اليوم: الثلاثاء10 شوال 1441هـ الموافق: 2 يونيو 2020

من الآية 19 الى الآية 21

الآيــات

{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة في الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدُّنْيَا والآخرة وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ* وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رؤوفٌ رَّحِيمٌ* ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَتِ الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يشاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(19ـ21).

* * *

تحريم إشاعة الفاحشة

ما هو جزاء من يعيشون العقدة ضدّ الطيبين من الناس، ويحاولون تشويه صورتهم في الأذهان، كوسيلةٍ من وسائل التنفيس المرضيّ عن العقدة، دون حساب الآثار السلبية التي تنعكس على الفرد والمجتمع جرّاء ذلك كله؟

إن الآية الكريمة تحدثنا عن الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وعن عقوبتهم المنتظرة في الدنيا والآخرة.

{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ في الَّذِينَ ءَامَنُواْ} وذلك بإثارة الكلمات اللامسؤولة التي تتحدث عن حركة الفاحشة في حياة المؤمنين، من أجل إفساد طهارة الجوّ الإيماني الذي يغمر الجميع بأنفاس العفّة، حتى ليخيّل إلى الإنسان أن المجتمع يتفايض بالطهارة ويرفرف بالنقاء، في ما يراه من توازن الأفكار والمشاعر، واستقامة الأخلاق والخطوات، ونظافة العلاقات، فيأتي هؤلاء من هنا وهناك، ليطلقوا الإشاعات الكاذبة، بأن فلاناً زنى، وبأن فلانة انحرفت.. ويخوضون في ذلك، حتى يدفعوا الناس إلى الخوض فيه، فيتبدل الجوّ الطاهر إلى جوٍّ يوحي بالقذارة، ويتغير الهواء النقيّ إلى هواء فاسد، ويتحول الإيحاء في حركة الحياة من اتجاه يثير المعاني الطاهرة في الروح والشعور إلى اتجاه يثير المعاني القذرة في داخل النفس الإنسانية..

وهكذا تساهم الإشاعات والكلمات اللاّمسؤولة في انحراف الفكرة والإحساس، والخطوة والموقف، وتشكّل خطوةً تربويّة سلبيّة، بدلاً مما يريده الإسلام للكلمات أن تتحرك فيه، بحيث تكون خطوة تربويّة إيجابيّة، فإن الإنسان يتأثر بالمجتمع سلباً أو إيجاباً من خلال الفكرة التي يحملها عنه، أو من خلال الجوّ الذي يحتويه بفكره وروحه وحركته.

وقد يكون هذا هو السبب في تحريم الإسلام لتداول الحديث في الجو الاجتماعي العام عن الانحرافات الحقيقيّة التي تحدث في المجتمع، بحيث تصبح تلك الانحرافات حديث الناس كلهم، لأنّ ذلك قد يخدش سلامة التصوّر الأخلاقي الذي يحتاجه الإنسان في عملية النموّ الذاتي، بما يثيره من مشاعر سلبيّةٍ منحرفة، كما قد يسيء إلى سمعة الإنسان المنحرف الذي لا يريد الإسلام أن يتحوّل الخطأ عنده إلى عقدةٍ مستحكمةٍ بسبب خوض الناس فيه، بل يريد أن يفسح له فرصة التحرك نحو التصحيح في خطوة تراجعيّةٍ دون أن يفقد شيئاً من الإحساس بالكرامة، ما دام الخطأ حالة طارئة خفيّة عاشها، ويشعر بثقلها في داخله.

* * *

بين العمل الصالح والنفس الصالحة

إن الإسلام يؤكّد على احترام الفرد في خطئه، وحصر الخطأ في الدائرة الخاصة المتصلة بالمسؤولية، لينال جزاءه عليه، أو ليتراجع عنه، وعلى احترام المجتمع في جوّه العام، وإبعاد الأجواء الشرّيرة، وما يوحي بها من كلام وخطوات.. وهذا في الحالات التي لا تفرض المصلحة العامة التشهير بالمنحرف كعقوبةٍ علنيّةٍ، من خلال ما يفرضه الردع القانوني الشرعي من وسائل حاسمة في ذلك.

وقد ورد في الحديث الشريف عن الرسول (ص)، في ما رواه الإمام الصادق عنه، قال: "من أذاع فاحشةً كان كمبتدئها"[1].

وقد تحدث الإمام جعفر الصادق (ع) عن بعض النماذج التطبيقيّة للآية، في ما رواه بعض أصحابه، كما جاء في كتاب الكافي، قال: من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه، فهو من الذين قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[2].

وقد جاء التعبير عن هؤلاء الذين يعملون على إشاعة الفاحشة في المجتمع المؤمن، بقوله: {يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ}، باعتبار أن الحب للشيء يدفع إلى التحرك نحوه، أو باعتبار أن الفعل الذي يقوم به صاحبه، ينطلق من حبّ ذاتيٍّ له، وذلك في لفتةٍ إيحائيّة، بأن الله يريد للإنسان أن يربّي نفسه على تنظيف قلبه من الميل المنحرف والشعور العدوانيّ والنيّة الشرّيرة، لأن ذلك هو أساس السير في خط الاستقامة في الحياة، فلا يكفي في الصلاح أن يكون العمل صالحاً في طبيعته، بل لا بد من أن تكون النفس صالحة في مشاعرها ودوافعها.. وقد ورد في الحديث الشريف: «إنما الأعمال بالنيّات، ولكل امرئ ما نوى»[3]، وفي حديث آخر: «يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة»[4]، ما يوحي بأن النيّة تمثل عمق المسؤولية في العمل، وليس العمل وحده..

وقد نستوحي من التعبير عن هؤلاء بأنهم من {الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا}، التأكيد على أن في نشرهم للفاحشة على مستوى الكلمة سعياً لتحريك المجتمع في هذا الاتجاه، من خلال تحطيم الضوابط الأخلاقية التي تدفع الفرد إلى الالتزام بالخط الأخلاقي السليم.

وفي ضوء ذلك كله، كانت العقوبة شديدةً تشمل الدنيا والآخرة في ما جاءت به الآية.

* * *

العذاب الأليم لمحبّي إشاعة الفاحشة

{لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدُّنْيَا والآخرة} لأنّ هناك انتهاكاً لحقّ العباد، في الإساءة إلى سلامة الفرد والمجتمع في كرامتهما وأخلاقيتهما، وإساءة لحقّ الله في عصيان نواهيه، ما يستوجب مضاعفة العقوبة، لتكون للدنيا عقوبتها التي تحمي المجتمع من طغيان هؤلاء وامتدادهم في حياته، ولتكون للآخرة عقوبتها، في ما يفرضه العدل الإلهي من مجازاة الإنسان على أعماله.

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ما تشتمل عليه هذه القضية من مفاسد ونتائج سلبيّةٍ على أكثر من صعيد، مما يفرض الردع على كل المستويات.

{وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} في ما أولاكم من ألطافه، وفي ما أنزله عليكم من شرائع أراد بها صلاح حياتكم، وفي ما فتحه لكم من أبواب التوبة التي هي منطلق العفو والمغفرة {وَأَنَّ اللَّهَ رَؤوفٌ رَّحِيمٌ }، لما استطعتم أن تصلوا إلى شاطئ النجاة.

* * *

الابتعاد عن خطوات الشيطان

{يا أيها الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطانِ} في ما يأمركم به من انحراف عن خطّ الاستقامة، وفي ما ينهاكم عنه من سير في طريق الله، {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} لأنّ كل مبتغاه منع الإنسان عن السير في الخط الذي يؤدي به إلى الجنة، وإلى رضوان الله، وذلك بإبعاده عن المعروف وعن الوقوف عند الحدود التي أراد الله لعباده الوقوف عندها وعدم تجاوزها، {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً}، لأن الشيطان يملك من وسائل الإغراء والإغواء ما يدفع الإنسان إلى السقوط تحت تأثيرها، في ما يحرك به غرائز الإنسان وشهواته، وفي ما يثير به أطماعه وطموحاته ونوازعه الذاتية المنحرفة. {وَلَـكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ} بما يفيض عليهم من لطفه، وبما يفتحه عليهم من أفكار الخير ومشاعر الإيمان، وبما يدلّهم عليه من سبل الهدى والاستقامة في الحياة {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسمع لمن سأله التزكية، ويعلم من كان متطلعاً إليها مستعداً لها.

ــــــــــــــــــ

(1) الكافي، ج:2، ص:356، رواية:2.

(2) (م.ن)، ج:2، ص:357، رواية:2.

(3) تهذيب الأحكام، ج:4، باب:1، ص:186، رواية:102.

(4) الكافي، ج:5، ص:20، رواية:1.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة هل هناك ما يعجز الله سبحانه؟! هل يدخل الفاسق الجنّة بولايته لأهل البيت (ع)؟! العودة إلى صلاة الجمعة.. سبل الوقاية أوّلًا خطبة عيد الفطر: لا معنى للعيد إلّا بالبذل والعطاء. المبرّات وزّعت كسوة العيد على 4600 يتيم فتح الرسول (ص) مكة وأسباب انتصاره. الأحد أوّل شوّال 1441هـ ليلة القدر.. ليلة البركات والعطاءات فضل الله: ليتحسّس كلّ منّا إنسانيّته للتّخفيف من مآسي كورونا
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر