اليوم: الأحد16 محرم 1441هـ الموافق: 15 سبتمبر 2019

من الآية 41 الى الآية 42

بسم الله الرحمن الرحيم 

الآيتــان

{وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة ولأَجْرُ الآخرةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ* الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (41ـ42).

* * *

المهاجرون في الله لهم الأجر الأكبر في الآخرة

وهذا نوع آخر من الناس، عاش المعرفة فكراً وإيماناً، وتحمّل مسؤوليتها جهداً وعناءً وتشرداً، من أجل أن يحوّلها إلى فكر يشمل الناس كلهم، وإلى إيمان يحتوي الحياة كلها من موقع المسؤولية الرسالية التي أراد الله لعباده أن يحملوها إلى أنفسهم وإلى الآخرين، فهو لم يشأ أن ينكمشوا داخل ذواتهم ليكتفوا بما لديهم من المعرفة لحياتهم الخاصة، بل أراد لهم أن يتحملوا مسؤولية الدعوة إليها، مهما كلفهم ذلك من جهد. وهؤلاء هم المهاجرون الذين تمرّدوا على العذاب في سبيل الثبات على إيمانهم بالإسلام، وصمدوا أمام التحديات التي واجهتهم بكل قوة، كي لا تنحرف بهم عن خط الدعوة إلى الله. وهاجروا من مواقع الضعف التي عاشوا فيها الحصار المادي والمعنوي، إلى المواقع التي يعملون فيها على صنع القوة، بهدف تركيز قواعد الإسلام في المجتمع الجديد، ثم الالتفاف بالقوّة الجديدة على المجتمع القديم.

{وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ}، هؤلاء الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، من أجل أن تكون العبادة لله وحده، ومن أجل أن يكون الدين كله لله.. والهجرة في الله، هي الهجرة في سبيله ومن أجله، على أساس حماية دينه ودعوته من ضغط الضاغطين، وتعسّف المتعسّفين.. فقد هاجر هؤلاء، لا طلباً للراحة، ولا هروباً من المسؤولية، كما يفعل بعض الناس، ممن لا يريدون أن يواجهوا مشاكل التحدي ونتائجه السلبيّة، بل هاجروا، بعد أن ثبتوا وقتاً طويلاً، وبعد أن ظلموا من قِبَل الكافرين، وتحمّلوا الكثير من العذاب، من موقع الإصرار على الثبات في الإيمان، والاستمرار في الدعوة، حتى اهتزت الأرض تحت أقدامهم، فلم يعد لهم مجالٌ للبقاء هناك، أو التأثير في الدعوة، في الوقت الذي كانت فيه الأرض الجديدة تنتظرهم، ليقوموا بمسؤولية الدعوة فيها، وليجاهدوا فيها ضد التحديات الكافرة التي بدأت تحشد كل قوتها أمام الدعوة الإسلامية الجديدة.

وليست الآية ـ في مضمونها الرسالي ـ مختصةً بالمهاجرين الأولين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، أو إلى الحبشة، بل تشمل كل الذين يهاجرون في الله، ممن تضطهدهم القوى الكافرة أو الطاغية، لأنهم قالوا ربنا الله ودعوا إليه وجاهدوا في سبيله، فيتحركون إلى مواقع أخرى، من أجل التخلص من ضغط الحصار على الكلمة والحركة وعلى الدعوة.. ليأخذوا لأنفسهم حرية الحركة في الساحة، من أجل بناء قوّةٍ جديدةٍ، ومجتمع إسلاميّ جديد. إن الهجرة تمثل الخط الطويل المستمر الذي تتلاحق فيه حركة الأمة في أجيالها المتعاقبة، في سبيل أن يكون الدين كله لله، وأن تتحرك الحياة من خلال وحيه، وأن يلتقي الناس حول منهاجه وشريعته.. وبهذا كان وعد الله مستمراً للمهاجرين الجُدد، كما كان للمهاجرين القدامى، الذين ظُلِموا {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة} بما نكفل لهم من التخلص من الضغوط الهائلة التي كانوا يواجهونها، وبما نحقّق لهم من النصر الذي يطمحون إليه، وفي ما نمهّده لهم من الوسائل التي يحتاجون إليها في تحقيق الغايات الكبيرة التي يحملون رسالة تحقيقها في الحياة {وَلأجْرُ الآخرةِ أَكْبَرُ} من أجر الدنيا، لأنه الخير الذي لا شرّ معه، والفرح الذي لا حزن فيه، والسعادة التي لا شقاء معها، لأنه يلتقي برضوان الله الذي يتفايض على روح المؤمن بالفرح الروحي الذي لا يستطيع الإنسان أن يعرف مداه، في ما يحقق له من أحلام ورغبات ممّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فلا تعرف نفس ما أخفي لها من قرّة أعين.

{لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} ذلك أن الإنسان في الدنيا، خاضعٌ في وعيه وتقديره ورغبته لمشاعره الحسية، ما يجعل كل طموحه، في ما يأخذ به من شؤون العمل، ويتحرك فيه من خط السير، يدور في ذلك الفلك، وبذلك تكون تطلعاته في الساحة العملية أقرب إلى آفاق الدنيا منها إلى آفاق الآخرة.. ولذا جاء الوحي القرآني، ليربطهم بالجانب الآخر من الصورة، وهو جانب الآخرة في ملذاتها ومشتهياتها وآفاقها الروحية، وليعرّفهم ذلك بالفكر والإيمان، لأنهم لا يستطيعون أن يتعرّفوا عليه بالحس بفرض خلق التوازن لديهم في حساب الأرباح والخسائر، بين ما يحملونه من مسؤولياتٍ، ويتحملونه من حرمان قد تفرضه عليهم ساحة العمل، وبين ما سيحصلون عليه من أرباح ومنافع في الآخرة، نتيجة طاعة الله في خط الدعوة والجهاد، فيقودهم ذلك إلى المزيد من التحمل والصبر والإصرار على تحمل الآلام في سبيل الله.

{الَّذِينَ صَبَرُواْ} وعاشوا آلام الصبر، في العمق من مشاعرهم، في مواجهة فراق ما كانوا قد اعتادوا عليه من نمط عيش في أوطانهم التي فارقوها، حيث ذكريات الصبا، ومراتع الطفولة، والأجواء الاجتماعية الحميمة في وسط الأقرباء والأصدقاء الذين كانوا يحيطونهم بكل حبٍّ وحنانٍ ورعاية.. وقد فقدوا ذلك كله، وانتقلوا إلى أرض جديدة، لا تربطهم بها أية مشاعر خاصة، بل كل ما هناك، أنها أرض الرسالة، وساحة الجهاد، ومجتمع الإسلام، ما يفرض عليهم الضغط على مشاعرهم الخاصة، واستبدالها بمشاعر عامة، تحوّل الجانب الشعوري فيهم إلى جانب حيٍّ، يتغذى بالعلاقات الإيمانية الإنسانية، بدلاً من العلاقات الذاتية.. من أجل صنع الإنسان الجديد الذي لا يمثل الحرمان من أجل الدعوة إلى الله عنده حالةً سلبيةً في ذاته، بل يمثل لوناً من ألوان الفرح الروحي الذي يعيش اللذّة في رضا الله، أكثر مما يعيشها في إرضاء نوازعه الذاتية. من هنا، فإن قيمة الصبر، تكمن في ما يحققه للمؤمن من أجواء روحية تعطيه إمكانية التماسك، وامتداد التحرك، ومواجهة الصعوبات بقوّة، وتحدي التهاويل باطمئنان، وانتظار المستقبل بثقة، بالرغم من كل ما يثيره الآخرون أمامه من تهاويل الخطر، حتى إذا وقف أمام الأشباح المخيفة التي تحملها تهاويل المستقبل الغامض، كان التوكل على الله هو السبيل للحصول على حالة الهدوء النفسي، والثقة بالنصر، من خلال الثقة بالله. وهذا ما وصف به الله المهاجرين الصابرين {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} بما يعنيه مضمون التوكل، من إرجاع الأمور كلها إلى الله، في ما لا يملك الإنسان الوسيلة العملية للتخلص منه، أو لمواجهته بالإمكانات العاديّة، لأن الله هو الذي يملك الأمر كله وهو المستعان في كل شيء. وبذلك فلن تتوقف المسيرة بالتوكل، بل تبقى مستمرة في خط الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، مهما أثير أمام الدعاة من عقبات وتحديات وتهاويل، غير أنها تحاول التقاط أنفاسها لتعيد النظر في خططها، وفي ما قطعته من مراحل على الطريق، وفي ما بقي لها منه.. وفي ما تواجهه من حواجز وموانع، لتفكر في ذلك كله، ولتدبر منه ما تستطيع تدبيره، وتحلّ منه ما يمكن أن تجد له حلاً، ثم تتوكل على الله في ما لا تستطيع السيطرة عليه، وتترك الأمر فيه إليه، وهذا ما يجعل من التوكل مصدر حركةٍ واعيةٍ في الواقع، لا مصدر هروب من مواجهته.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة أخي ذو طباع صعبة؟! منبر الجمعة 13 أيلول 2019م نيويورك تايمز: لماذا تجرّد الهند مواطنيها المسلمين من الجنسيّة؟ المؤتمر التّربوي الثّامن والعشرون: "المبرّات من المأسسة إلى التّميز المؤسّساتيّ" أخطر الكذب.. ومسؤوليّة التثبّت من الأحاديث فضل الله: نلتقي بالحسين (ع) عندما نعمل للعدالة ومواجهة الجهل مؤسَّسة المرجع فضل الله أحيت ذكرى عاشوراء في عدد من البلدان العالم يحيي ذكرى عاشوراء فضل الله: لا نريد للأديان أن تتقوقع بل أن تعمل لخدمة الإنسان منبر الجمعة: 6 أيلول 2019 م
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر