الترتيب حسب:
Relevance
Relevance
Date

فاطمةُ الزَّهراء (ع): حياةٌ قصيرةٌ عامرةٌ بالإيمانِ والعطاءِ

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

عاشتِ الزّهراء (ع) حياةً قصيرةً في سني العمر، [ولكنَّ] هذا العمر القصير، كان مليئاً بكلِّ ما يجعل منها امرأةً حيّةً بشكلٍ كامل، في كلِّ الأجواء الرساليَّة والروحيَّة والعمليَّة للرّجال والنّساء معاً.

[فقد] كانت الطّفلة التي لا يتجاوز عمرها السّنتين أو الثّلاث أو الأربع، تعيش الألم، ولا تملك إلّا أن تواسي أباها (ص)... عندما كان يأتي بين وقتٍ وآخر، مُثقلاً بكلّ ما يُلقيه عليه المشركون من ضغوط ومن أعباء ومن مشاكل، وحتّى من الأقذار الّتي كانت تُلقى على ظهره وهو يصلّي...1فكانت كما تقول كتب السّيرة، تستقبل رسول الله (ص) عندما يعود من المسجد، والقوم قد ألقوا أمعاء الجزور على ظهره، بكلّ بكاء الحنان والعاطفة، وتغسل ذلك عنه2.

كان كلّ ما يشغلها في طفولتها ـــ فيما ينقله التاريخ إلينا ـــ هو رعايتها لأبيها رسول الله (ص)، حتَّى قال عنها "إنَّها أُمّ أبيها"3.

لقد تولّت (ع) رعاية رسول الله (ص) الذي كان قد فقد حنان الأمومة في طفولته الأولى. ونحن نعرف كيف تكون الحالة الشعوريّة لدى الطّفل اليتيم عندما يفقد حنان الأبوَّة من جهة، وحنان الأمومة من جهة أخرى. كان (ص) يتطلَّع إلى أن يعيش الحاجة والشَّوق إلى حنان الأمومة، لا من نقص فيه، ولكن لأنَّه بشر، وللبشر حاجته إلى الحنان كما هي حاجته إلى الغذاء، وعطشه للعاطفة كما هو عطشه للماء. فكانت الزهراء (ع) بكلّ قلبها المفتوح لينابيع الحنان المتدفِّقة من تلك النفس الطّاهرة، أمّ أبيها، وهي أوَّل كنية أعطاها لابنته التي هي أمّه بالروح. ونحن نعرف إيحاءات هذه الكلمة، كلمة (أمّ أبيها)... عاش (ص) حنان الأمومة وهو كهل، لأنّه بات يتذكّر طفولته من خلال أمومة ابنته4.

وكانت الزهراء (ع) تشعر بأنّها يجب أن تجعل كلّ ما تملك من الطاقات التي أعطاها الله إيّاها، في خدمة الدَّور الذي أراده سبحانه وتعالى لها أن تقوم به، وفي خدمة النّاس الذين أراد الله أن تخدمهم بما تملك من طاقات5.

[كانت] تبذل جهد الدّعوة والتربية، وتستقبل نساء المسلمين لتحدّثهم عمّا تعلّمته من رسول الله (ص) وما ألهمها الله إياه، وبذلك كانت حياتها حياة متحرّكة، بحيث كانت موزّعة الجهد بين أبيها الّذي كان بيتها قاعدة له، وبين زوجها الّذي كان ينطلق بين وقت وآخر إلى الحرب، ليعود وهو يحمل وسام الانتصار، وبين أبنائها الذين ربّتهم تربية رائعة، وبين المجتمع المسلم الذي كانت ترعاه في شقّه النسويّ، لأنّ الزهراء (ع) كانت تحمل علم رسول الله (ص) في وجدانها، وكانت تتحسّس مسؤوليّتها عن هذا العلم، حتى إنّ أبا جعفر بن جرير الطبري في كتابه "دلائل الإمامة"، ذكر أن خادمتها أضاعت بعض أوراقها، فقالت لها: "اطلبيها، فإنَّها تعدل عندي حسناً وحسيناً"6، ما يوحي بمزيد الاهتمام بالعلم الذي أخذته عن رسول الله (ص). ومن خلال ذلك أيضاً، نعرف أنَّ الزهراء (ع) كانت تحمل علماً جمّاً، ولو امتدَّت بها الحياة، لجنى المسلمون الكثير الكثير من علمها الّذي أخذته عن رسول الله (ص)7.

وكانت في ذلك الجوّ كلّه، تأخذ من وقتها الكثير، لتقف بين يدي الله، لتدعو ولتبتهل إليه، ولتسجد بين يديه. وثمّة حديث عن عائشة تقول فيه: " ما كان في هذه الأُمّة أعبد من فاطمة؛ كانت تقوم حتّى تتورَّم قدماها "8.

كانت من أهل هذا البيت الذي يعيش العطاء في كلّ ما يملكه؛ عطاء العلم والمال والجاه والقوّة، ويعيش العطاء للنَّاس، لا على أساس أن يطلب مقابلاً لذلك، بل { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً }[الإنسان: 8 ـــ 10].

كانت من أهل هذا البيت الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة9.

وبالرّغم من كلّ آلامها وحزنها، كانت المرأة القويّة في الدّفاع عن الحقّ، فلقد وقفت في مسجد رسول الله (ص) [بعد وفاته (ص)] لتحاضر في المسلمين حول حقِّ عليّ (ع)، وإذا كانت قد تحدَّثت عن (فدك)، فقد تحدَّثت عنها في طريق الحقّ، لا من خلال معنى فدك المادّيّ، ثم انطلقت بعد ذلك لتطوف على جموع المهاجرين والأنصار، ولتقيم عليهم الحجّة في ذلك. ثم كانت نساء المهاجرين والأنصار يجتمعن عندها، فلا تجد شيئاً تتحدَّث به إلّا حقّ عليّ (ع)، وعندما يأتيها رجال هؤلاء النساء، كانت تتحدَّث معهم بقوّة. وعندما أوصت وصيّتها بأن تدفن ليلاً، كان ذلك قمَّة احتجاجها على الّذين أبعدوا الحقّ عن صاحبه.

فلا بدَّ من أن نذكر الزّهراء من خلال هذا الموقف الجهاديّ السياسيّ الإسلاميّ الذي كانت فيه أوَّل امرأة في الإسلام، تقف بكلّ قوّة ووضوح وبكلِّ انفتاح، لتؤكِّد الحقّ في مواقعه.

ولذلك، فإنَّ علينا أن نعيش هذه العظمة الحركيّة في شخصيّة الزهراء (ع)، لنتصوّرها في مواقف بطولتها الفكريّة، وشجاعتها الروحيّة، وحركتها الإسلاميّة السياسيّة، فتلك هي صورة الزهراء (ع)، كما هي صورتها في ابتهالاتها وعبادتها وانفتاحها على المؤمنين والمؤمنات قبل أن تنفتح على نفسها، تلك هي الزهراء (ع)؛ سيّدة نساء العالمين10.

[1]في رحاب أهل البيت (ع)، ج1.

[2]النَّدوة، ج9.

[3]ابن الأثير، أسد الغابة، ج 5، ص520.

[4]النّدوة، ج11.

[5]في رحاب أهل البيت (ع)، ج1.

[6]الكافي: الشّيخ الكليني، ج1، ص 6.

[7]النّدوة، ج9.

[8]المناقب، ابن شهرآشوب، ج3، ص 341.

[9]في رحاب أهل البيت (ع)، ج1.

[10]النّدوة، ج1.

مواضيع متعلّقة

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة شهرُ رجبَ شهرُ الرَّحمةِ وذكرِ الله لمقاربةٍ لبنانيَّةٍ وحوارٍ داخليٍّ قبل انتظار مساعدة الآخرين السَّبت أوَّل شهر رجب 1442هـ مناقشة رسالة ماجستير حول ديوان شعريّ للمرجع فضل الله (رض) الحجاب واجبٌ وليس تقليدًا اجتماعيًّا في عصر الإعلام والتّأثير.. مسؤوليَّة تقصّي الحقيقة قصّة النبيّ يونس (ع) المليئة بالعبر المرض بلاءٌ وعذاب أم خيرٌ وثواب؟! فضل الله في درس التفسير الأسبوعي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر