اليوم: الأحد13 شوال 1440هـ الموافق: 16 يونيو 2019

من الآية 81 الى الآية 87

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ* وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالّعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ* قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ* قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ* قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ* يا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تيأسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ ييأسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (81ـ87).

* * *

معاني المفردات

{سَوَّلَتْ}: زينت.

{كَظِيمٌ}: الكظيم: الممسك للحزن في قلبه لا يبثه إلى غيره تعالى.

{حَرَضاً}: مشرفاً على الهلاك.

{بَثّي}: البث: الهمّ الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثه.

{فَتَحَسَّسُواْ}: التحسس: طلب الشيء بالحواس كالسمع والبصر.

* * *

الصدمة الكبيرة

... وبقي كبيرهم هناك، التزاماً بعهده، وتخلُّصاً من الموقف المحرج أمام أبيه، وطلب منهم أن يرجعوا إلى أبيهم، ليخبروه بتفاصيل ما حدث بالطريقة الحكيمة الحاسمة: {ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} فقد شاهدنا القوم يخرجون صواع الملك من متاعه، {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} عندما أعطيناك الميثاق بشكل مطلق، فلم نكن نعرف في ظل الأجواء العاطفية التي تحجب الرؤية أنه يمكن أن يسرق. ولكنّ الواقع فاجأنا بغير ما نتوقع، وهذا ما جعلنا نواجه الحقيقة معك، لنتحمل مسؤوليتنا أمام هذه الحادثة التي تهزّنا وتحطّمنا، على المستوى النفسي، جميعاً.

وربما لا تجد لديك أيّ أساس للثقة بنا، ونحن لسنا في صدد الدخول معك في نقاش حول ذلك، فهو أمرٌ لا يصل بنا إلى أية نتيجة، ولكن المسألة لم تحدث في زاوية خفية من زوايا مصر، بل حدثت في الساحة العامة حيث تجتمع القوافل للتموين وللشراء وللانطلاق، وحيث يلتقي أهل البلد، والقادمون إليها، ونحن، ندعوك إلى سؤال الناس كلهم هناك، والقافلة التي كنا فيها من منطقتنا، فإذا كنت لا تثق بنا، فهل تفقد الثقة بكل هؤلاء؟!

{وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} بجميع من يعيش فيها من أفراد، {وَالّعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} أي القافلة التي تضمّ الإبل، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} في كلامنا عن أخينا وما حدث لنا بسببه من الخزي والعار... لقد علّمهم كبيرهم أن يقولوا ذلك لأبيهم، كي يحاصروا بذلك كل جوانب الرفض عنده، فدخلوا على أبيهم، وتحدثوا إليه بذلك كله، وكان ذلك بمثابة الصدمة الكبيرة له، ولكنه يعرف أخلاقيّة ولده، فقد ربّاه أحسن تربية، ورعاه أفضل رعاية، وخبر كل ما يحمله من خلفيات طيّبة، ولذلك فقد كانت حكاية سرقته لصواع الملك أمراً لا يمكن أن يصدَّق، لأن السرقة ليست خُلُقاً لديه، ولا تمثِّل حاجةً عنده، فلماذا يسرق؟ وكيف ذلك؟

* * *

الصبر الجميل والإحساس بالفرج

لهذا كان رد فعله مختلفاً عما كان أولاده يأملونه، بعد تقديم كافة البراهين له، {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} إن هناك شيئاً ما في هذه القضية، ولا بد من وجود خلل ما في بعض التفاصيل، فهو لا يثق بأولاده، بعد ما صدر عنهم في قصة ولده يوسف. إنّ هناك غموضاً في الجوّ، وعليه أن يتماسك أمام الفاجعة، فلا يواجهها بالانفعال السريع، بل بالصبر، لذا أعلن لهم عن مشاعره، وموقفه، {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} وللصبر نتائجه الطيبة على مستوى عواقب الأمور، واستطاع الصبر أن يفتح قلبه على آفاق الفرج الكبير في ساحات رحمة الله.

وها هي صورة يوسف تلمع في ذهنه فلا يلمح فيها أيّ شحوب يقربها من أجواء الموت، وها هي صورة أخوه تلتقي بصورته، فهل هي صدفةٌ أو أن هناك وحياً ربّانياً يهمس في قلبه أن المشكلة تقترب من الحل، وأن اللقاء بهما قريب، وأنّ شمل العائلة سيجتمع في الأجواء الحميمة التي تخفّف الالام، وتصفّي القلوب؟؟ وهذا ما عاشه يعقوب كنبي يستشرف الغيب، في مثل لمعة الضوء الخاطفة، {عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} إنه الإحساس العميق بالفرج القريب الذي يستمده من الله، {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} الذي يعلم خفايا الأمور، ويدبّر خلقه برحمته، ويحتوي حياتهم بحكمته.

* * *

كظم الحزن

{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} وأعرض بوجهه عنهم، وغرق في أمواج الذكريات، وتحركت عاطفته، وانسابت الدموع في قلبه، قبل أن تتفجر في عينيه، وتذكر يوسف، {وَقَالَ يا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} فقد كان قرّة العين، وثمرة الفؤاد، بما يحمله من ألمعيّة الفكر، وروحانية الروح، وجمال النفس والجسد، {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} لما كان يذرفه من دموعٍ حارّة حزينة حتى فقد بصره، ودمعه كان ينساب بهدوء، كتعبير صاف عن عمق الحزن، لكن يعقوب لم يجزع ولم يثر أية مشكلة لمن حوله، {فَهُوَ كَظِيمٌ} يكظم حزنه ويحبسه، ولكنه يعيشه وحده، في خلوات وحدته.

* * *

الشكوى إلى الله

وفوجىء أولاده بحديثه عن يوسف، فقد أصبح شيئاً قديماً جدّاً، وانتهى كحقيقة، لقد أصبح ذكرى ميتةً، فما باله يعيدها إلى الحياة ليربك حياتهم من جديد، وليبعث فيهم عقدة الإحساس بالذنب؟ ولهذا واجهوه بعنف يتوسل أن يرحم نفسه أو أن يرحمهم، لما اختزنوه من شعورٍ بالألم: {قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي لا تنفك تذكر يوسف الذي ذهب في ذمة التاريخ، وانقطعت أخباره حتى يئسنا جميعاً من عودته مما يجعل الحديث عنه، أمراً لا فائدة منه، كما أنه لا فائدة من السعي للبحث عنه. وهكذا أرادوا أن يقولوا له إن الإلحاح في استثارة الحزن من خلال استثارة الذكرى لن ينتهي {حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً} أي مشرفاً على الهلاك، {أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} الذين تسقطهم الصدمة النفسية في قبضة الموت.

ولكنه جابههم بأن الأمر لا يعنيهم، وهو لا يشكو إليهم أمره، لأنهم لا يفهمون مشاعره وآلامه أولاً، ولا يستطيعون أن يقدّموا له شيئاً ثابتاً، بل يشكو أمره إلى من يسمع شكواه ويملك أن يحل مشكلته، {قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي} وهو الهمّ الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثه، {وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} لأن معرفتي بالله، وما يفيضه على عباده من رحمته، وما يتّسع له لطفه، يجعلني كبير الثقة بمصير يوسف، لأنه إذا ابتعد عن رعايتي له، فإن رعاية الله ولطفه يفوق كل ما أختزنه له في قلبي من حبٍّ ورحمة. وإذا كنت أحزن، أو أعيش الهمّ، فلأن جانب الضعف في الإنسان يخلق لديه، من خلال التفكير بالتفاصيل، مشاعر سلبية تثير شجونه، وتدمّر استقراره النفسي. وهكذا بدأ الأمل يخضرّ في نفسه، وينمو مع روحانية الحديث الذي كان يعيشه في مناجاته لله، حتى كاد أن يلامس مصير يوسف المشرق، كما لو كان يراه. ولهذا طلب من أولاده، أن يعودوا إلى مصر من جديد ليبحثوا عنه، حيث تركوا أخاه، لأن في داخله إحساساً لا يعرف حقيقته، بأن يوسف قد التقى بأخيه، وأنّه من الممكن أن يجدوه حيث يوجد أخوه.

* * *

لا تيأسوا من روح الله

{يا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} واطلبوه بكل ما تستطيعون توسله من أساليب تتحرك فيها حواسكم السمعية والبصرية، فلعلكم تواجهون المفاجأة التي لا تخطر لكم على بال، {وَلاَ تَيأسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّه} وفرَجه، لأن المؤمن يبقى واثقاً بالله في كل أموره مهما ضاقت عليه الأحوال، ومهما تعقّدت من حوله الظروف، {إِنَّهُ لاَ ييأسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} لأن اليأس من الفرج لا يخلو من أحد أمرين، إما الشك بقدرة الله، وإما الشك بعلمه، لأن الذي يمنع من حل المشكلة هو العجز عنها، أو عدم معرفة أبعادها، وكلاهما كفرٌ بالله..

* * *

اليأس يوجب الكفر

وهذا ما قرّره الرازي في تفسيره حيث يقول: «واعلم أن اليأس من رحمة الله لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادرٍ على الكمال، أو غير عالمٍ بجميع المعلومات، أو ليس بكريم، بل هو بخيل، وكل من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان اليأس لا يحصل إلاّ عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر، ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافراً...»[1].

ومن خلال ذلك نعرف أن القرآن الكريم أراد أن يقتلع جذور اليأس من نفس الإنسان بإعادته إلى إيمانه لينطلق معه في وعيٍ ويقظة كبيرين، يجعلانه يشعر بالأمل الذي يتفجر من ينابيع الإيمان كمثل الشعاع المنسكب من قلب الشمس في روعة الشروق.

وبهذا يلتقي الإيمان بالأمل في وحدة رائعة تجعل الروح التي تُشع أحدهما على الإنسان، تُشع على الآخر عليه أيضاً كما هي حال كل شيئين متلازمين في الوجود.

أما اليأس فجذوره الكفر وإن لم يشعر الإنسان به بشكلٍ مباشر. وعلى ضوء هذا، فإن على الإنسان الذي يعيش اليأس في قلبه، أن يعيد النظر في إيمانه، ليعرف إن كان منطلقاً من أساسٍ متين، أو لا.

وربّما كان في طلب يعقوب منهم أن يتحركوا في ساحات العمل، حتى في حالات اليأس بعض الإيحاء بأنّ على الإنسان ألاّ يستسلم لحالة اليأس عندما تحتل داخله، ولا يحاول في سبيل الوصول إلى مواقع الأمل أن ينطلق في حالةٍ تجريديةٍ، بل ينبغي له، أن يتحرك على الأرض ويحرك الإمكانات المتوفرة لديه، ليصل إلى الأمل الكبير من خلال الحركة المتصلة بالحياة المتحركة من حوله. وبذلك يتخلص الإنسان من عوامل اليأس النفسية، بخطوات العمل الواقعية، لتنعكس المسألة عنده، فإذا كان التصور الأسود يجمِّد أمام الإنسان حركة الحياة، فإن الحركة تحوّل الحالة النفسية المظلمة إلى حالة مشرقة من خلال المقولة التي تجعل التجربة في خدمة الفكرة، بدلاً من أن تكون الفكرة حاجزاً أمام التجربة.

ـــــــــــــــــــ

(1) الفخر الرازي، التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي، ط: الثالثة، م:7، ج:18، ص:199.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى اليونان: افتتاح أوّل مسجد في أثينا مطلع أيلول القادم لا يعي الصّلاة.. هل تسقط عنه؟ منبر الجمعة: 4 شوال 1440هـ/ 7 حزيران 2019م حتَّى لا نخسر صالح أعمالنا فضل الله في خطبة العيد: على القوى السياسيّة تصويب الموازنة لمصلحة الفقراء
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر