اليوم: السبت7 ربيع الاول 1439هـ الموافق: 25 نوفمبر 2017
Languages عربي
العلامة السيد علي فضل الله استقبل السفير البريطاني في لبنان وبحث معه آخر التطورات في لبنان والمنطقة السيد علي فضل الله: نؤيد كل سعي مخلص لاستقرار لبنان وتعزيز مناعة الوطن السيد علي فضل الله: نخشى تأثر السلم الأهلي في المرحلة القادمة من انعكاسات الصراع الإقليمي الحاد حماس: رفض أميركا تجديد ترخيص مكتب المنظمة انحياز سافر لإسرائيل الجيش الإسرائيلي أعلن عن اعتقال 21 فلسطينياً في الضفة الغربية رويترز: وزير إسرائيلي يكشف عن اتصالات سرية بالسعودية فايننشال تايمز: كبار المستثمرين في العالم يوقفون استثماراتهم في السعودية إنشاء أول بلدية نسائية لخدمة المجتمع النسائي في المدينة المنورة المحكمة الاتحادية في العراق تقضي بعدم دستورية استفتاء إقليم كردستان محافظ كركوك: اليونيسيف ستتولى تأهيل وإعمار مشاريع في قضاء الحويجة فقدان 3000 حاوية نفايات تبرعت بها بلدية طهران لبلدية كربلاء وزير الداخلية الفرنسي: سنمنع المسلمين من الصلاة في الشوارع تكريم كلب عسكري في بريطانيا ومنحه ميدالية تقديراً لجهوده الأناضول: إلقاء القبض على رئيس برلمان إندونيسيا بتهمة فساد مجهولون يرسمون صليباً على مسجد في السويد وول ستريت جورنال: أمريكا على وشك حرب تجارية مع الصين جرائم الإنترنت تكبد دول العالم 550 مليار دولار سنوياً 14 قتيلاً و35 جريحاً بحادث سير في كولومبيا بيع أكبر ألماسة في العالم في مزاد بسعر 34 مليون دولار إندبندنت: طبيبان يحسمان وفاة رضيع بجرعة ماريجوانا بعد عامين من الجدل شركة تطور مظلة ذكية تتنبأ بحالة الطقس بريطاني يدفع 100ألف يورو ليحول وجهه إلى وجه كلب رئيس وزراء هولندا الأسبق: الكيان الصّهيوني أخطر دولة في الشّرق الأوسط حبّ الوطن من الإيمان حملة مجانيّة لمرضى الضّغط في جمعيّة التآخي للرّعاية الاجتماعية الصحية لماذا على المرأة أن تلتزم بالحجاب؟ اليونان: "أحكام الشَّريعة الإسلاميّة" في خطر بعد كل المعاصي.. كيف أنفتح على الله؟ من دروس الرَّسول(ص): ليس أحدٌ فوقَ النَّقد منبر الجمعة: 28 صفر 1439هـ/ الموافق: 17 تشرين الثّاني 2017م لقطع الطّريق على كلّ السّاعين للفتنة في الواقع الإسلاميّ الأحد القادم أوّل أيّام شهر ربيع الأوَّل 1439هـ حائرٌ بين أهلي وزوجتي!
  • مواقيت الصلاة
  • مواقيت الأهلّة
  • إتجاه القبلة
أيّ علاقة كانت بين الحسين(ع) والله؟!
التاريخ:
١٠/١١/٢٠١٧
/
21 صفر 1439هـ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}. صدق الله العظيم.

في ذكرى أربعين الحسين(ع)

نستعيد في هذا اليوم في العشرين من شهر صفر، ذكرى أربعين استشهاد الإمام الحسين(ع)، والّتي ارتبطت بزيارة مقامه في كربلاء، حيث يفد إليه ملايين البشر من كلّ بقاع الأرض، ليعبّروا عن حبّهم وولائهم واستعدادهم لبذل التضحيات، لتحقيق الأهداف التي سعى إليها، كتلك التي بذلها هو وأصحابه وأهل بيته.

لذلك، نحن ممن يدعون إلى هذه الزيارة لا في هذا اليوم، بل في كلّ يوم، ونشجّع عليها، كونها تمثل تعبيراً عملياً عن الوفاء لهذا الإمام(ع)، الذي بذل كلّ ما بذل من أجل أن يصل الإسلام إلينا نقيّاً صافياً، وللآثار الروحيّة والإيمانيّة التي تتركها الزيارة على الزائرين، وللثّواب الذي يحظون به، ويكفي في ذلك ما ورد عن أحد أصحاب الإمام الصادق(ع)، وهو معاوية بن وهب، قال: استأذنت على أبي عبد الله(ع)، فقيل لي: ادخل، فدخلتُ، فوجدته في مصلّاه في بيته، فجلست حتـّى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربَّه، ويقول: "اللَّهمَّ اغفر لي ولإخواني وزوّار قبر أبي الحسين بن عليّ صلوات الله عليهم، الّذين أنفقوا أموالهم، وأشخصوا أبدانهم، رغبةً في برّنا، ورجاءً لما عندك في صلتنا. اللّهمّ إنّي أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان، حتَّى ترويهم من الحوض يوم العطش الأكبر".

إنّنا نريد لهذه الذّكرى، كما لكلّ ذكرياتنا، أن تمثّل لنا فرصة ومناسبة لاستعادة المعاني والقيم التي عاشها الإمام(ع) في حياته، لا لنكتفي كما يكتفي البعض بإظهار عظمة هذا الإمام(ع)، بل حتى نقتدي به لنكون على صورته ومثاله.

وبهذا الاقتداء نحقّق الولاية له، فالولاية ليست فقط عاطفة ومشاعر حبّ ودموعاً، فهي أبعد من ذلك؛ هي سلوك وعمل على نهج من نتولّاه.

وبذلك، لا تعود هذه الذّكرى مناسبةً عابرةً في حياتنا، بل مناسبة تترك أثرها في سلوكنا ومواقفنا، وتتحوَّل بعدها إلى ورشة عمل تهدف إلى الإصلاح وإعادة البناء لنفوسنا وللمجتمع.

علاقة الحسين(ع) بالله

ونحن اليوم سنتوقَّف عند واحدةٍ من القيم الّتي عاشها الإمام الحسين(ع)، والتي طبعت شخصيَّته في كلّ مراحلها، ولم تغادره حتى اللَّحظات الأخيرة من حياته، وهي علاقته بالله، فقد عاش الحسين(ع) أسمى معاني الحبّ لله، وقد عبّرت عن ذلك فقرات دعاء يوم عرفة؛ الدّعاء الذي يفيض حبّاً وتقديراً وشكراً لله على نعمه وعطاياه، هذا الدّعاء الذي يحرص الحجّاج على قراءته في هذا اليوم المهيب، تعبيراً عن عمق هذه العلاقة. فقد جاء فيه:

"اللَّهُمَّ اجعَلني أخشَاكَ كأنِّي أرَاك، وأسعِدْني بِتَقواك، وَلا تُشْقِنِي بِمعصيتك، وخَرْ لي في قضائك، وَبارِكْ لي في قَدَرِكَ، حَتّى لا أحُبَّ تأخيرَ ما عَجّلْتَ، وَلا تَعْجيلَ ما أخّرْتَ. اللّهمَّ اجعل غناي في نفسي، واليقين في قلبي، والإخلاص في عملي، والنّور في بصري، والبصيرة في ديني".

وفي فقرة أخرى من هذا الدّعاء، يستعرض الإمام(ع) مراحل خلق الإنسان، والرّعاية التي خصَّه الله بها في مرحلة من هذه المراحل، والتي تستوجب شكراً وإقراراً بالربوبيّة له تعالى:

"اللّهمَّ إنّي أرغب إليك، وأشهد بالربوبيّة لك، مقرّاً بأنّك ربّي، وأنَّ إليك مردّي، ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً... فابتدعت خلقي من منيّ يمنى، ثم أسكنتني في ظلمات ثلاث؛ بين لحم وجلد ودم...ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيَا تَامّاً سَوِيّاً، وَحَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً، وَرَزَقْتَنِي مِنَ الْغِذَاءِ لَبَناً مَرِيّاً، عَطَفْتَ عَلَيّ قُلُوبِ الْحَوَاضِنِ، وَكَفَّلْتَنِي الْأُمَّهَاتِ الرَّحَائِمَ... أوجبت عليَّ حجّتك بأن ألهمتني معرفتك... لَمْ يَمْنَعْكَ جَهْلِي وَجُرْأَتِي عَلَيْكَ، أَنْ دَلَلْتَنِي عَلَى مَا يُقَرِّبُنِي إِلَيْكَ ، ووفّقتني لما يزلفني لديك، فإن دعوتك أجبتني، وإن أطعتك شكرتني، وإن شكرتك زدتني، كلّ ذلك إكمالاً لأنعمك عليَّ، وإحسانك إليَّ، فسبحانك سبحانك من مبدئ معيد، حميد مجيد...".

وفي فقرة أخرى من هذا الدّعاء، يدخل الإمام(ع) في تفاصيل نعم الله، فيقول: "يا من حفظني في صغري، يا من رزقني في كبري، يا من أياديه عندي لا تحصى، ونعمه لا تجازى، يا من عارضني بالخير والإحسان، وعارضته بالإساءة والعصيان، يا من هداني للإيمان من قبل أن أعرف شكر الامتنان.. يا من دعوته مريضاً فشفاني، وعرياناً فكساني، وجائعاً فأشبعني، وعطشاناً فأرواني، وذليلاً فأعزني، وجاهلاً فعرَّفني، ووحيداً فكثّرني، وغائباً فردّني، ومقلّاً فأغناني، ومنتصراً فنصرني، وغنيّاً فلم يسلبني، وأمسكت عن جميع ذلك فابتدأني، فلك الحمد والشّكر، يا من أقال عثرتي، ونفّس كربتي، وأجاب دعوتي، وستر عورتي، وغفر ذنوبي، وبلغني طلبتي، ونصرني على عدوّي، وان أعدّ نعمك ومننك وكرائم منحك لا أحصيها".

وفي تعبيرٍ آخر عن هذه العلاقة، ما حصل ليلة العاشر من المحرَّم، عندما جاء إليه العبّاس قائلاً له: إنّ القوم استعدّوا للقتال ويريدون الهجوم، فقال له: "ارجع إليهمواستمهلهم هذه العشيّة إلى غد، لعلَّنا نصلّي لربّنااللّيلة، وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني أحبّ الصّلاةله وتلاوة كتابه وكثرة الدّعاء والاستغفار".

وهنا تأمّلوا، أيّها الأحبَّة، كيف سمت علاقته بربّه إلى هذا المستوى، فهو لا يحبّ شيئاً كحبّه للصَّلاة وتلاوة القرآن والدّعاء والاستغفار، ولا يريد لأيّ شيء أن يبعده عنها.

وتذكر السّيرة أنَّ الحسين(ع) وأصحابه باتوا ليلة العاشر ولهم دويّ كدويّ النَّحل، ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد.

وقد روي عن الإمام زين العابدين(ع): "أنّه في اللّيلة التي قُتل أبي في غدها، قام اللّيل كلَّه يصلّي، ويستغفر الله ويدعو ويتضرّع".

وفي يوم العاشر، وفي أصعب الأوقات وأحلك الظّروف، حرص على أن لا يفوته اللّقاء بربّه، فعندما جاء إليه من يقول له: حان وقت الصّلاة، أدّى(ع) الصّلاة جماعةً بأصحابه، رغم السِّهام التي كانت توجَّه إليه. حينها، وقف أحد أصحابه أمامه يحميه بجسده، حتى نخرت السِّهام جسده، وسقط شهيداً بعد انتهاء الحسين من صلاته.

هذا هو الحسين(ع)، فإذا أردنا أن نضيء على أبرز معالم شخصيَّته، فإنّنا لا نراها إلا في هذا الحبّ الدَّافق له، هذا الحبّ هو الّذي جعله يبذل كلَّ شيء ويضحِّي بكلِّ شيء في كربلاء لأجله، كان يرى الموت سعادةً، ولأجله كان لا يرى الألم، حتى لو كان بحجم ذبح ولده الرّضيع بين يديه، والذي عبَّر عنه بقوله: "هوَّن ما نزل بي أنّه بعين الله"، ولسان حاله في ذلك:

تركتُ الخلقَ طُرّاً في هواك         وأيتمتُ العيالَ لكي أراك

فلو قطّعتَــني بالحـبّ إرباً            لَـما مال الفؤادُ إلى سواك

صمّام الأمان وسبيل العزّة

إنّنا أحوج ما نكون إلى هذا الزاد الروحيّ، إلى تعزيز هذا الحبّ لله، ونحن إذا كنّا نخشى على أنفسنا وواقعنا، فإنّنا نخشى أن نفقد هذا الحبَّ، حينها، لن نعطي أهميّة للصّلاة أو لصلاة الجماعة أو الجمعة والدّعاء وتلاوة القرآن وقيام اللّيل أو الحضور إلى المساجد، وستفقد هذه العناوين روحيّتها في النفوس، بحيث تتحوَّل إلى طقوس لا أثر لها.

إنَّ هذه العلاقة بالله، أيُّها الأحبَّة، هي صمَّام أماننا وحصننا التي نتحصَّن به، وهي الباب الّذي نطرقه لبلوغ عزّتنا وتحقيق أهدافنا في الدّنيا والآخرة، والّتي لا يمكن تحقيقها إلّا من خلال الله، فلا عزَّة إلا به، ولا نصر لا رزق ولا تدبير إلا منه.

وهذا ما نقرأه في الدّعاء: "اللّهمّ إنّي أخلصتُ في انقطاعي إليك، وأقبلتُ بكلِّي عليك... فكم قد رأيتُ يا إلهي من أناسٍ طلبوا العزَّ بغيرك فذلّوا، وراموا الثَّروة من سواك فافتقروا، وحاولوا الارتفاع فاتّضعوا...".

فنحن مع الله لن نخسر، نحن رابحون دائماً، نربح في الدّنيا، ونربح الرّبح الوفير في الآخرة؛ نربح في الدّنيا قلوب النّاس ومحبّتهم واحترامهم، ونربّح عزّة وحريّة، كما نربح الجزاء الأوفى عند الله وفي ظلال رضوانه. وهنا نورد الحديث: "من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين النّاس، ومن أصلح أمر آخرته، أصلح الله أمر دنياه".

والحسين(ع) هو خير مثال، فهو عندما أحبّ الله، ومتّن علاقته به، تجلَّت شعاراته ومواقفه في القلوب والضّمائر، وتحقَّقت في الحياة في استمرار الرِّسالة التي بذل حياته لأجلها.

هذه سنَّة الله في الحياة، عبّر عنها الله عندما قال: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً}.

نسأل الله أن نكون من الموالين للحسين(ع)، ولكلِّ هذه العترة الطّاهرة، ولن تجد لسنَّته تبديلاً، ولنأخذ العبرة ونرى أين هو وأين أعداؤه.

والحمد لله ربِّ العالمين.

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصانا به الله عندما قال لنا: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، فقد أوصانا عندما تواجهنا التّحدّيات، وتشتدّ المصاعب، ونشعر بالأرض تكاد تهتزّ تحت أقدامنا، بأن نستعين بقيمتين؛ أن نستعين بالصّبر الَّذي يجعلنا نعيش هدوء النفس والسّكينة، ولا نجزع، ولا نيأس، ولا نفقد التّفكير السّليم والواعي. والقيمة الأخرى، أن نستعين بالصّلاة، فهي معراج روح الإنسان إلى الله، ووسيلته الأفضل للتواصل معه، فالإنسان حين يرى نفسه أمام عواصف قاسية، ويشعر بضعفه في مواجهتها، يحتاج إلى سند قويّ، وأيّ سند هو أعزّ من سند الله الذي بيده الأمر والملك والتّدبير!

والصّلاة تحقّق الارتباط والتواصل والعروج إلى هذا السَّند، لتولد معها الطّمأنينة والسّكينة اللازمتان لمواجهة التحدّيات. ولذلك، يذكر أنَّ علياً(ع) كان إذا هاله أمر، يفزع إلى الصَّلاة، مردّداً هذه الآية: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}.

لبنان تحت وقع الصَّدمة

والبداية من لبنان، الَّذي لايزال تحت وقع الصَّدمة الَّتي نتجت من الاستقالة المفاجئة وغير المتوقّعة لرئيس مجلس الوزراء، فرغم مرور عدة أيام على حدوثها، فإنها لاتزال محلّ تساؤل اللبنانيّين على مختلف المستويات، عن حقيقتها وجدّيّتها وإذا ما كان قد أجبر عليها، وعن الأسباب والخلفيات الكامنة وراءها، والطّريق الذي قد تؤدّي إليه.

من حقّ اللبنانيين أن يطرحوا كلّ هذه التساؤلات، فالاستقالة حصلت، وبشكل غير مسبوق، من خارج حدود الوطن، وإلى الآن، لم تقدّم بطريقة دستورية تؤدي مفاعيلها، إن كان الهدف منها هو الاستقالة فعلاً، وهي جاءت خارج السياق الّذي كان عليه الواقع السياسي. ورغم الخلافات الموجودة الَّتي حكمت الوضع السياسي الداخليّ، فإنها لم تكن تنذر بنشوب أزمة سياسية حادّة تؤدي إلى الاستقالة، فباب التسويات الَّذي يحكم كلّ شيء في السّياسة الداخليّة، كان لايزال مفتوحاً، والكل في الداخل اللبناني حريص على هذا التوافق.

لكن، وإلى أن تنجلي الصورة، وتتضح معالم المرحلة، تسيطر على اللبنانيين أجواء القلق والترقب مما ستحمله إليهم الأيام القادمة على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني، وهم يعيشون تحت وطأة الشائعات والأخبار المختلفة التي تسعى إلى تسعير حرارة الأزمة، أو التغريدات الناريّة التي تحمل في كلّ يوم تهديداً للّبنانيّين بالويل والثّبور وعظائم الأمور وانتظار المفاجآت، في ظلّ الحديث المتزايد عن أنّ التوافق السياسيّ الداخلي الذي نعم به اللبنانيون في الفترة الماضية، والذي أدّى إلى تفعيل حركة المؤسَّسات، قد انتهى، وأنَّ لبنان عاد ودخل فعلاً أو أُدخل في عين العاصفة، بعد أن أفلت منها طوال السّنوات السابقة، وأنَّ حاله سيكون كحال بقية الدّول، وأن طبول الحرب بكلّ عناوينها قد بدأت، وما على اللّبنانيّين سوى انتظار المستجدّات.

هل من حرب على لبنان؟!

وأمام هذا الواقع، وفي الوقت الَّذي لا نريد أن نهوّن من خطورة هذه المرحلة وتداعياتها، ومن المطلوب أن لا نهوّن منها، ندعو إلى عدم الاستسلام للتهويلات والانجرار خلف الشّائعات والتحليلات المعروفة الأهداف، التي تريد أن تسعّر الخوف لدى اللبنانيين، ونحن على قناعة بأنّ لبنان لايزال محكوماً بتغطية دولية وإقليمية تضمن له الاستقرار، وتمنع أيّ انفلات أمنيّ، سواء على الحدود أو في الدّاخل، وهذا الذي نقوله دائماً، ليس لسواد عيون اللبنانيين، وإنما لوجود أعداد كبيرة من النازحين السوريّين فيه، وهم في عهدة الأمم المتّحدة، ويخشى البعض أن يشكّلوا مشكلة للغرب، ولأنّ المرحلة هي مرحلة تسويات، وليست مرحلة حرب ودمار.

كما أنَّ القوى الأمنيّة أثبتت جدارتها في حفظ الأمن، وستبقى كذلك دائماً، كما أنَّ الاستنفار الحاصل على المستوى الاقتصادي، على صعيد المصرف المركزي والمصارف اللبنانية، سيترك أثره الإيجابي، ويبقى الأساس في ذلك هو الموقف الوطني الموحَّد الذي برز في مواجهة تداعيات ما جرى. ورغم ما صدر من أصوات محرّضة، فإنَّ الجميع يتعاطى مع المستجدّات بمسؤوليّة، ويحرص على عدم القيام بأيّ خطوة من شأنها زعزعة الاستقرار الدّاخلي، ويسعى إلى العمل على معالجة الأزمة القادمة بروح استيعابيَّة.

وهنا، لا بدَّ من أن نقدِّر الحكمة التي تجلَّت في مواقف القيادات والفعاليات السياسية والدّينية، ومن المطلوب استمرارها. ونحن من باب حرصنا على تحصين السّاحة الداخليّة التي قد يعمل البعض على زعزعتها، بالعودة إلى إثارة القضايا الخلافيّة الكبرى التي حرص اللبنانيون طوال المرحلة السابقة على تجنبها وإبقائها بعيداً من التداول الداخلي، فإننا ندعو القيادات الفاعلة إلى أن تواصل نهجها في إطلاق الكلمة المسؤولة الواعية، والمواقف والتصريحات التي تقرّب ولا تبعّد، وأن لا تفسح المجال للموتّرين ليجدوا مجالاً رحباً لهم في هذه المرحلة، وأن تعمل لتفعيل الحوار الداخليّ، الذي لا ينبغي أن يحصل تحت وقع الضّغوط القائمة، بل بفعل إرادة داخلية حريصة على الوحدة، وعلى معالجة كلّ القضايا بروح وطنية ومسؤولة.. ومن الطّبيعي أنّ هذا الحوار لن يكتب له النجاح إلا بعد اكتمال عقد القوى السياسية الرئيسة وعودة الرئيس الحريري.

ويبقى أن نتوجَّه إلى كلّ الدّاعين إلى أن يقف اللّبنانيون لمواجهة مكوِّن من مكوِّنات هذا البلد، كما يثار الآن، بأن يكونوا حريصين على هذا البلد وعلى استقراره، وأن يراعوا واقعه الدّاخليّ والتوازنات التي تحكمه، وأن لا يكونوا سبباً لفتنة لن تقف إن حصلت، لا سمح الله، عند حدود هذا البلد.

إنَّنا نأسف على الواقع العربي، حين نرى أنَّ هناك في الغرب من هو أكثر حرصاً على استقرار الوضع اللّبناني، حيث يتحدّث مسؤولون غربيّون عن أنّ ما يحدث في المنطقة هو محض جنون، وأنّ المنطقة بحاجة إلى حلول، وليست بحاجة إلى أزمات، وأنّ الحوار هو الباب الوحيد للوصول إليها، لا الحروب والفتن.

زوَّار الحسين(ع): المشهد المعبِّر

وأخيراً، إنّنا نتطلَّع اليوم باعتزاز إلى مشهد زوّار الحسين(ع)؛ هذا المشهد الَّذي تنطلق فيه جموع المحبّين، لتعبّر عن التزامها بالمبادئ والقيم التي عمل الحسين(ع) لأجل تثبيتها؛ قيم العدل والوقوف في وجه الظّلم والفساد والانحراف.

إنَّ هذه الروح التي تحكم كلّ هذه الجموع، لا تنطلق من أسس مذهبيّة تريد أن تعبّر عن نفسها في مواجهة المذاهب الأخرى، بل من أسسٍ إسلاميّة ورساليّة عالية، تنفتح على كلّ المظلومين وعلى كلّ الرسالات السماوية.

إننا نحيّي هذه الروح التي نريد لها أن تعيش في رحاب الأمّة وقضاياها، بعيداً من كلّ الحسابات الضيّقة، حتى نحفظ واقعنا الإسلامي كلّه، ونتوحَّد بالحسين الحريص على وحدتنا وقوّتنا ومنعتنا في مواجهة كلّ الظلم وكلّ الفتن.

تحدّث سماحة السيّد علي فضل الله في خطبة الجمعة الأولى، عن ذكرى أربعين الإمام الحسين(ع)، مركّزاً على العلاقة الّتي جمعت الحسين(ع) بالله. وفي الخطبة الثّانية، أشار إلى أنّ لبنان لايزال تحت تأثير صدمة استقالة الحريري من خارج الوطن، منوّهاً بحكمة القيادات في البلد في التّعاطي مع الملفّ، مؤكّداً أنَّ لبنان لايزال محكوماً بتغطية دولية وإقليمية تضمن له الاستقرار...

تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها
أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
كتاب معلم الشيعة الشيخ المفيد"
مسؤوليّتنا في غياب المهديّ والتّعاطي مع الزّمن
الدّين عقيدة وشريعة وأخلاق
زيارة عاشوراء في الميزان

تواصل معنا

يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر