اليوم: الخميس26 ربيع الاول 1439هـ الموافق: 14 ديسمبر 2017
Languages عربي
  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
العلامة السيد علي فضل الله رعى حفل افتتاح الموسم الثقافي لاتحاد مجالس أصدقاء المبرات في قرية الساحة التراثية بعنوان "حب الوطن من الإيمان" السيد علي فضل الله: حب الوطن لا يقتصر على الدفاع عنه فقط بل يتمثل باحترام قوانينه وأنظمته والمحافظة على منشآته نتنياهو: نأمل بانضمام إسرائيل إلى الاتحاد الأفريقي بصفة مراقب الجهاد الإسلامي: استضافة قناة الجزيرة لإسرائيلي عار كبير وتطبيع مع الاحتلال الاحتلال الإسرائيلي يعتقل أحد حراس المسجد الأقصى الجهاد: فلسطين بحدودها التاريخية حق لشعبنا لا يقبل الانتقاص أو التجزئة الاحتلال يحكم بالسجن 4 مؤبدات و60 عاماً على 3 أسرى هيئة الأسرى: ارتفاع عدد الحالات المرضية الصعبة داخل سجون الاحتلال ليبرمان أعلن عن منع الدبلوماسيين السويسريين دخول غزة احتفالية في الجامعة العربية بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني BBC: مبارك قبل توطين فلسطينيين في مصر قبل أكثر من ثلاثة عقود مفتي مصر يطالب علماء المسلمين بإعلان فريضة الجهاد الفكري ضد الإرهابيين داعش يتبنى تفجير مبنى وزارة المالية في اليمن الصليب الأحمر يعلن شراء وقود لتوفير مياه نظيفة في اليمن مدريد تعتقل ابنة إمام مسجد بتهمة التحريض ضد المسلمين الشيعة على السوشيال ميديا. مقتل 4 مهاجرين خلال مطاردة مع الشرطة اليونانية خبير أمريكي: واشنطن في مدى صواريخ كوريا الشمالية لأول مرة دراسة: القرفة تنشط جهاز الحرق وأفضل من الدايت دراسة: السكري والبدانة وراء 800 ألف حالة سرطان في جميع أنحاء العالم مقتل نحو 7 آلاف روهينغي في الشّهر الأوّل لهجمات جيش ميانمار كيف أقنع صديقتي الملحدة بوجود الله؟! "قُمّ" تحتضن ملتقی الأدیان والحوزات فضل الله: للاستفادة من دور العشائر في إطفاء الفتنة ورفد القضايا الكبرى السيّد علي فضل الله يفتتح مسجداً في بلدة كفرملكي زراعة الرّحم أمل جادّ لنساء لا ينجبن ترتيبات نهائيّة للمؤتمر العالمي لنصرة القدس كيف نتخلّص من ملل الدّراسة؟! مفتي موسكو يدعو إلى نقل مقرّ الأمم المتّحدة إلى القدس منبر الجمعة: 20 ربيع الأوّل 1439ه/ الموافق: 8 كانون الثّاني 2017م البيان الختامي للمؤتمر الدّولي الـ31 للوحدة الإسلاميّة
  • مواقيت الصلاة
  • مواقيت الأهلّة
  • إتجاه القبلة
ذكرى ولادة الرَّسول المصطفى(ص)
التاريخ:
١/١٢/٢٠١٧
/
13 ربيع الأوَّل 1439هـ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

قال الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.

نستحضر في هذه الأيّام الذّكرى المباركة لولادة أمين الله على وحيه، ونجيبه في خلقه، وصفيّه من عباده، إمام الرّحمة، وقائد الخير، محمد بن عبد الله(ص)، وذلك على الرّواية الّتي ترى أنَّ ولادته المباركة كانت في الثّاني عشر من شهر ربيع الأوَّل، في مقابل من يراها في السّابع عشر منه.

الإيمان بالرّسول يوحِّدنا

والمسلمون جميعاً، وإن اختلفوا في العديد من الأمور التي تتعلق بالعقيدة أو الشريعة، إلّا أنّهم لا يختلفون على إيمانهم برسول الله، فهو نبيّ المسلمين جميعاً، وعنوان وحدتهم وبقائهم، ولا يختلفون أيضاً على أنَّ الله أرسله ليكون شاهداً ومبشِّراً ونذيراً ورحمةً مهداةً لهم، وأنّه(ص) لم يوفِّر جهداً لتحقيق ذلك، حتى أكمل الدِّين وأتمَّ النِّعمة وظهر أمر الله وعلت كلمته.

وإذا كان هناك من يتحدّث أننا نحن الشيعة نتولى أهل البيت(ع)، ونأخذ عقيدتنا وشريعتنا منهم لا من رسول الله(ص)، فإنّ في ذلك كلّ المجافاة للحقيقة التي نؤمن بها، فنحن إنما ننتمي إلى أهل البيت(ع)، لأنهم الأمناء على ما جاء به رسول الله(ص)، والحافظون لرسالته، وهو القائل فيهم: "إني تارك فيكم الثّقلين؛ كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما، لن تضلّوا بعدي أبداً".

ومن هنا، نستطيع القول، وبلسان قاطع، إننا جميعاً على سنّة رسول الله(ص). ولذلك، تأتي ذكرى ولادة رسول الله(ص) لتذكّرنا بوحدتنا، حتى لا نغفل عنها.

ولقد أحسن الإمام الخميني(رض)، عندما اعتبر الأيّام بين الثاني عشر والسّابع عشر من ربيع الأوّل، اللّذين هما موضع الاختلاف في الولادة، أسبوعاً للوحدة الإسلاميّة، أسبوعاً يلتقي فيه العلماء والساسة وكلّ قطاعات المجتمع الإسلامي، ليؤكّدوا أنّ ما يجمعهم هو أكثر مما يفرّقهم، وأنهم وإن اختلفوا في تفاصيل العقيدة أو الشّريعة، فلا يعني ذلك أن يتفرقوا أو يتنازعوا، أو أن يكفّر بعضهم بعضاً، أو أن يقعوا في مهاوي الفتنة.

لذلك، فإنّ هذه الذكرى تأتي لتستصرخ وعي المسلمين وإيمانهم، لتدعوهم إلى ما دعاهم إليه الله عندما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ* وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

وإذا كنا ندعو إلى الوحدة الإسلاميّة، فإننا لا نعني بذلك أن يتنكّر كلٌّ منا لمذهبه وقناعاته، بل لكلّ مذهبه وقناعاته، لكن أن نؤكّد مواقع اللّقاء، وأن نشارك جميعاً في حمل الأهداف الّتي جاء لأجلها رسول الله(ص)، من قيم العدل والحريّة والإخاء الإنساني.

ولادة الإسلام

ونحن اليوم عندما نستعيد ذكرى ولادة رسول الله، فإننا لا نراها ذكرى لشخص رسول الله بقدر، ما نراها ولادةً للإسلام، فنحن لا نعتبر أنَّ ولادة هذا الدّين بدأت ببعثته، بل بولادته، لأنه بولادته بدأت تتوضّح معالم الإسلام، والتي تمثّلت بأحلى صورها بشخصه(ص)، ولذلك قال الله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً}، ليكون أسوةً وقدوةً لهم، فالله سبحانه لم يشأ أن يظهر رسالته قبل إعداد من يعبّر عنها بسلوكه وعمله ومواقفه وكلامه.

ولذلك، فإنّه(ص)، ومنذ أن ولد، أحيط بالرعاية الإلهية، والتي تحدَّث عنها عليّ(ع) عندما قال: "لَقَدْ قَرَنَ الله بِه (صلَّى الله عليه وآله وسلم) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً، أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه، يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَه ونَهَارَه"، وذلك قوله(ص): "أدَّبني ربي فأحسن تأديبي".

ونحن اليوم سنستفيد من هذه المناسبة، لنتوقّف عند خلق عظيم من أخلاقه.

من عظيم أخلاقه(ص)

ومن عظيم أخلاقه(ص)، الّتي من واجبنا ان نتأسَّى بها، الحرص الشَّديد على أن لا يخدش كرامات النّاس.

فقد ورد عنه أنَّه كان أكثر الناس تبسّماً، حتى في أشدِّ ظروفه حراجةً وصعوبة، وكان لا يجفو أحداً، ويقبل معذرة المعتذر إليه، ولا يرتفع على عبده في مأكل ولا ملبس، ولم يسمع يشتم أحداً أو يلعنه، وكان لا يأتيه حُرّ أو خادم بحاجة إلّا قام معه في حاجته، ولا يجلس إليه أحد وهو يصلّي، إلّا خفَّف في صلاته وأقبل عليه وسأله عن حاجته. كان(ص) يحرص على أن يكرِّم كلَّ من يدخل عليه، ولا سيّما الفقراء منهم، وكان يؤثر الدّاخل بالوسادة الّتي تحته، ومن شدَّة حرصه على مراعاة كرامات النّاس ومشاعرهم، أنه ما وضع أحد فمه في أذنه ليحدّثه، إلّا استمرّ صاغياً حتى يفرغ من حديثه.

ومن أخلاقه، أنّه كان إذا كره شيئاً عرف في وجهه، ولم يشافه أحداً فيما يكرهه، حتى إذا بلغه عن أحد ما يكرهه، لم يقل ما بال فلان، بل كان يقول: ما بال أقوام قد فعلوا، حتى يعرف من أساء إساءته، ومن دون أن يشهّر به أمام الناس، كما يفعل البعض عندما يرى خطأً في الآخرين، فبدلاً من أن يبلّغه لصاحبه أو يوصله إليه بطريقة غير مباشرة، يسارع إلى نشره بكلّ الوسائل، ومن ضمنها وسائل التَّواصل المنتشرة اليوم، وكثيراً ما كان(ص) يقول: "من وعظ أخاه سرّاً فقد زانه، ومن وعظه علانيةً فقد شانه".

وكان(ص) يحرص على أن لا يُغتاب أحد في مجلسه، أو أن يساء إلى النّاس في كراماتهم، وأن يوقَّر الكبير، ويُرحَم الصّغير، ويُعزَّ الفقير.

وقد جاء في السّيرة، أنّ أحد الأغنياء كان جالساً في محضر رسول الله(ص)، إذ دخل رجل فقير يلبس لباساً رثّاً، وأراد أن يجلس، فلم يجد مكاناً خالياً إلا بجانب ذلك الرّجل الغنيّ، فذهب وجلس بجانبه، وعندما حاول الغنيّ أن يبتعد عنه قليلاً، ويلملم ثيابه، غضب رسول الله(ص)، وقال للغنيّ: "هل خشيت أن يأتيك شيء من فقره؟"، فقال: لا يا رسول الله. فتابع(ص): "هل خشيت أن ينتقل شيء من ثروتك إليه؟"، قال: لا يا رسول الله. قال(ص): "هل خشيت أن تتّسخ ثيابك؟"، قال: لا يا رسول الله. فقال(ص): "إذاً لماذا فعلت ذلك؟"، ولم يكن للغنيّ جواب سوى أنّه قال: إنها عادة خاطئة يا رسول الله، وأنا مستعدّ لأن أعطي هذا الفقير نصف ثروتي تكفيراً عن فعلتي. فقال الرجل الفقير: ولكن يا رسول الله، أنا لا أقبل. فقيل له: لماذا؟ قال: أخاف إذا قبلت، أن يصيبني ما أصابه. بعدها جاء رسول الله(ص) بالفقير وأجلسه إلى جنبه.

ولم يقف تكريم رسول الله(ص) للنّاس على المسلمين فحسب، بل كان تكريمه حتى لغير المسلمين، وممن لم يؤمنوا برسالته. ففي مفهومه، أنَّ الإنسان يكرَّم لإنسانيّته لأنّه من بني آدم: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}. نعم، هو يكرَّم بتكريم إضافيّ لإيمانه.

وهذا ما حرص على أن يؤكّده(ص) في وصيّته في حجّة الوداع، عندما وقف أمام الناس ليقول:

"يا أيّها الناس، إنَّ ربَّكُم واحد، وإنَّ أباكم واحد. ألا لا فضل لعربيّ على أعجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتَّقوى".

ثم قال: "إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضكم حرامٌ عليكم، كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا إلى يوم تلقون ربّكم".

ومع الأسف، هذه القيمة نفتقدها في مجتمعنا، حيث يستباح الإنسان لمجرّد اختلاف في الرأي أو الدّين أو السياسة، أو لأخطاء قد تحصل، أو لشبهة أو ظنّ... ويكفي نظرة إلى وسائل التَّواصل الاجتماعي، أو عبر وسائل الإعلام، حتى نجد كيف تُمتهَن كرامات النّاس ويساء إليها، في الوقت الّذي قد يحتفلون بولادة رسول الله ويمجِّدونه.

لقد كان رسول الله(ص) واضحاً في تحديد من يلتزمه ويتولّاه، عندما قال: "من آذى مؤمناً فقد آذاني"، "من أحزن مؤمناً ثم أعطاه الدّنيا، لم يكن ذلك كفَّارته ولم يؤجَر عليه"، "من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة"، "أذلّ النَّاس من أهان النّاس".

تجديد العهد بالوفاء

في ذكرى ولادة رسول الله(ص)، لنجدِّد عهد الوفاء لرسول الله(ص)، الّذي أذاب نفسه في تبليغ رسالته، وأتبعها بالدّعاء لملّته، وشغلها بالنّصح لأهل دعوته، وهاجر في سبيل الله لإعزاز دينه، حتى ظهر أمر الله، وعلت كلمته ولو كره المشركون.

وتجديد الوفاء له، هو بأن نجعل ما جاء به همَّنا، نعبّر عنه بسلوكنا، وندعو إليه بالقول والفعل، وأن نتوجَّه إليه حيث كنّا، لنوجِّه إليه تحايانا قائلين:

"السّلام عليك يا رسول الله، السّلام عليك يا حبيب الله، السّلام عليك يا خير خلق الله، أشهد أنّك قد أقمت الصّلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وعبدت الله مخلصاً حتى أتاك اليقين، فجزاك الله عن المؤمنين خير الجزاء".

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصانا به الإمام الصّادق(ع)، الذي نستعيد ذكرى ولادته في السابع عشر من هذا الشهر؛ شهر ربيع الأول، حين توجّه إلى شيعته ومحبيه قائلاً:

"أكثروا من الدعاء، فإنّ الله يُحبّ من عباده الّذين يدعونه، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة، واللهُ مُصيِّرٌ دعاء المؤمنين يوم القيامة عملًا يزيدهم به في الجنّة. وأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كلِّ ساعة من ساعات اللّيل والنهار، فإنَّ الله أمر بكثرة الذكر، والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين.. وعليكم بالمحافظة على الصّلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين. وعليكم بحبِّ المساكين، وإيّاكم والعظمة والكبر، فإنّ الكبر رداء الله عزّ وجلّ، فمن نازع الله رداءه، قصمه الله وأذلّه يوم القيامة، وإيّاكم أن يبغي بعضكم على بعض، فإنّه من بغى، صيّر الله بغيه على نفسه، وصارت نصرة الله لمن بغي عليه، ومن نصره الله غلب، وإيّاكم أن يحسد بعضكم بعضاً، فإنَّ الكفر أصله الحسد. وإيّاكم أن تشره أنفسكم إلى شيء مما حرّم الله عليكم، فإنه من انتهك ما حرّم الله عليه ها هنا في الدنيا، حال الله بينه وبين الجنّة ونعيمها ولذّتها وكرامتها القائمة الدّائمة لأهل الجنة أبد الآبدين".

بهذه الوصيّة، أراد الإمام الصّادق(ع) من شيعته ومحبّيه أن يكونوا دائماً علامة فارقة في حسن تواصلهم مع ربهم، وحسن تعاملهم مع الناس. وبذلك فقط يعبّرون عن حبّهم وولائهم لرسول الله(ص) وأهل بيته(ع). وبذلك، يصبحون أقدر على مواجهة التحديات.

لبنان: انحسار الأزمة

والبداية من لبنان، الّذي بدأ يخطو خطوات حثيثة نحو مرحلة جديدة من الاستقرار، سيكون عنوانها خفض التوتر الداخلي إلى حدّه الأدنى، وهو ما يؤكّده الخطاب المسؤول للقيادات السياسية الحريصة على إبعاد الملفات الخلافية عن التداول، والاستثمار اللبناني الناجح للمناخ الدوليّ الذي لا يريد له الاهتزاز، وانحسار الأعمال العسكريّة في سوريا والعراق، وقرب إنهاء ملفّ الحرب على الإرهاب، الّذي كان يلقي بثقله على السّاحة اللبنانيّة، والوعي العميق من كلّ القوى السياسية بضرورة الحفاظ على الوحدة الداخليّة وتذليل كل العقبات، بما يضمن الخروج من حال التريث والعودة عن الاستقالة. ونحن ننتظر أن تتبلور في الأيام القادمة صيغة نريدها صيغة عمليّة وواقعيّة لما سمي "بالنّأي بالنفس"، تتوافق عليها القوى السياسيّة، وتؤدّي إلى تبديد أجواء التوتر بين لبنان ومحيطه العربي، وتقي هذا البلد من أيّ انعكاسات سلبيّة عليه.

ونحن في الوقت الّذي نقدِّر الجهود التي تبذل من أجل إخراج لبنان من المأزق الذي كان يراد له أن يقع فيه، فإنّنا سنبقى نلحّ على الخروج من الأسلوب الّذي أدمنّاه في هذا البلد، وهو العلاج بالمسكّنات والمهدِّئات والصيغ الملتبسة، لنتّجه إلى المعالجة الجادّة لكلّ القضايا الخلافيّة، والتي إن استمرّت ولم يتمّ التوافق عليها، ستبقي البلد أسيراً للقاعدة التي تقول إنَّ لبنان محكوم بعدم الاستقرار، وهذا لا يتمّ إلا بحوار جادّ وموضوعيّ يأخذ فيه الجميع بالاعتبار مصلحة الوطن، والسّبل الآيلة إلى درء الأخطار عنه. فلبنان ليس جزيرة معزولة عن كلّ ما يجري في هذا العالم.

لقد آن الأوان للّبنانيين لأن ينأوا بأنفسهم عن أن يكونوا متنفّساً لمشاكل المنطقة، الّتي تبقيهم رهينةً لتطوّراتها، وساحةً تنعكس فيها أزماتها وصراعاتها، وموقعاً لتبادل الرّسائل الإقليمية والدولية، ليمسكوا بقرارهم، ويأخذوا من الآخرين ما فيه الخير لهم، ويدعوا ما يسيء إليهم.

ومع بداية انحسار الأزمة السياسيّة، تعود الأزمات المعيشيّة والاقتصاديّة مجدَّداً إلى الواجهة بكلّ تبعاتها على المواطن اللّبناني الّذي يزداد فقراً ومعاناة، ومن حقّ اللبنانيّ الّذي يقف مع دولته في أزماتها، أن تقف معه في أزماته. وما أكثر أزمات هذا البلد التي تنتظر العلاج!

زيادات المدارس الخاصَّة!

وفي هذا المجال، لا بدَّ من أن نتوقَّف عند القضيّة المتعلِّقة بالزيادات الّتي أُقرّت للمعلمين في المدارس الخاصّة، أسوةً بالمدارس الرسمية، والتي هي حقّ لهم، فنحن ندعو إلى تعزيز المعلّم، وإلى تأمين استقراره في العيش بكرامة، ليقوم بدوره التربويّ والتعليميّ في بناء المستقبل الأفضل لأجيالنا.. لكن ما يؤخذ على هذا القرار، أنّه لم يأخذ في الاعتبار ظروف هذه المدارس، وكيفية التعامل مع هذه الزيادات، فهي تقف بين نارين؛ نار زيادة الأقساط المدرسية في ظرف يعاني غالب اللبنانيين ضائقة اجتماعية، ونار الزيادة المطلوب أن تدفعها لمعلميها، ما يستدعي علاجاً نريده أن يلحظ حقوق الجميع ومصالحهم، بحيث تحفظ حقوق المعلمين، بما لا يؤدّي إلى وقوع المدارس الخاصّة تحت وطأة هذه الزيادات، ويترك تأثيره في فعاليّتها وأداء معلّميها.

ظاهرة العمالة

وفي هذا الوقت، تبرز ظاهرة خطيرة كنّا اعتقدنا أنها انحسرت عن هذا البلد، هي ظاهرة العمالة للعدوّ الصهيوني، التي بدأت تتجاوز البعد الأمني، لتصل إلى تجنيد فاعلين في الشّأن الثقافي والفني والاجتماعي، ما يشير إلى مدى الاستهداف الذي تتعرّض له الساحة اللبنانيّة من هذا العدوّ، واستغلاله لنقاط الضعف الموجودة في الدّاخل.

إنّ هذا المنحى الخطير من الاستهداف، يستدعي وعياً من اللبنانيين لخطورة العدوّ، الذي - مع الأسف - والأسى، هناك من يسعى إلى التقليل من خطورته، ما يستدعي تواصياً بالحقّ وبالصبر، وتحصيناً للمناعة الداخلية. وفي الوقت نفسه، ندعو إلى التشدّد في عقاب من أرادوا لأنفسهم أن يكونوا في خدمة عدوّ ليس كأيِّ عدوّ آخر، هو عدوّ يستبيح الأرض والمقدَّسات والمستقبل. ولعلّ التساهل الذي جرى سابقاً مع مثل هذه النّماذج، هو الذي ساهم في تكرارها. وهنا، نعيد تأكيد ضرورة التعامل بطريقة واحدة مع العملاء، بعيداً من هوياتهم وانتماءاتهم، والكف عن تبرير هذه العمالة أو تلك أو التهوين منها. ولا بدّ من أن نشيد بإنجازات القوى الأمنيّة، العين الساهرة على الوطن، وأن نشدّ على أياديها، ونبذل المزيد من الجهود في هذا المجال، بما يقي الوطن من العابثين بأمنه واستقراره ووحدته.

ذكرى نكبة فلسطين!!

وفي هذا الوقت، استعدنا في التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني ذكرى أليمة وحزينة؛ ذكرى مرور سبعين عاماً على القرار الذي اتخذته الجمعية العمومية للأمم المتحدة؛ القرار 181، القاضي بتقسيم فلسطين، والذي قُسّمت بموجبه إلى ثلاث مناطق؛ واحدة للدّولة الفلسطينية، وثانية لليهود، وثالثة كانت تحت الوصاية الدوليّة، وهو ما بات يعرف في الأدبيات العربية التقليدية بنكبة فلسطين، التي تسبّبت بكلّ المعاناة التي تعرّض ويتعرّض لها الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، كما تعرّضت لها شعوب المنطقة التي احتُلّت أرضها، أو التي تعاني آثار وجود هذا الكيان فيها. ومع الأسف، طُبِّق هذا القرار ونُفِّذ في الوقت الّذي لم تُنفَّذ قرارات الأمم المتحدة التي صدرت لحساب الشعب الفلسطيني.

إنّنا نستعيد هذه الذكرى لنؤكّد ظلامة شعب شارك العالم كلّه في صنع مأساته ومأساة محيطه، وثمة مسؤوليّة على العالم بأن يعيد إليه أرضه وعزته وكرامته، ولكنّ الشعب الفلسطيني لن يراهن على ذلك، وسيبقى يعمل مع كلّ المقاومين والمخلصين لاستعادة الأرض من مغتصبيها، مهما طال الزّمن، فما ضاع حقّ وراءه مطالب!

تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها
أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
كتاب معلم الشيعة الشيخ المفيد"
مسؤوليّتنا في غياب المهديّ والتّعاطي مع الزّمن
الدّين عقيدة وشريعة وأخلاق
زيارة عاشوراء في الميزان

تواصل معنا

يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر