الترتيب حسب:
Relevance
Relevance
Date

الطّريقُ إلى اللهِ مفتوحةٌ للرّاغبينَ

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

[يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه إذا ابتدأ بالدّعاء بالتَّحميد لله عزَّ وجلَّ:]

" والحمْدُ لله الّذي دلَّنا على التّوْبَةِ الّتي لَمْ نُفِدْها إلّا مِنْ فضْلِه، فلَوْ لَمْ نَعْتَدِدْ من فضْلِهِ إلّا بها، لقَد حسُنَ بلاؤهُ عنْدَنا، وجلَّ إحْسانُهُ إلَيْنا، وجسُمَ فضْلُهُ علَيْنا. فما هكَذا كانَتْ سُنّتُه في التَّوْبَةِ لِمَنْ كَانَ قَبْلَنا، لقَدْ وضَعَ عنَّا ما لا طاقة لنا به، ولَمْ يُكلِّفْنا إلَّا وُسْعاً، ولمْ يُجَشِّمْنا إلَّا يُسْراً، ولَمْ يَدَعْ لأحَدٍ مِنّا حُجَّةً ولا عُذْراً، فالْهالِكُ مِنّا مَنْ هَلَكَ علَيْهِ، والسَّعيدُ مِنّا مَنْ رَغِبَ إلَيْهِ ".

نحن الخاطئون الذين أحاطت بنا الخطايا من كلّ جوانبنا، فكانت خطيئة الفكر، من خلال ما يوسوس به الشيطان لنا من الأفكار الخبيثة والنوازع الخاطئة، وكانت خطيئة القلب، بما تتحرَّك به العاطفة في خطِّ الانحراف، ليحبّ أعداء الله وليعادي أولياءه، وكانت خطيئة الجسد في المعاصي التي تتجسّد فيها المحرَّمات التي أراد الله لعباده أن يجتنبوها، والمواقف الّتي أراد لهم أن يبتعدوا عنها... وتثقلنا خطايانا، وتقودنا إلى مواقع غضب الله، فيكون الهلاك في المصير الدّنيويّ والأخروي عاقبتنا، فنفقد بذلك محبّة الله، فيطردنا من ساحة قربه، فلا منقذ لنا منه، ولا ناصر لنا دونه، ولا مهرب منه إلّا إليه.

ولكنّه لم يتركنا في هذه الحيرة القاتلة، والعقدة المستعصية، بل فتح لنا باب التوبة، ودلّنا عليها، وعرّفنا طبيعتها ووسيلتها ونتيجتها النفسيّة والعمليّة، وقال لنا إنّه { يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ }[الشورى: 25]، وقال لنا إنّه {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}[البقرة: 222].

وعرّفنا ما قال الصّادق (ع): "التائب من الذَّنب كمن لا ذنب له" 1، فعرفنا من ذلك أنّ الخطيئة ليست صفة لازمة للخاطئ، وليست عقدةً عميقة في وجوده، وأنَّ الذنب حالة طارئة تنطلق من الاستغراق في حاجات الذات، وشهوات الجسد، والغفلة عن الالتزام، ونسيان الله، ما يجعل الخلاص منها، بالوعي والتذكّر والانفتاح على الآخرة، أمراً ممكناً، من خلال خطّ التراجع الذي جعله الله للعاصين التائبين الذين ينطلقون مع التقوى الروحيّة في وجدانهم وخطواتهم، حتى { إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ }[الأعراف: 201].

وهكذا كانت التّوبة سبيلاً لتصحيح المسار، وإصلاح الذّات، وتقويم الانحراف للعودة إلى خطّ الاستقامة، ولولا دلالة الله لنا عليها، وقبوله لنا، وغفرانه لذنوبنا من خلالها، وإبعادنا عن اليأس من رحمته، لكنَّا من الهالكين المتخبّطين دائماً في وحول الخطيئة، وفقدان الروح وقسوة اليأس.

وتلك هي النعمة الكبرى التي لا بدَّ لنا من أن نحمد الله عليها، ونقدِّم إليه الشكر عليها. وذلك هو الإحسان العظيم والفضل الجسيم الذي اختصّ به هذه الأمَّة من دون سائر الأمم، فقد كانت سنّته في التوبة للأمم السالفة أكثر صعوبةً وتعقيداً، فقد رُوِي أنّ موسى (ع) سأل ربّه التوبة على بني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: إلّا أن يقتلوا أنفسهم، فأمرهم موسى بالقتل فأجابوا، وهذا ما جاء في قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }[البقرة: 54].

وهذا من الأمور الشاقّة الصّعبة التي لا يتحمّلها الإنسان إلّا بجهد نفسي كبير ضاغط على الكيان كلّه، فلم يكلِّفنا الله ذلك، ووضع عنّا ما لا طاقة لنا به، ولم يكلِّفنا إلّا ما تتَّسع له قدراتنا العادية، ولم يجشّمنا إلّا ما كان يسراً من الأعمال والمواقف، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ }[الأعراف: 157].

وما جاء في حديث الرسول (ص): "بعثني بالحنيفية السهلة السمحة" 2.

وما جاء في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحجّ: 78].

وفي قوله تعالى: { يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }[البقرة: 185].

ولهذا، لم يبق لأحد من المسلمين من أتباع النبيّ محمّد (ص) حجّة ولا عذر في الابتعاد عن الطّاعة، من خلال طبيعة التكاليف المتحركة في دائرة اليسر والسعة والسهولة، وهذا ما عبّر عنه الإمام جعفر الصادق (ع) في الحديث المرويّ عنه، قال: " إذا نظرت في جميع الأشياء لم تجد أحداً في ضيق، ولم تجد أحداً إلّا ولله عليه الحجَّة... وما أمروا إلّا بدون سعتهم، وكلّ شيء أمر الناس به فهم يسعون له، وكلّ شيء لا يسعون له فهو موضوع عنهم، ولكن الناس لا خير فيهم " .

وبهذا كانت الطريق إلى الله وإلى الحصول على السعادة في الدين، والوصول إلى الجنّة، مفتوحة للسالكين الراغبين في رضوان الله وجنّته، في الوقت الّذي يهلك المنحرفون عنها، لأنّهم يوقعون أنفسهم في الهلاك بسبب ضلالهم وتمرّدهم مما اختاروه لأنفسهم من سخط الله.

*من كتاب "آفاق الرّوح"، ج1.

[1]بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج93، ص 281.

[2]مستدرك سفينة البحار، الشّيخ الشاهرودي، ج10، ص 143.

[3]الكافي: الشّيخ الكليني، ج1، ص165.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر