: رنا
الموضوع: رنا
التعليق: جميل
التاريخ: ١٢/٢/٢٠١٤
الإسم: ايه جميل
التعليق: نشكركم على هذا الموضوع الرائع لكن  اتمنى ان يكون هناك اهداف لكل قصه يتم شرحها وبالتوفيق انشاء الله
التاريخ: ٢٦/١١/٢٠١٣

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة القضيّة الفلسطينيّة هي القضيّة المحوريّة للأمّة منبر الجمعة: 15 تشرين الثّاني 2019 الإمام الصّادق (ع): رجل العلم والانفتاح أنا صبورة.. ولكنّ زوجي متأفّف! التشيّع الوراثي.. والتشيّع بالتعقّل هل كان محمّد (ص) تلميذاً لراهب؟ درس الرّسول (ص) في ذكرى ولادته: ليكن غضبكم لله وللحقّ المدارس الإسلاميّة الأفضل في بريطانيا موقف الإسلام من الشخص النباتي! منبر الحمعة: 1 تشرين الأوّل 2019م
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر