الترتيب حسب:
Relevance
Relevance
Date

هل يتفوَّق النَّبيُّ في جميعِ العلومِ والصِّفاتِ؟!

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

يمكن لنا أن نتحفَّظ عمّا يفيض فيه الكثيرون من علماء الكلام، عندما يتحدّثون عن صفات النبيّ ـــ أي نبيٍّ كان ـــ فيوجبون له التفوّق في كلّ علم وفي كلّ صفة ذاتية، على أساس القاعدة العقلية المعروفة لديهم، وهي قبح قيادة المفضول للفاضل، فإذا لم يكن النبيّ في مستوى القمّة في كل شيء، لم يصلح لمركز القيادة الحياتيّة للنَّاس.

وقد يتطرَّف البعض، فيوجب أن يكون النبيّ أجمل النَّاس وأشجعهم وأقواهم في عضلاته، إلى غير ذلك من الصّفات الجسميّة الّتي لا ترتبط بالنبوّة ولا بالقيادة من قريب ولا من بعيد. فإنّنا نلاحظ في أوضاع القيادات في العالم ـــ حتى العسكريَّة منها ـــ أنَّ القائد لا يفترض فيه أن يكون أكثر شجاعةً من جنوده، فربّما يكون الكثير من جنوده أشجع منه، لأنّ دوره الأساس ـــ كقائد ـــ ليس خوض المعركة، بل قيادتها الَّتي تتمثَّل في الفكر العسكريّ القياديّ الّذي يعرف كيف يخطِّط للمعركة، وكيف يواجه التَّطبيق العمليّ للخطط المرسومة.

وهكذا، نجد القضيَّة في كلّ جانب من الجوانب الحياتيَّة التي لا تتطلَّب من القيادة إلّا أن تكون في مركز التفوّق والكمال في القطاع الذي تتولّى قيادته.

إنّنا نسجِّل تحفُّظنا الشّديد عن هذا كلّه، لأنَّ دور النبيّ لم يكن الدّور المؤسِّس للعلوم الطبيعية والرياضية وغيرها، ولم تكن مهمّته مهمّة المعلِّم للألسن واللّغات؛ إذ لا يُطلَب منه أن يكون مُلمّاً بجميع العلوم وبجميع اللّغات، فضلاً عن أن يكون متفوِّقاً من زاوية نبوَّته، بل المهمَّة الأساسيَّة هي الإرشاد والإبلاغ والإنذار وتعليم النَّاس الكتاب والحكمة، وقيادتهم إلى تطبيق ذلك كلّه على حياتهم، ليخرج النَّاس من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد.

ولعلّنا نفهم ذلك كلّه من تأكيد جانب البشريّة الموصولة بالوحي، والتركيز على الرفض المطلق لعلم الأنبياء بالغيب، إلى مستوى أنّ النبيّ لا يستطيع أن يدفع عن نفسه السّوء، أو يجلب لها الخير الَّذي يخفيه المستقبل، كما في قوله تعالى:

{ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }[الأعراف: ١٨٨].

{ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ }[الأحقاف: ٩].

ولكنَّ الله قد يخصّ نبيَّه ببعض المعلومات الخاصَّة، كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة: { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَد }[الجنّ: ٢٦ – ٢٧].

وتتحدَّث بعض الآيات عن موضوع العلم باللّغات، لتشير إلى أنَّ ذلك غير وارد بالنّسبة إلى النبيّ، وذلك في قضيّة اتّهام الكفّار للنبيّ بأنَّ هناك إنساناً يقوم بتعليمه، فيجيء الردّ القرآني عليها حاسماً، على أساس أنَّ هذا الشخص الذي ينسبون إليه تعليم النبيّ من الأعجميّين، بينما نجد القرآن عربيّاً مبيناً، فكيف يمكن أن تصحّ التَّهمة؟ ومن الطبيعيّ أنّ هذا الردَّ لا يصلح لإفحام الكفَّار، إلَّا إذا كان النبيّ لا يعلم لغة هذا الأعجميّ، لأنّه ـــ في هذه الحال ـــ لا يستطيع أن يفهم منه أو يقوم بمهمَّة الترجمة لما يمليه عليه ذلك من أحاديث التّوراة والإنجيل وغيرهما.

قال تعالى: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }[النّحل: ١٠٣].

إنّنا نتحفّظ عن ذلك في إطار الفكرة التي تربط النبوَّة بالتفوّق المطلق في كلِّ شيء، لأنّ النبوَّة لا تقتضي ذلك كلَّه؛ ولكنَّنا لا نمانع في أن يكون للنبيّ أكثر الصّفات المذكورة من ناحية واقعيّة موضوعيّة، كميزة شخصيّة خاصَّة، لا كميزة نبويَّة حتميَّة في حساب الحكم العقليّ القاطع ـــ كما يقولون ـــ.

*من كتاب "الحوار في القرآن".

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر