اليوم: الأربعاء13 رجب 1440هـ الموافق: 20 مارس 2019

العدل في الأسرة

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

يتفرع عن العدل في العلاقات الإنسانية مسألة العدل في العلاقة الزوجية، فالله جعل للزوجة حقّاً على زوجها، وللزوج حقّاً على زوجته، ولا بدَّ لكلِّ واحد منهما من أن يؤدِّي للآخر حقَّه، فمن المعروف أنّ للزّوجة حقّاً على زوجها في أن ينفق عليها في كلِّ حاجاتها، سواء الحاجات الغذائيّة أو الحاجات الأخرى من ملبس وغيره، وحتّى الحاجات الكماليّة المتعارفة، {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ}(الطلاق/7)، بحسب إمكاناته وبحسب حاجاتها.

كما إنّ عدل الزَّوج مع زوجته أن يعاشرها بالمعروف، وهذا ما أكَّده الله تعالى في قوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}(النساء/19)، أي أنّ الزّوج في بعض الحالات المزاجيّة قد يشعر تجاه زوجته بشيء من الكراهية والاستياء، نتيجة بعض الأوضاع السلبيّة الخارجيّة أو العارضة على حياة الإنسان، فعليه أن لا يخضع لها، بل أن يدرس المسألة من ناحية ما هي المصلحة وما هي المفسدة؟ فقد تكون هذه الكراهية ناشئة من حالة طارئة، لا من حالة عميقة في العلاقة، حتى إنّه قد تحدث في نفسه حالة كراهية سطحية مع أولاده وأقاربه، والمفروض أن لا يأخذ الإنسان بمثل هذه الحالات الطارئة، بل أن يدرس المسألة دراسة عميقة، بحسب طبيعة المصلحة والمفسدة في هذا المجال، لأنّه قد يكون مخطئاً في عملية تقويمه لنتائج هذه الحالة، هذه نقطة.

أيضاً، فقد أراد الله سبحانه وتعالى للزّوج أن يعطي زوجته حقَّها من المهر، فلا يجوز له أن ينكر عليها حقّها، أو أن يضغط عليها لتتنازل عن حقّها، يقول تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً* وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}(النساء:20-21)، وهذا يعني أنَّ العدل الزّوجيّ هو ميثاق غليظ.

كذلك ربما تختلف فتاوى العلماء في الحقّ الجنسيّ، فالفتوى المعروفة عند العلماء، أنّ لها حقّاً في هذا الجانب الّذي هو جانب طبيعيّ في الغريزة، مرّة كلّ أربعة أشهر، ولكنّنا نفتي بأنّ حقّ المرأة كحقِّ الرّجل، فكما أنّ للرّجل الحقّ في أن تمنحه المرأة حقّه الزّوجيّ أو الجنسيّ عندما يحتاج إليه، كذلك من حقّ المرأة على الرّجل أن يمنحها هذا الحقّ عند حاجتها إليه، هذا عند كلا الطّرفين من دون إضرار، ومن دون وجود مانع شرعيّ أو مانع صحّيّ أو ما إلى ذلك، لأنّ الله تعالى يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، أي أنّ للمرأة حقّاً مثل الّذي عليها من الحقّ {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}(البقرة: 228)، وهذا له علاقة بالطّلاق، وذلك بما أنفقوا من أموالهم، فللرّجل الحقّ على زوجته في أن لا تمنعه من نفسها مهما كانت الظّروف إلا لعذر شرعيّ، وليس لها أن تخرج من بيته من دون إذنه في حال حاجته إليها في هذا الجانب، أمّا في حال عدم الحاجة، فتُنصح المرأة بأن تستجيب لزوجها، وهو الأحوط، ولكنّ العلماء الآخرين يقولون إنّه لا يجوز لها أن تخرج مطلقاً، ولكنّنا نقول، وفقاً لرأي السيّد الخوئي(ره)، إنّ حرمة خروجها من بيته من غير إذنه يرتبط بحاجته إليها في عالم الاستمتاع وما إلى ذلك.

كما إنّه لا يجوز للرجل أن يضرب زوجته بدون حقّ، كما يفعل بعض الرّجال عندما يأتون إلى البيت وينزعجون من بعض الأمور، بأن يكون الولد مثلاً غير نظيف، أو أنّ الطّعام لا يلائم مزاجه، أو قد تكون نائمة بسبب تعبها وهو يريد منها صنع القهوة، أو ما إلى ذلك، فيندفع إلى ضربها، لأن الكثير من الرجال يعتبر المرأة أَمَة له، لا، بل إنّ المرأة إنسان مثلما الرّجل إنسان.

فالرّجل من ناحية شرعيّة لا يملك المرأة بالعقد، وإنما هذا العقد مثل بقيّة العقود. الآن عندما تقيم عقداً مع شخص في أيّ جانب، فإنّه يقول إنّ المادّة الأولى تحكمك، والمادّة تلك تحكمني. الزّواج هكذا، قد يتصوَّر بعض الناس أنه إذا تزوَّج امرأة فإنّه يملكها، وأيضاً الزوجة قد تتصوَّر أنها تملك زوجها، لا، بل هو يبقى على إنسانيّته وهي تبقى على إنسانيّتها، وما يحكم كلّ واحد منهما هو ما فرضه الله تعالى في العقد الزّوجيّ.

هناك بعض الرّجال يطرد زوجته من المنزل إلى بيت أهلها، ولكنّ ذلك حرام، لأنّ إسكانها في بيته هو جزء من النفقة، فكما أنه لا يجوز أن يبقيها بدون ثياب أو طعام أو طبابة، كذلك لا يجوز له أن يطردها من بيته، كما لا يجوز لها أن تخرج من بيت زوجها لمجرّد الاستياء. نعم، قد يضطهدها زوجها أو يضربها ويتعسّف معها، فيجوز لها في مثل هذا الوضع أن تخرج من بيته، ولا يجوز له أن يطردها من بيتها. وإذا طردها، يتوجَّب عليه الإنفاق عليها أينما كانت، وإذا لم ينفق، فيتعلّق الحقّ بذمّته. وهذا من العدل. وفي المقابل أيضاً، لا يجوز للزّوجة أن تضرب زوجها، بعض الأزواج عندهم ضعف في هذا المجال. إذاً {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}.

وقد ركّز الله سبحانه وتعالى العلاقة الزوجيّة على أساس خطّين: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}(البقرة:229)، أي أنّ من يريد البقاء على الحياة الزوجيّة، فإنّ عليه أن يبقى بمعروف، بأن يعطي كلّ واحد منهما للآخر حقّه، ومن لا يريد إبقاءها، فليكن تسريحٌ بإحسان، وليس بالضّغط والتعسّف وما أشبه ذلك، هذا الخطّ هو خطّ العدالة فيما يجب للزّوج على زوجته، وفي ما يجب للزّوجة على زوجها.

ومن المعروف أنَّ ما تقوم به الزّوجة من شؤون البيت أو إدارته، إذا كان شرطاً ضمن عقد الزّواج، وجب عليها القيام به، ولكن إذا لم يشترط عليها، فلها الخيار في أن تفعل أو لا تفعل، وعادةً إذا أحسن الرّجل معاشرتها، فإنّ الزّوجة تقوم بكلّ ذلك من تلقاء ذاتها. ولكن عندما يضربها ويشتمها ويشتم أهلها، فكيف يمكنها أن تخدمه؟! العلاقة الزوجيّة هي العلاقة الّتي تبني المستقبل للأولاد، هي الخليّة للمجتمع. ولذلك، لا بدّ لمن يريد أن يتزوَّج، من أن يكون إنساناً في زواجه، رجلاً كان أو امرأة.

ولذا نلاحظ أنّ التعاليم الدينية أكَّدت مسألة الالتزام الأخلاقي والديني في شخصيّة الزوج: «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه»، لأن الخلق يجعله يعيش إنسانيّته، والدّين يجعله يخاف من الله أن يظلمها، «فزوّجوه، إلاّ تفلعوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، وكذلك بالنّسبة إلى الزوجة. يروى أنه جاء شخص إلى رسول الله(ص) وقال: يا رسول الله، من أتزوّج، فقال(ص): «عليك بذات الدين» التي تعيش الدين في أخلاقيّته والتزاماته، وتخاف الله في نفسها وفي زوجها وبيتها وأولادها. هذا هو الخطّ الإسلاميّ، لذلك على الرّجل قبل أن يتزوَّج، أن يبني إنسانيّته في نفسه، وأن يكون ناظراً إلى الله تعالى في كلِّ ما يريد أن يقبل عليه، والزّوجة كذلك، هذا هو الجوّ الّذي ينبغي أن يتحرّك مع الزوجة الواحدة، وكذلك الأمر في حالة تعدّد الزّوجات، فالله تعالى يقول: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً}(النّساء:3)، والعدل هنا في النّفقة، لأنّ بعض النّاس يمكن أن يتزوَّج واحدة واثنتين وثلاثة، وليس عنده ما ينفق عليهنّ، لذلك ورد أنّ العدل في النفقة.

فالله تعالى يقول، إذا لم يكن عندك ما تستطيع أن تقوم به من حقوق الزّوجة فيما يطلب منك، فعليك أن تكتفي بواحدة فقط، والعدل يُطلب فيما يستطيع الإنسان القيام به، أمّا في جانب الميل القلبي، فهذا ليس بيد الإنسان، ولذا {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء} أي في الميل القلبيّ {وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}(النساء:129) أن تهجروها، فتكون لا متزوّجة ولا مطلّقة. وهنا يؤكّد القرآن للرّجال مسألة؛ أن لا يكون الزّواج مجرّد حالة مزاجيّة عندهم، بل أن يكون حالة إنسانيّة تنطلق من دراسة واقعيّة عمليّة، لا يلاحظ فيها الرّجل نفسه فقط، بل يلاحظ المرأة أيضاً.

والحديث عن تعدّد الزّوجات حديثٌ طويل جدّاً، وقد لاحظ فيه الإسلام الضّرورات الإنسانيّة العامّة، وأراد أن يركِّزها على أساس ذلك، لأنّه قد يكون حلاً إنسانيّاَ للطرفين، الرجل والمرأة. ولنفترض أن الزواج الثاني قد يشكّل حالة سلبية بالنسبة إلى الزوجة الأولى، إلاّ أنّه عمل إيجابي للزوجة الثانية، والزواج المتعدّد لا يلحظ فيه الجانب العاطفي، ولكن يلحظ فيه الجانب الواقعي الإنساني في حاجات الناس بعضهم مع بعض.

نحن نلاحظ مثلاً الآن في الغرب، أنّ ثمّة قانوناً يمنع تعدّد الزوجات، والعلاقة الشرعيّة هي علاقة الزواج بواحدة، لكنّ العلاقات غير الشرعيّة مباحة، وقد يكون للشّخص الواحد علاقات متعددة. وأيضاً في التقنين الموجود في بعض بلدان الغرب، تعطى المرأة الّتي عندها علاقة غير شرعيّة مثلما تعطى الزوجة، أي نصف أملاك الزّوج وما إلى ذلك.

ومعنى ذلك، أن القانون الغربي جمّد العلاقة الشرعية في واحدة، وأباح العلاقة غير الشرعيّة بلا عدد، دون أن يكون هناك قانون يحدِّد للإنسان أن يكون عنده علاقات غير شرعية.

إضافةً إلى ذلك، فقد أصبح في الغرب ما يسمى الزواج المثلي، وهو أن يتزوّج الرّجل الرّجل، والمرأة المرأة، وهذا صار تشريعاً. أمَّا الإسلام، فقد ركّز الأمور على أساس ما يُصلح الإنسان، لا ما يفسده {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(الملك:14)، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}(الأنفال:24)، أي لما يبني لكم الحياة على الأسس الّتي تشعرون فيها بالتّوازن، وتشعرون فيها بالاستقامة.

هذا شيء من شؤون الكون كلّه، ففي الحياة، لا يوجد ما هو خير مئة في المئة، ولا ما هو شرّ مئة في المئة، ولكن هناك الخير وهناك الشّرّ، لأنّ عالمنا عالم المحدود، مثال ذلك، قبل أن تُبنى هذه القاعة، كان الهواء أكثر والنّور أكثر، لكن كانت الحماية أقلّ والدّفء أقلّ، فبعدما بنيناها، صارت الحماية أكثر والدّفء أكثر، لكنّ الهواء أصبح أقلّ والنّور أقلّ، وهكذا في كلّ الأمور...

فقبل الزواج مثلاً، يشعر الأعزب بأنّه يملك حرّيته، وعندما يتزوّج، يسدّ حاجة من حاجاته، لكنّه يعيش مشاكل أخرى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}(البقرة:219) أي إذا كان الشّيء ضرره أكبر من نفعه يكون حراماً، وإذا كان نفعه أكبر من ضرره يكون حلالاً، أمّا أن يكون هناك شيء كلّه نفع ولا ضرر فيه، أو أن يكون كلّه ضرر لا نفع فيه، فلا يوجد.

في كتابه الكريم يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(النّحل:90)، فالله سبحانه يتوجّه بالحديث إلى النّاس كلّهم فيما تنتظم به أمورهم، وتتوازن فيه أوضاعهم، وذلك بأن يأخذ كلّ إنسان حقّه ونصيبه من الإنسان الآخر، فلا يُضطهد أيُّ إنسان في حقّه، بل لا بدّ من أن يوفّى إليه كاملاً غير منقوص.

وكما أنّ الله سبحانه وتعالى أمر بالعدل في كلّ جوانب الحياة، سواء فيما بين الأفراد أو فيما بين المجتمعات، فإنّه أراد أيضاً في العلاقات الإنسانيّة أن يحسن الإنسان إلى الإنسان الآخر، والإحسان يتمثّل بالكلمة الطيّبة الّتي يخاطب فيها الإنسان الإنسان الآخر، وبالمعاملة الطيّبة والمعاشرة الطيّبة، بحيث يعيش الإنسان مع الإنسان، ويشعر بالإحسان من قبله إليه، وقد يتمثّل الإحسان بقضاء حاجته، وبتخفيف آلامه، وبالمشاركة والمواساة له في حزنه وفي فرحه، بحيث يشعر الإنسان بأنّ قلب الإنسان الآخر مفتوح له، وهذا ممّا ترتكز الحياة عليه، وذلك أن يعيش النّاس العدل في حقوقهم، وأن يعيشوا الإحسان في تعاملهم في كلِّ علاقاتهم الخاصَّة والعامَّة.

وهكذا نقرأ في آية أخرى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ}(الأعراف: 29)، والقسط هو كناية عن العدل، بأن يأخذ كلّ إنسان نصيبه من دون أن ينتقص منه أيّ شيء. وقد أراد الله سبحانه وتعالى لرسوله أن يعدل مع النّاس في كلّ مسؤوليّاته التي يمارسها معهم، وهو الّذي يبلّغ عنه وينفّذ ما يأمر به، {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}، لأنّ النبيّ(ص) كانت له صفتان: صفة التّشريع والإبلاغ والتّبشير والإنذار، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً}(الأحزاب:45-46)، والصّفة الثانية، هي صفة الوليّ الّذي يتولّى أمور النّاس وصفة الحاكميّة، {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}، يعني أنّ النبيّ يملك من المؤمنين ما لا يملكونه من أنفسهم، فهو الّذي يحكم بينهم بالعدل، فيعطي لكلِّ إنسان حقَّه فيما فرض الله تعالى للنّاس من حقوق في مسؤوليَّة النبيّ(ص) في توزيع الزّكاة، أو فيما أوكل الله تعالى الأمر إليه في أن يحكم بالحقّ وأن يحكم بالعدل.

وقد كان النبيّ(ص) في كلِّ أحكامه القمَّة في العدل بين النّاس، بحسب ما حمَّله الله تعالى من مسؤوليّات في التّسوية في العطاء، وفي إدارة أمور المسلمين في الأموال العامّة والقضايا العامّة، كما أنّ الله سبحانه وتعالى أراد من النَّاس كلّهم أن يحكموا بالعدل فيما بينهم عندما يستلمون أية مسؤوليّة، سواء كانت مسؤوليّة خاصّة أو عامّة، وهذا هو قوله تعالى: {إنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}(النساء: 85).

فالعدلُ إذاً هو أمرُ الله سبحانه وتعالى للنّاس كافَّةً، وهو أمر الله لنبيّه، وأمر القرآن لكلِّ من يلي مسؤوليّة. لذلك لا بدّ للنّاس عندما يتحمّلون مسؤوليّة العدل، من أن يمتلكوا ثقافة العدل، بأن يعرفوا الحقوق العامّة والخاصّة للنّاس، سواء كان ذلك في داخل العائلة الّتي يدير الإنسان أمورها، أو في داخل الحكم القضائيّ الّذي يحكم الإنسان فيه في حقوق النّاس، عندما يقدّم كلّ واحد دعوى على شخص آخر، أو في حالات الحكومة العامّة، عندما يستلم الإنسان الحكم بين النّاس في كلّ قضاياهم السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.

وقد أكَّد الله سبحانه وتعالى مسألة أن لا يكتفي الإنسان بأن يعدل هو بين النّاس عندما يتحمَّل مسؤوليّة الحكم، بل إنّ الله تعالى يريد منه أن يحمل رسالة العدل في الحياة. وقد حدّثنا الله سبحانه في مقام التّمييز بين نموذج من النّاس ونموذج آخر، ففضَّل النّموذج الّذي يأمر بالعدل، ويحمل العدل كرسالة يبلّغها للنّاس، ليتثقَّف النّاس كلّهم بثقافة العدل، ليحملوا هذه الرّسالة في كلّ مجتمع يعيشون فيه، ليبلّغوا ما يريد الله تعالى منهم.

قال تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ ـ أي لا ينطق ـ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ ـ عاجز ـ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ ـ فهو يثقل مولاه، لأنّ الإنسان العاجز الّذي لا يقدر على شيء، فإنّ وليَّه هو الّذي يقوم بكلِّ أموره، فيكون ثقلاً عليه ـ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ ـ لأنه لا يملك من أمره شيئاً. هذا الإنسان الّذي هو بهذا الشّكل، والّذي هو كناية عن الإنسان الكافر الّذي لا يؤمن بالله سبحانه وتعالى، والّذي لا يحمل الرّسالة ولا يأمر بما تأمر به، شبَّهه الله تعالى بالإنسان الّذي لا ينطق، والعاجز عن الحركة فيما يتحمَّل من مسؤولية، فهو لا يستقلُّ بنفسه، وهو يثقل على غيره ـ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ـ هل يمكن أن يتساوى هذا الإنسان العاجز المشلول، مع الإنسان السويّ الّذي يحمل الرّسالة، ولا سيَّما رسالة العدل الّتي ارتكزت عليها كلّ الأديان وكلّ الرّسالات وكلّ الموازين { وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(النحل: 76) فهو يأمر النّاس بالاستقامة في حفظ حقوق بعضهم البعض، كما أنّه يتحرّك هو في خطّ الاستقامة؟!

وهناك حالة من الحالات الّتي تحدَّث الله تعالى عنها في سورة الحجرات: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}، لأنَّ الإصلاح بين المؤمنين المختلفين، سواء جرّ خلافهم إلى قتال أو لم يجرّ إلى قتال، فالمسؤوليّة على المؤمنين للإصلاح {إنما المؤمنين أخوة فأصلحوا بين أخويكم}، وهنا { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ـ إذا اعتدت إحداهما على الأخرى ـ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي}، أي حاولوا أن تكونوا ضدَّ المعتدين لمصلحة المعتدى عليه، {حَتَّى تَفِيءَ}، حتّى ترجع {إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ}، إن رجعت إلى أمر الله تعالى وبقي الخلاف بينهما، {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ}، حاولوا أن تصلحوا بينهما إصلاحاً، بحيث تعطوا كلّ إنسان حقّه، {وَأَقْسِطُوا}، وفي حالة الإصلاح، لا تميلوا إلى أحد دون أحد لقرابة أو صداقة أو لحالة عاطفيّة، بل لا بدّ لكم من أن تصلحوا بينهما بما يعطي كلّ إنسان حقَّه.

{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(الحجرات: 9)، فالله تعالى يريد من النّاس أن يقسطوا وأن يعدلوا بين النّاس، سواء كان عدلاً في القضاء، أو عدلاً في الصّلح، لأنّ العدل لا بدّ من أن يحكم كلَّ السلوكيّات الإنسانيّة بالنّسبة إلى النّاس بعضهم مع بعض، وبالنّسبة إلى الحكم والمصلح وما إلى ذلك.

المصدر: محاضرة لسماحته

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن فضل الله: مسؤوليَّة الحوزة إحياء روح الاجتهاد الديني كيف يحاكَم غير المسلمين؟ إعلان اسم الفائز بموسوعة "من وحي القرآن" فضل الله: قضيَّة فلسطين ليست قابلة للمقايضة في محضر الجود منبر الجمعة: 8 رجب 1440هـ/ الموافق: 15 آذار 2019م أيّهما أسبق؛ الدّين أم الحريّة؟ "راب.. حسيني"! مسلم كمستشار لألمانيا! منبر الجمعة: 1 رجب 1440هـ/ 8 آذار 2019م ورشة التَّهدئة المجتمعيَّة في رجب
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر