اليوم: الأربعاء17 صفر 1441هـ الموافق: 16 اكتوبر 2019

أؤيّد المرجع فضل الله بأنّ ما يجمع المسلمين والمسيحيّين أكثر مما يفرّقهم

حاوره:محمّد فضل الله - بينات

في رحاب الجمعيّة البولسيّة الكريمة المميّزة برسالتها، كانت انطلاقة الأب البروفسور عادل ثيودور خوري، القلم واللّسان المتمكّن من ناصية علوم الأديان وتاريخ الحضارات والفلسفة وغيرها، حتّى غدا مرجعاً ومناراً في ذلك كلّه، ولا ننسى عبقريّته الفذّة في علم اللّغات العربيّة والفرنسيّة والألمانيّة والإنكليزيّة، وكذلك سبره لأغوار اللّغات القديمة، كاللاتينيّة واليونانيّة وغيرهما...

نحن في حضرة البحّاثة النّاقل لمعاني القرآن الكريم إلى الألمانيّة، والمحاضر أيضاً في جامعات ألمانيا خاصّة وأوروبّا عامّة، وصاحب الحضور المعرفيّ المتوهّج الّذي قلّما يتمتّع به آخرون، كذلك لا ننسى دوره في  الحوار بين الأديان عموماً وبين المسيحيّة والإسلام خصوصاً، المطالب دوماً بالمصالحة والتّصافي والتّعاون في سبيل خدمة البشريّة جمعاء بلا حدود أو هويّات أو انتماءات، العامل بكلّ جهدٍ وإخلاصٍ على تعميق ثقافة السّلام في القلوب والمجتمعات، هو الحاضر في الماضي والحاضر والمستقبل، إنّه حضرة الأب البروفسور عادل ثيودور خوري، الّذي كان لنا معه هذا الحوار..

منهج الحوار

س: الحوار الإسلامي المسيحي هو من بين مفردات حديث القرآن مع أهل الكتاب، وخصوصاً النّصارى، انطلاقاً من أسلوب الإقناع في خطاب الفكر، وليس إلغاء الآخر. ما تعقيبكم على ذلك؟

ج: يوجد عندي بعض النّقاط في هذا الموضوع، فالحوار له مجالات متعدّدة ترتكز كلّها على منهج له بعض الأشكال،وخصوصاً في التّبادل الفكري..

أوّلاً: هو مبدأ البحث عن الفهم الصّحيح وعن الأسلوب النّاجح في عرض ما تمّ فهمه، حتّى نستطيع إيصال ما فهمناه إلى الآخر..

ثانياً:مبدأ محاولة فهم الآخر، كما يفهم هذا الآخر ذاته، والحوار فيما يتعلّق بالفهم المتّفق عليه، وليس بعض النّواحي أو الأفكار أو الآراء الفرديّة، لأنّ هذا الحوار هو حوار أديان، وليس حوار أفراد، وأن يكون العاملون في الحوار من أصحاب الاختصاص، لئلا يختلط الفهم الموروث النّاقص عند عامّة المؤمنين في دين معيّن بنتائج الفكر الصّحيح...

ثالثاً: القرآن الكريم يدعو إلى مجادلة المسيحيّين أو النصارى، كما يقول، بالّتي هي أحسن، ويقول:{وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النحل: 125]، والقرآن يدعو النّبيّ نفسه إلى ذلك، وهذا موقف أسلوب الإقناع، ويعرض عن الترفّع عن الحوار، حتى إنَّه في نصٍّ موجّه إلى المشركين يقول:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[سبأ: 24]، أي أنّه وضع نفسه على مستوى واحد معهم في مسألة الحوار، فكيف يكون موقفه إذاً من المسيحيّين الّذين أكّد أنّهم أقرب النّاس مودّةً للّذين آمنوا، أي للمسلمين، وهذا ما ينادي به أيضاً المجمع الفاتيكانيّ الثاني في الكنيسة الكاثوليكية، وعند المسيحيّين إجمالاً، إذ يحضّ على القيام بحوارٍ أخويّ متّسم بالاحترام والانفتاح وتقدير ما يحتوي الدّين الآخر من حقّ وقيم أخلاقيّة وروحيّة...

التجارب الحواريّة في الماضي، كانت في أكثرها محاولةً للدّفاع عن حقيقة الدّين الخاصّ، وذلك من الطّرفين، المسيحي والإسلامي...

الدّفاع عن دين خاصّ

س: كيف تقيّمون التّجارب الحواريّة في الدّائرة الثقافيّة لدى المسلمين والمسيحيّين ماضياً وحاضراً، ونحن نعلم عبر تاريخ الحضارات، أنّه جرى هناك مناظرات وحوارات إسلاميّة على المستوى الرّسمي وغير الرّسمي، هل المسألة لدى المسيحيّة ولدى الإسلام هي تثبيت وتركيز، أو حماية المواقع الدينيّة لكلّ منهما، وليس انفتاحهما الفعليّ الحيّ على بعضهما البعض؟..

ج: في الواقع، إنّ التجارب الحواريّة في الماضي، كانت في أكثرها محاولةًللدّفاع عن حقيقة الدّين الخاصّ في كثير من الأحيان، وهذا من الطّرفين، الطرف المسيحي والطّرف الإسلامي، في مزيجٍ من محاولة الإقناع بصحّة الدّين الخاصّ، والتّقريع على ضلال الدّين الآخر.. هذا ما كان في الماضي، وعندنا مجموعة كتب تحت إشرافي، هناك حالياً حوالى 30 عدداً من السلسلة الحمراء اسمها "في الحوار والتّعاون"، في هذه الكتب جمعت الحوارات القديمة والمناقشات.. وفيها الكثير من التّقريع وقليل من الحوار، وحاولنا في انطلاقةٍ جديدة أن نجمع في هذا التّراث الحواريّ القديم ما هو غير صدامي بالنّسبة إلى العلاقة مع الآخرين، وقد صدر كتاب في هذا الموضوع...

وأنا عرضت بنفسي محتويات الجدال في عصور الإمبراطوريّة البيزنطيّة في القرون الوسطى في اللّغة اللاتينيّة، وكانت النتيجة نفسها، وهي الدّفاع عن الدّين الشّخصي، والتهجّم على الدين الآخر...

أمّا في التراث المسيحي اللاتيني الغربي، فهو سلبيّ في معظمه، ما عدا بعض المحاولات الّتي بذلت لتحسين مواضيع ومناهج الحوار مع المسلمين...

أختصر القول بالتّأكيد أنّ التيّار الغالب في الماضي حتّى القرن العشرين، كانمهتمّاً بالدّفاع عن الدّين الخاصّ والنّيل من الدّين الآخر، مع وجود بعض التوجّهات الّتي كانت تحاول الانفتاح...

نحن اليوم نركّز على هذه المحاولات الّتي كانتتسعىللانفتاح، لكي ننفتح أكثر، ونجد تخطيطاتٍ ومخطّطاتٍ جديدةٍ للتّقارب الأكبر..

ثقافة المحاور

س: هل وصلنا اليوم إلى مرحلةٍ تؤهّلنا أن نتثبَّت بشكلٍ موضوعيّ من المصادر الأصليّة للدّيانتين الإسلاميّة والمسيحيّة، ليكون الحوار منتجاً ومقارباً للحقيقة أكثر، لينطلق كلّ شخص من هويّته الّتي تعبّر عن حقيقةٍ دينيّة بشكل أصيل، حتّى يعرف إلى أين سيصل في هذا الحوار؟

ج: في الواقع، السّؤال ليس موجّهاً إلى جماعاتٍ بكاملها، هو موجّه خصوصاً إلى المعنيّين بهذا الأمر، هم أصحاب الفكر والاختصاص في العلوم المنهجيّة والعلوم الدينيّة، وبالنّظر إلى هؤلاء المختصّين، يصحّ القول في رأيي، أنّ عدداً يتكاثر منهم قد وعى ضرورة معالجة القضيّة بطريقة موضوعيّة...

نحن الآن في طور التوجّه إلى مرحلة ثانية، هي قضيّتنا في القرن العشرين، قضية الحوار التقاربي، ونرى أنّ الجوّ صار حاضراً، ويجب أن ننطلق الآن من تحضير الحوار وتحضير جوّ الحوار إلى مواضيعه ، على أن يكون كلا الطرفين مضطلعاً بمحتويات دينه الإيمانيّة...

أنا لا يهمّني أن أعرف ما يقوله مثلاً صديقي إذا لم يكن عالماً بدينه، لأنّي لن أستفيد منه في هذا الموضوع.فالمحاور ينبغي أن يكون مضطلعاً بمحتويات دينه الإيمانيّة والفكريّة بشكلٍ يمكّنه من الإجابة عن الأسئلة الّتي يطرحها الجانب الآخر، ثم على كلّ طرفٍ أن يجتهد في الحصول على معرفةٍ صادقةٍ لمحتويات دين الآخر، وذلك باللّجوء معه إلى مصادر هذا الدّين وإلى تعاليم كتبه وشروحات أئمّته، فلا يخلط ما لديه من المعطيات البدائية بما يجب عليه الاجتهاد في الحصول عليه من مصادر هذا الدّين خاصّة...

من هنا، علينا ـ والمقصود الطّرفان ـ أن نتغلّب على النّقص في المعرفة والتّقدير بالنّسبة إلى دين المحاور الآخر. وأنا لديّ نكتة الآن، كنّا في مجمع ـ مسيحيّين ومسلمين ـ في بون في ألمانيا، وأنا كنت أعيش في ألمانيا منذ خمسين سنة، فقام الرّئيس الّذي يدير الحفلة، وهو صحافي مسلم، بدأ بالكلام وقال إنّه يعرف كلّ شيء في المسيحيّة، لأنّ كلّ شيء موجود في القرآن، عندما انتهى قلت لصديقي "محمد سالم عبدالله"، وكان يجلس إلى جانبي، ماذا يقول؟ قلت له: أنا لا أصدّق هذا الكلام، هذا غير معقول، لأنّ القرآن لم يحدّد كلّ المسيحيّة، القرآن جاءت فيه آيات عن أمور مختلفة، ولم يعط فكرة عن كلّ المسيحيّين...

لذلك، عندما يريد أحد أن يتعرّف إلى الديانة المسيحيّة، عليه أن يسأل المسيحيّين أنفسهم عن دينهم، أن يسأل أصحاب اللاهوت ليعلموه ما هي المسيحيّة، تماماً كما على المسيحيّأن يسأل أئمّة الفكر الإسلاميّ من السنّة والشّيعة، حتى يعرف ما هو الإسلام..

بعدها تحدّث زميلي محمد سالم عبدالله إلى ذلك الصّحافيّ، وأخبره أنّ المسيحيّة تطوّرت وصار هناك أمور ومدارس لاهوتيّة وأشياء فكريّة كثيرة. نحن لا يمكننا أن نقول إنّ بعض الآيات القرآنيّة علّمتنا كلّ شيء عن المسيحيّة، والمرحوم آية الله السيّد فضل الله يقول الشّيء نفسه. إنَّ الأمور السطحيَّة لا تغنينا عمّا نحن بحاجةٍ إليه...

لذا، علينا أن نتغلّب على النّقص في المعرفة والتّقدير بالنّسبة إلى دين المحاور الآخر...

ينبغي على المحاور أن يكون مضطلعاً بمحتويات دينه الإيمانيّة والفكريّة بشكلٍ يمكّنه من الإجابة عن الأسئلة الّتي يطرحها الجانب الآخر...

دراسات إسلاميّة ـ مسيحيّة

س: بناءً على هذا الكلام، هل ترى اليوم ضرورةً لإيجاد دراسات مقارنة إسلاميّة مسيحيّة؟

ج: طبعاً لا بدّ منها، نحن بدأنا بهكذا دراسات، إذ كان هناك معهد في فيينّا، وكنت عضواً فيه، وكان هناك الكثير من المقابلات والنّدوات والأحاديث والمناقشات الوديّة بين مسلمين ومسيحيّين على مواضيع الدّين. وتبقى عند ذلك إمكانيّة الحوار دون تعكير الجو، لأنّه كما نقول نحن، وكما يقول آية الله فضل الله، إنّ ما يجمع بين المسيحيّة والإسلام أكثر مما يفرّق بينهما، وهذا هو الأساس...وكان هناك حوارات ثنائيّة بين فيينّا وطهران، وزيارات متبادلة من الطّرفين...

الدّين مصدره وحي الله

س: يقول سماحة المرجع الإسلامي الرّاحل السيّد فضل الله(رض)، إنّ مشكلة الحوار أنّه ينطلق في أسواقٍ استهلاكيّة تتحرّك على سطح الفكر، ويقول سماحته أيضاً: لا نريد للحوار أن يستهلك في الواقع السياسيّ، بل أن يتحرّك في أجواء عقلانيّة أكثر،وأن يكون حياديّاً حتّى مع الفكر الّذي يلتزمه المحاور. ما تعقيبكم على هذاالكلام؟

ج: في الواقع، هذا خطرٌ يحدق بالكثيرون الذين يظنون أنهم يعملون للحوار، بحيث يبقونه على سطح الفكر كما يقول الراحل السيد فضل الله، لأنّ الغرض من هذا الحوار، ليس التعمّق في الأمور الدّينيّة والأخلاقيّة، ولا الوصول إلى المعرفة الحقّة، بل إنَّالبعض يحبّذ فكرة الحوار لمكاسب سياسيّة، يعني ليس المفروض التعمّق في الأمور الدينيّة، دون التعمّق في مفاهيم العقيدة وقواعد الأخلاق الحميدة ودروب المسالك الحياتيّة..

الجوّ العقلاني يعني إفساح المجال للفكر السّليم، أن يمهّد لارتقاء معارج الفهم، أكان ذلك بالنّسبة إلى دين صاحبه أم إلى دين الجانب الآخر، يجب أن يكون هناك انفتاح، لكن يجب أن نعي في الوقت نفسه أنّ الدّين ليس مصدره الأوّل والأهمّ العقل البشري، بل كلام الله في وحيه، فالعقل وظيفته وظيفة تكميليّة في الوصول إلى فهمٍ سويّ، في محتويات الوحي وكلام الرّسل والأنبياء، فيتعاون الطّرفان، الوحي والعقل البشريّ، لتتمّ عمليّة البلوغ إلى محتويات الدّين ووصاياه وألوان تطبيقه...

وسائل عمليّة لتفعيل الحوار

س:ما هي الوسائل العمليّة الكفيلة بإحياء العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة في الواقع، كي لا يبقى الحوار ضمن غرفٍ مغلقة، أو ضمن مؤتمراتٍ أو ما شاكل ذلك؟..

ج: المقترحات العمليّة هي أنّ الهدف يجب أن يكون إيصال فكرة الحوار وأهداف الحوار إلى أصحاب الفكر المخلصين، وأن يكونوا مقتنعين بضرورة الحوار، وعالمين بقدرٍ كافٍ بمناهجه العلميّة وأهدافه الطيّبة، فينتقل هذا كلّه بفضل نشاطهم إلى المجتمع...

فإذاً، حتّى لايبقى الحوار في الغرف المغلقة، كما تقول، يجب أن يصل إلى وسائل الإعلام، فتكون هذه الوسائل على بيّنة مما يريد الحوار ومن نتائجه المفيدة للمجتمع وللجماعات المختلفة، فتساهم في نشر الفكرة في صفوف القرّاء أو المشاهدين، مشاهدي التّلفزيون، أو وسائل الاتصال الإلكترونيّة المختلفة...

 كذلك المواضيع وأساليب التفكير المشتركة بين المتحاورين الأصليّين، يجب أن يُعنى بها، وتمارس بجدّ من المختصّين من الطرفين، ويكون معروفاً أنّ هذا كلّه عمل مشترك، حتّى يصل إلى المجتمع المختلط، فالعاملون في الحوار يعملون معاً بصدق، ويجتهدون معاً ليقدّموا حلولاً مشتركة، ولذلك أقول إنّ هذا التّعاون على هذا الصّعيديأخذ أشكالاً؛ ففي الحوار، يجلس المحاور في مقابل الآخر، ويتداولان في هذه المواضيع، أمّا في التّعاون، فيجلس واحدنا إلى جانب الآخر، ويتطلّع إلى المشاكل المشتركة، ويسأل نفسه ودينه كيف يمكنه أن يقدّم الوسائل لحلّ هذه القضايا المشتركة...

هذه هي منهجيّة الحوار والتّعاون في هذا العمل المشترك، وقد ورد اقتراح متكرّر في اجتماعات الحوار، بإنشاء مركز مشترك للأبحاث في الحوار والتّعاون في الواقع...

أنا قبل عشرين سنةً قدّمت هذا المشروعلمركز حوار مشترك مسيحي ومسلم، وكان هناك تقبّل للفكرة ولكنّها تلاشت...

وهناك الكثير من الأفكار الّتي تنمو في هذا البلد ثم تضيع، ولكنها رجعت مؤخّراً، ففي تشرين الثّاني الماضي، كان هناك مؤتمر في لبنان، وقد جئت لمدّة أسبوع لكي أحضر المؤتمر وأتحدّث فيه، وكان يضمّ مجموعةً أساتذة الجامعات، مسيحيّين ومسلمين، فاقترح واحد من زملائنا المسيحيّين إنشاء فريق عمل أو مركز مشترك للأبحاث المتعلقة بقضايا الحوار، وهذه الفكرة مهمّة وعلينا أن لا نضيّعها، وأن نسعىلتطبيقهافي يومٍ من الأيّام، ونحن نملك الطاقات الكافية والإمكانيّات في هذا المجتمع...

واقعيّة التّقارب

س: إلى أيّ حدّ ترون التقارب موجوداً فعلاً بين العالمين الإسلامي والمسيحي، في ظلّ ما نراه من تأثيرٍ للدّعاية السياسيّة والإعلاميّة في هذا الموضوع؟

ج: هذا الموضوع شائك على مستوى العالم الإسلامي والمسيحي، وعلى مستوى العالم والمجتمع البشريّ بكامله، ليس هناك الكثير مما يمكن وصفه بالتّقاربوالتّفاهم الحقيقي، باستثناء ما تقوم به مؤسّسات إعلاميّة وثقافيّة ودينيّة من نشر أفكارٍ تدعو إلى هذا التّقارب وتمهّد السّبيل إليه، وأشكر الله أنّ هذا شيء موجود في بلادنا، كما هو موجود في ألمانيا...

فإذاً نحن اليوم لا نزال بعيدين عن هذا التّقارب الصّادق المتين، وكما عبّر عنه القرآن، الّذي أكَّد أنّ أقرب النّاس مودّة للّذين آمنوا النّصارى، والّذي أيّدته مبادرات كثيرة متفرّقة، وهو ما نادى به المجمع الفاتيكاني الثّاني في الكنيسة الكاثوليكيّة، ومن سار على خطّه من المؤسّسات المسيحيّة الّتي تدعو إلى الحوار الأخويّ، كما ورد في النّصوص...

...

وبعيداً عن المصالح العائدة إلى الفرق المختلفة والتيّارات السياسيّة، لدينا هنا مجال واسع للتّعاون مع وسائل الإعلام، في سبيل دعم الجهود الرّامية إلى مساندة التّقارب وتوطيد دعائم العيش المشترك.. ولا يخفى أنّالعربيّ، ولا سيّما اللّبنانيّ، يعبّر عن تفاؤله وعن أخوّته وعلاقة المودّة الّتي تجمعه بأطراف الدّيانات الأخرى، إلا أنّ التّعبير لا يكون من القلب، بل فقط من اللّسان، بينما المطلوب أن تصل إلى القلب أوّلاً، حتّى تعبّر عن معناها ويصدّقها الآخر...

آليّاتٌ لنشر الحوار

س: ما هي واقعيّة فكرة وضع آليّات تربويّة ومناهج معيّنة لجهة الحوار الإسلامي المسيحي، على مستوى الكتب والمحاضرات في المدارس والجامعات؟

ج:هذه الفكرة مفيدة جدّاً ويجب تطبيقها، لأنّ الفكر إذا بقي محصوراً في الجامعة وفي معاهد الأبحاث العلميّة، لا يصل إلى النّتيجة المرجوّة، لأنّ هناك مرحلتين: المرحلة الفكريّة والمرحلة التطبيقيّة، فنحن عندما نتحدّث عن الآليّات التربويّة حول الحوار المسيحي الإسلامي على مستوى الكتب والمحاضرات والبرامج في الإذاعة والتلفزيون، وكذلك في الجامعات والمدارس والمؤسّسات التربوية والوسائل الإعلامية، فتكون هذه الفكرة ذات أهميّة كبيرة لنشر الأهداف وكسب القدرات والإستفادة منها.

المهمّة الكبيرة الّتي عليها أن ترافق نشر الفكرة، هي وضع آليّات لنقل الفكرة من مصانع الفكر، إن جاز التّعبير، إلى مجالات التّنفيذ، ونحن كنّا في حلقة، فقام زميل مسلم، وقال إنّ همّنا أن نفكّر كيف يمكن أن ننقل الفكرة من الجامعة إلى الجامع حتّى نصل إلى الشّعب، فقلت له: معك حقّ، وكيف يمكن أن ننقل الفكرة من الجامعة إلى الكنيسة حتّى نصل أيضاً إلى الشّعب من الطّرفين، لأنَّ الفكرة هنا هي الآليات التربويّة المهمّة جداً...وأعقّب هنا وأقول:ومن الجامع والكنيسة إلى المجتمع.

يبقى أن يتواجد أشخاص مسلمون ومسيحيّون من أصحاب الاختصاص العلمي والمنهجي ليقوموابالجزء الأوّل من العمل، وهو البحث العلميّ الصّحيح في مواضيع الحوار، وهم الّذين سيكتبون الكتب، والّذين يقدّمون المحاضرات ويشرفون على النّشرات في وسائل الإعلام، وأن تتواجد مؤسّسات تحتضن هذا الفريق المختلط،وتوفّر له أسباب البحث والتّفكير والتّأليف والنّشر...

العلاقة مع السيّد فضل الله(رض)

س: ماذا تقولون عن علاقتكم بسماحة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)؟

ج: علاقتي بسماحة المرجع الإسلامي الرّاحل، السيّد فضل الله، كانت قصيرة، لأنّني كنت غائباً عن البلد لمدّة خمسين عاماً، ولكنّها كانت علاقة عميقة. أنا أعيش في ألمانيا منذ سنة 1963، وكنت أستاذاً في علوم الأديان في كليّة اللاهوت الكاثوليكي في إحدى الجامعات في ألمانيا، ولم أكن أستطيع رؤيته إلا في لقاءات متفرّقة عند حضوري إلى لبنان من وقتٍ إلى آخر، ثم كانت الحرب الأهليّة، وصعبت المواصلات، ولكنّ هذه اللّقاءات المتفرّقة جعلتني أشعر عنده بدفء المودّة، ورحابة الصّدر، وعمق الروحانيّة، فسماحته لم يكن مفكّراً فقط، بل كان روحانيّاً، وكان(ره) يسرد لي من أشعاره الروحانيّة، ما جعلني أتنسّم معه نفحات الرّوح، وأعجب بعمق معانيه ومشاعره. وكم من مرّةٍ تطرّقنا إلى حديث الحوار بين المسلمين والمسيحيّين، وإلى بعض النّقاط الّتي يظنّ الكثيرون أنّها مواطن اختلاف لا يمكن تخطّيها، فإذا به يعبّر بكلام واضح عن رأيه في الموضوع ويأتي بمقترحات عمليةلأي قضاياإختلافية وهذا ما نلاحظه في كل خطبه وتصريحاته...

سألته مرّة: سماحة السيّد، هل نحن كفّار؟ مشركون؟ فقال لي: لا، أنتم تؤمنون بالله الواحد، هناك اختلاف بيننا وبينكم في الأمور اللاهوتيّة. وفي اليوم الثّاني، تحدّث في مقابلة معه على التلفزيون، أنّ المسيحيّين ليسوا كفّاراً.. والمشجّع لجميع العاملين في الحوار قول سماحته: إنّما يجمع بين المسلمين والمسيحيّين هو أكثر مما يفرّق...

إنّ ما قام به سماحة الرّاحل السيّد فضل الله في ميدان الحوار الإسلامي المسيحي، يستحقّ التّقدير والاهتمام..وأنا ألتقي معهبأنّ ما يجمع المسلمين والمسيحيّين أكثر مما يفرّقهم...

تجربة رائدة

س: كان لسماحته الباع الطّويل في ميدان الحوار الإسلامي المسيحي، لناحية التّنظير والتّأليف والعمل. كيف تنظرون إلى هذه التَّجربة الرّائدة في هذا المضمار، وكيف يمكن الاستفادة منها في مواجهة التحدّيات؟

ج: في الواقع، إنّ ما قام به سماحة الرّاحل السيّد فضل الله في ميدان الحوار الإسلامي المسيحي، يستحقّ التّقدير والاهتمام، وذلك في نواحٍ مختلفة، منها انفتاحه على الحوار مع ممثّلي الجماعات المسيحيّة المختلفة، وإلقاؤه المحاضرات لعددٍ من طلاب الجامعات، ومقابلاته مع وسائل الإعلام، وهو لم يترك طريقةً إلا وعمل من خلالها...

ويهمّني في هذا المجال أن أذكّر ببعض المبادئ الّتي اعتمدها في حواره، والّتي ألتقي فيها معه، ومنها: أنّ ما يجمع أكثر مما يفرّق، وأنّه يجب أن ندرس فكر الآخر بعمق، وأنّ علينا اتّباع منهج التّفكير العقلاني الصّحيح في الحوار...

قيم أخلاقيّة مشتركة

س: هل يمكن القول إنّ العودة إلى الجذور الإيمانيّة في الشّرق والغرب ظاهرة اجتماعيّة صحيّة تساعد على التّقارب بين الشعوب والحضارات؟

ج:هذا يتوقّف على كيفيّة فهم الدين من الطرفين، ولا يوجد اتفاق بين الشّرق والغرب على هذا الموضوع، أمّا القيم الأخلاقيّة المشتركة لكلّ مجتمع، فهي مشتركة بين المسيحيّين والمسلمين، فالوصايا الّتي وردت في سورة الإسراء، هي نفسها نقرأها في الكتاب المقدّس، يعني هناك اتفاق واضح في مسألة القيم. فالرّجوع إلى الفكر الدّيني والتّركيز على القيم الأخلاقيّة، هي أمور تمهّد السّبيل إلى تقارب أكبر بين الغرب والشّرق. ولكن للأسف، نحن غائصون في معركة لا أجد لها معنى، فهذه المناظرات والمشادات والحروب لم يكن لها جدوى في الماضي ولا جدوى لها الآن...

الأديان كلّها تسعى إلى السّلام والعدل، وإلى الأخوّة بين البشر، لأنّ الإنسان إنسان، والله جعلنا شعوباً مختلفة على الأرض ليتعارفوا ولم يقل ليتناحروا، وهذا ما نقوله نحن...

وأنا لا أزال أرجو أن أرى يوماً تتحوّل فيه الأفكار إلى هذا المنحى، وليس فقط إلى المكاسب الاقتصاديّة أو السياسيّة، حتّى نعيش بسلام...

الإسلام والمسيحيّة كلاهما يركّز على مفهوم الرّحمة ورضا الله، فإذا قمنا بتركيز علاقاتنا مع بعضنا البعض على أساس الرّحمة والمحبّة، عندها ينتج العدل والسّلام...

رسالة القرآن والإنجيل

س: ما هي رسالة القرآن الكريم والإنجيل المقدّس لشعوب العالم؟

ج: هناك أمران،فالقرآن يركّز دائماً على مفهوم الرّحمة ورضا الله، والمسيحيّة تركّز على المحبّة ورضا الله تعالى، وبين الرّحمة والمحبّة هناك تقارب كبير، فإذا قمنا بتركيز علاقاتنا مع بعضنا البعض على أساس الرّحمة والمحبّة، ينتج عندها العدل والسّلام، وإذا ركّزنا على هذه المفاهيم والقيم الموجودة في كتبنا المقدّسة، يكون هناك أمل ورجاء أن تتحسّن أوضاع العالم...

السيّد المسيح يقول في الإنجيل: أحبّوا كلّ النّاس حتّى أعداءكم، فإذا كنّا سنحبّ أعداءنا، فكيف بأصدقائنا، كيف بإخواننا!...

أرجو أن تكون علاقاتنا في الحاضر والمستقبل تحت سقفرضا الله، وأن تكون علاقات المودّة والمحبّة هي الحاضرة...

مقابلات أخرى لنفس المحاور

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي براءة الشيعة من الشّرك! فضل الله: نرفض شيطنة الوجود الفلسطينيّ في لبنان منبر الجمعة: 4 تشرين أوّل 2019 أسهر حتى طلوع الشّمس ولا أصلّي؟!
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر