اليوم: الأربعاء5 جمادى الثانية 1439هـ الموافق: 21 فبراير 2018

متى يصبح حبّ المال شرّاً؟!

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. صدق الله العظيم.

توأمان مترابطان

في هذه الآية القرآنيّة الكريمة، يريد الله سبحانه وتعالى أن يؤكّد لنا العلاقة بين فعل الخير والعبادة، وأنّهما توأمان مترابطان، إذ لا يمكن للإنسان أن يكون عابداً لله، ومطيعاً له، ولا يفعل الخير في حياته، وفي أيِّ موقعٍ يتواجد فيه، لأنَّ علامة إيمانه هي فعله للخير، ولذلك نجد أنَّ الله سبحانه وتعالى عندما تحدَّث عن المؤمن، قال: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}.

وهكذا، إذا بلغ الإنسان القمَّة في العبادة، فإنَّ مظهر العبادة يتجلَّى في أن يكون ساعياً في حوائج الناس. ولهذا، أن تعبد الله سبحانه وتعالى، أن تتمثّل الله في حياتك. فالله يرسل إلينا الشّمس لتشرق علينا دون حساب، وينزل مطره علينا دون حساب، لا ينتظر منا شيئاً.. والكون يضج بعطاءاته التي تملأ حياتنا، هذا كلّه بدون حساب. الله هكذا يتعامل معنا، حتى لو عصيناه، وحتى لو أسأنا إليه.

ولهذا، فإنّ الدعاء الذي ندعو به دائماً: "تنزل علينا بالنّعم ونعارضك بالذّنوب، خيرك إلينا نازل، وشرّنا إليك صاعد، ولم يزل ولايزال ملك كريم، يأتيك عنا بعمل قبيح، فلا يمنعك ذلك من أن تحوطنا بنعمك، وتتفضَّل علينا بِآلائِكَ. فَسُبْحانَكَ ما أَحْلَمَكَ وَأَعْظَمَكَ وَأَكْرَمَكَ مُبْدِئاً وَمُعِيداً!".

هذا هو ربّنا، كم نسيء إليه في الحياة، كم نعصيه ونجاهره بالعداوة! ومع ذلك، نراه يرحمنا، يستر علينا، يتجاوز عن كلِّ ما نقوم به. ولهذا، فإنّ الّذين يعبدون الله سبحانه وتعالى، الّذين يخضعون لإرادته، هم الّذين يعيشون الخير للناس، حيث يتواجدون، وفي أيّ موقع، هذه هي إرادته.

ومن هنا، فإنَّ الإنسان إذا لم يكن خيراً للحياة، لا يمكن أن يكون مؤمناً. وعلى هذا الأساس، اعتبر الله سبحانه وتعالى أنَّ العلاقة به مرهونة بهذه الصّورة: "الخلقُ كُلُّهم عِيالُ الله، فأَحَبُّ خلقِه إليه أنفعُهم لعِيالِه". ولم يميِّز سبحانه بين خلقٍ وخلق، وبين ناسٍ وناس، بل تحدّث عن الخلق كلّهم.

ولذلك، أن تكون خيراً، يعني أن تكون خيراً مع كلِّ الناس، لا خيراً للمسلمين فحسب، أن تكون خيراً أينما تواجدت، وفي أيّ موقع من مواقع الحياة...

صورٌ للخير والعطاء

وهذه هي الصّورة التي قدّم الله سبحانه وتعالى بها رسوله(ص) عندما تحدّث عنه، حيث تحدّث عن هذا الخير الدّافق من قلب رسول الله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ}. فهو رسول الخير الّذي يشعر بما تعانون، ويتألّم لآلامكم، ويتفاعل مع مشاكلكم وهمومكم.

وهكذا، عندما تحدَّث الله سبحانه وتعالى عن أهل بيت رسول الله(ص)، تحدَّث عنهم بهذه الصّورة {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً}. فهم لا يطعمون النّاس في الحالات العاديّة، بل في الحالات غير العاديّة، حيث يحرمون أنفسهم ويقدِّمون ما عندهم للآخرين.

وهذه الصّورة هي التي عبّرت عنها السيِّدة الزّهراء(ع)، في القيمة التي عاشتها في حياتها، حيث كانت تقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، وهي تعيش الآلام، ومع ذلك، كانت تدعو للنّاس ولا تدعو لنفسها.

وعندما رآها ولدها الإمام الحسن(ع) وهي في محرابها تصلّي، وتدعو للمؤمنين وللمؤمنات، ولا تدعو لنفسها، قال لها: يا أمّاه، لم لا تدعين لنفسك كما تدعين للنّاس؟ فقالت له: "يا بنيّ، الجار ثمّ الدَّار". الأساس أن نفكّر في الآخرين، وهذا هو الّذي يرفع موقعك في حسابات الله، لأنَّ الإنسان الّذي ينتمي إلى هذا الخطّ، لن تكون حساباته أنانيّة، فالله يمقت الأنانيّين، وهذه الصّورة التي على أساسها يدخل الإنسان الجنّة.

عملٌ يُدخِل الجنّة!

ولهذا، عندما جاء رجل إلى رسول الله(ص)، وقال له: دلّني على عمل إن أنا عملته دخلت الجنّة؟ وعادةً، عندما يأتي أحد إلينا بمثل هذا السّؤال، نقول له: صلّ وصم وأدّ العبادات واذهب إلى الحجّ والزيارات... وهذه أمور طبعاً تقطع بنا مسافةً مهمّةً نحو الجنّة، ولكنها لا تكفي، إذا لم نقرن ذلك بعمل خيرٍ نقوم به يترك أثراً في حياتنا وفي واقعنا، وإلّا فإننا لا نصل إلى الجنّة.

والنبيَّ(ص) الذي كان يعرف أنَّ هذا الشّخص يصلّي ويصوم ويحجّ، لفته إلى أمر مهمّ، والّذي نحن أحياناً لا نلتفت إليه، قال له: "أنل مما أنالك الله". فالله أعطاك مالاً أو علماً أو سلطةً أو موقعاً، أو أنه أعطاك علاقات اجتماعيّة، أو غير ذلك من الأمور.. هذه الأمور التي يعطيك إياها الله، هي ليست لحسابك أنت فقط، هي لحسابات النّاس أيضاً، ومسؤوليَّتك أن تؤدِّيها إليهم، فما أنعم الله على عبدٍ نعمة، إلّا وحمّله مسؤوليَّتها.

ردَّ الرّجل على رسول الله(ص): "فإن كنت أحوجَ ممن أنيله؟"، أي إذا لم يكن لديَّ قدرة حتى أعطي، قال(ص): "فانصر المظلوم". هناك مظلومون في الحياة، تُسلَب حقوقهم، ويساء إليهم، والمفروض أن تقف معهم، وأن تكون حريصاً على أن لا يُظلَموا.

الإمام زين العابدين(ع) يقول: "اللّهمّ إني أعتذر إليك من مظلوم ظلم بحضرتي فلم أنصره".

الإنسان واجبه أن ينصر المظلومين أينما كانوا، لا أن ينصر المظلومين في بلده فقط. طبعاً الأقربون أولى بالمعروف، لكن أيّ ظلمٍ يحصل في الحياة نحن مسؤولون عن رفعه. نحن عادةً نرى ظلماً يحصل لشعوبٍ ولأممٍ، وظلماً يلحق بالمسلمين وبغير المسلمين، والمفروض أن نقف مع المظلومين ولو بالكلمة، أو بموقف نتّخذه، أو بأن نبيّن للناس الظلامة التي تعرَّضوا لها، وأن نحرص على أن نخفِّف عن المظلومين، إذا لم نقدر أن نحلَّ لهم مشكلتهم، المهم أن ننصر المظلوم.

قال الرّجل لرسول الله(ص): "وإن كنت أضعف ممن أنصره؟"، إن كانت مساعدتي له ستدخلني في مشاكل مع النَّاس الّذين يظلِمون، ولست أملك القدرة على أن أواجههم، فماذا أفعل؟ قال له(ص): "فاصنع للأخرق"، يعني أشر عليه. هناك في الحياة من النّاس من لا يوجد عندهم قدرات أو إمكانات في الحياة، جاهلون، لا يعرفون كيف يديرون أمورهم وحياتهم، فاحرص على أن تصنع لهؤلاء ما يمكن أن يرفع من مستواهم. قال له: "فإن كنت أخرق ممن أصنع له؟"، إن كنت أنا أيضاً عندي مشكلة، ولا أعرف كيف أدير حياتي أو أموري.

وكاد هذا الشّخص يصل إلى قناعة بأن ليس له حظّ في الدّخول إلى الجنّة، حتّى قال له الرّسول(ص): "أمسك لسانك إلّا من خير". لا تحرّك هذا اللّسان إلّا بالخير. يعني أينما تتواجد، إذا كانت هناك إثارات وتوتّرات، وكان هناك من يسعى للفتنة، فلا تحرِّك لسانك لأجل الفتنة، ولا تحرّكه بالغيبة، ولا بالنَّميمة، ولا تحرّكه بإثارة قلوب النَّاس بعضها على بعض.

لا إيمان بلا خير

أيّها الأحبَّة: إنَّ للّسان دوراً حدَّده الله سبحانه وتعالى، حتّى لا نحرّكه كيفما كان، ومن دون أيِّ ضوابط. قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}. لا تطلق الكلام على عواهنه، بل اجعله يتحرَّك ضمن الضَّوابط والحدود المرسومة له. حرِّكه في أمور الخير؛ أن تأمر النّاس بصدقةٍ مثلاً، فالناس أحياناً تشلّ فيهم إرادة الخير، فشجّع أنت الناس على الخير وتكون شريكاً به.. أن تأمر بمعروف، أن ترشد النّاس إلى حكمٍ شرعيٍّ أو فكرةٍ صائبة، أن تنبّههم إلى قضيّة مهمَّة لها دور في مصيرهم. اعمل ليكونوا أكثر وعياً للجانب السياسيّ، للجانب الاجتماعيّ، للجانب الثقافيّ، أو اعمل لإصلاحٍ بين النّاس... هذا هو طريق الجنَّة؛ أن تكون خيراً في الحياة.

والمؤمن إذا لم يقم بأيّ شيء فيه خير للحياة، على مستوى الفكر والسياسة والاجتماع، وعلى مستوى قضايا الناس، فعليه أن يعيد النّظر بإيمانه، لأنّ الخير والإيمان توأمان، ولا يمكن أن ينفصلا.

وهكذا، ورد أنّه جاء رجلٌ إلى رسول الله(ص)، وقال له: يا رسول الله، دلّني على عمل إن أنا عملته دخلت الجنَّة. وكان هذا الرّجل يعمل في السِّقاية، أي يسقي الناس التي تحتاج إلى ماء، وفي ذلك الوقت، كان عملاً مهمّاً. فقال له الرّسول(ص): "أنت ببلد بُجلب به الماء؟"، قال: نعم. قال: "فاشتر به سقاءً جديداً، فإنّك لن تخرقها حتّى تبلغ بها عمل الجنّة".

وورد عن أبي عبد الله(ع): "ثلاث من أتى الله بواحدة منهنّ، أوجب الله له الجنّة: الإنفاق من إقتار ـ يعني أن تنفق حتى ولو كنت تعاني من القلّة، أنفق ولو شيئاً بسيطاً تقدر عليه ـ والبشر لجميع العالم ـ اجعل بسمتك تملأ الحياة، أن يكون وجهك بشوشاً أمام النَّاس، لأنَّ الناس قد يكونون مغمومين في هذه الحياة، وقد يكون عندهم آلام، فعلى الأقلّ، إذا لم تستطع أن تخفِّف من همومهم، فاحرص على أن تكون مبتسماً ـ والإنصاف من نفسه"، فكما تحبّ للنَّاس أن يفعلوا الخير معك، أن يسامحوك ويتجاوزوا عن أخطائك، فعليك أيضاً أن تفعل الخير معهم، وأن تسامحهم وتغفر لهم أخطاءهم، فما تحبّه لنفسك أحبّه للنّاس، وما تكرهه لها، اكرهه لهم.

وقد أشارت الآية القرآنية إلى هذا الجانب: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

ومن طرق الجنَّة أيضاً، ما أشار إليه النبيّ(ص) عندما قال: "أكثر ما تلج به أمَّتي الجنَّة، تقوى الله وحسن الخلق"، أن تكون أخلاقك جيّدةً مع النّاس، أن تكون حريصاً على أن تعطي من حَرمَك، وتصل من قَطعَك، وتعفو عمَّن ظَلَمَك.. هكذا تكون أخلاقك في الحياة؛ أن تتجاوز عندما يكون التَّجاوز هو المطلوب، لأنَّ هناك حالات لا بدَّ للإنسان من أن يأخذ حقّه وينتصر له: "وأمّا حقّ من ساءك فأن تعفو عنه، فإن رأيت أنَّ العفو عنه يضرّه انتصرت"، لكنَّ العفو هو المبدأ.

كيف نجعل واقعنا أفضل؟!

نحن بحاجةٍ إلى أن نقدِّم الدّين بهذه الصورة، لأنَّ نظرتنا إلى الدِّين أصبحت نظرةً ترتكز فقط على مقدار ما نصلّي أو نصوم أو نحجّ، وكأنّنا بذلك وفَّينا قسطنا، وأصبحنا نمسك بمفاتيح الجنَّة.

تريد أن تمسك بمفاتيح الجنَّة؟ يجب أن ترى ماذا تركت من أثرٍ في نفوس النّاس.. فإذا لم تترك خيراً في الحياة، فلا تطمئنّ إلى أنك في الجنّة، ولو أدّيت العبادات.

الكثير من الناس يكتفون في تقييم بعض الأشخاص، ولا سيَّما من هم في المواقع السياسيّة، بأنّ هذه أو ذاك إسلاميّ، فهو يصلّي ويصوم. ولكنَّ هذا لا يكفي، لأنَّ التّقييم يجب أن يكون على أساس ما يترك من أثر إيجابيّ من خلال الموقع الّذي تصدّى له؛ هل كان فعلاً إسلاميّاً عندما تحرّك في موقع المسؤوليّة التي وصل إليها، أم لم يكن هكذا؟! الإسلام يفرض أن يكون الإنسان عادلاً، فهل جعل البلد من خلال وجوده أفضل؟ وأن يكون مصلحاً، فهل غطَّى الفساد؟ هل جامل المفسدين؟ هكذا يجب أن يكون التّقييم.

هذا هو الإسلامي، الإسلامي يعني أن ينطلق من خلال الإسلام، أن يكون الإسلام هو الذي يحكمه في كلّ حياته. ولهذا، نحن بحاجة إلى إعادة إنتاج الدّين في الحياة، بأن نكون دعاة خيرٍ في كلّ المواقع والمجالات.

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، أن نكون الأمّة الّتي تدعو إلى الخير، وتعمل وفق معايير الخير.

وهذا الّذي نستطيع من خلاله أن نجعل واقعنا أفضل، ولن يكون أفضل، إلّا حين يدخل الدِّين إلى كلِّ تفاصيل حياتنا، وحين يزرع كلّ منّا الخير في السَّاحة الّتي يعيش فيها، وعندما تتجمَّع بقاع الخير، نصنع مجتمع الخير.

الله ليس بحاجة إلى صلاتنا، وليس بحاجةٍ إلى كلّ عباداتنا، وإذا كان هنالك قيمة لعباداتنا، فإنّها تكون بمقدار ما تترك من أثرٍ في الحياة...

هكذا نصل إلى الله سبحانه وتعالى، وبذلك نجعل الدّين دائماً حاضراً في كلّ تفاصيل حياتنا.

والله يريد من المؤمن أن لا يقتصر خيره عند وجوده في الحياة، بل أن تمتدَّ آثار الخير إلى ما بعد موته: "إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". فإذا لم يستمرّ خيرك من بعدك، فإنَّك حينها تموت، والله يريدنا أن نكون أحياء، كما الشّهداء أحياء، لأنهم يزرعون من خلال شهادتهم عزّة وكرامة، ونحن أيضاً يجب أن نزرع، وبذلك نستطيع أن نصل إلى الله..

إنَّ الطريق إلى الله واضح وسهل، وجسر العبور إليه هو الخير الّذي يتدفَّق من ألسنتنا، ومن قلوبنا.. يتدفّق من حياتنا.. بذوراً تستمرّ بالنموّ، وينابيع تفيض بالعطاء وتنتج خيراً كثيراً.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا لأن نكون من دعاة الخير.

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصانا به رسول الله، عندما دعانا إلى أن نكثر من الدّعاء الذي كان يدعو به في كلّ يوم قائلاً:

"اللَّهُمَّ أَدْخِلْ عَلى أَهْلِ الْقُبُورِ السُّرُورَ، اَللَّهُمَّ أَغْنِ كُلَّ فَقيرٍ، اَللَّهُمَّ أَشْبِعْ كُلَّ جائِعٍ، اَللَّهُمَّ اكْسُ كُلَّ عُرْيانٍ، اَللَّهُمَّ اقْضِ دَيْنَ كُلِّ مَدينٍ، اَللَّهُمَّ فَرِّجْ عَنْ كُلِّ مَكْرُوبٍ، اَللَّهُمَّ رُدَّ كُلَّ غَريبٍ، اَللَّهُمَّ فُكَّ كُلَّ أَسيرٍ، اَللَّهُمَّ أَصْلِحْ كُلَّ فاسِدٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمينَ، اَللَّهُمَّ اشْفِ كُلَّ مَريضٍ، اَللَّهُمَّ سُدَّ فَقْرَنا بِغِناكَ، اَللَّهُمَّ غَيِّرْ سُوءَ حالِنا بِحُسْنِ حالِكَ، اَللَّهُمَّ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنا مِنَ الْفَقْرِ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ".

لقد أراد رسول الله(ص) أن يكون الدعاء هو وسيلتنا للتّعبير عن إرادة الخير للناس، فلا نكتفي بأن ندعو، كما اعتدنا، لأنفسنا أو لعائلتنا، أو لمن يطلب منّا الدّعاء، بل ندعو لكلّ الناس، حتى من لم يطلب منا، أن ندعو لمن في القبور، وللفقراء والمساكين والمدينين والمكروبين والمهمومين، ومن يعيشون الظّلم والاضطهاد والطّغيان والاحتلال، أو يعانون واقعاً فساداً يأكل من ثرواتهم وخيراتهم.

وفي ذلك، التّعبير عن حبّنا للناس، ورغبتنا الخير لهم، ما يعزّز قوّة المجتمع وصلابته، ويجعله أكثر قدرةً على مواجهة التحدّيات.

لبنان في حمّى الانتخابات

والبداية من لبنان، الذي دخل حمّى الانتخابات النيابية، حيث بات الحديث هو حديث الانتخابات في المهرجانات الشعبية والخطابات السياسية أو في المواقف. وهذا من الطّبيعي أن يحصل مع اقتراب موعد الانتخابات، في ظلّ التنافس الذي تشهده الساحة السياسيّة، ولكن ما لا ينبغي أن يحصل، هو السعي لكسب مزيدٍ من الأصوات، باستخدام الخطاب الطائفي والمذهبي في إطار هذا التّنافس، بحيث تستفز فيه الغرائز الطائفية والمذهبية، التي تترك بالطبع انعكاساً على السّاحة، وتعيدها إلى أجواء التوتر الداخليّة التي لم يخرج البلد بعد من تداعياتها.

ومن هنا، فإنّنا نريد أن لا يكون هذا الخطاب هو سمة الخطاب السياسيّ الانتخابيّ، وأن يستبدَل به خطاب البرامج الّتي تقدِّم حلولاً عمليّة لكيفيّة إخراج البلد من أزماته المعيشيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، وكيفيّة النهوض به، ليكون الكسب بعد ذلك للبرنامج الأفضل، وعدم الاكتفاء بالعناوين الفضفاضة.

إنّنا نريد من القيادات السياسيَّة أن ترتقي بخطابها إلى الخطاب العقلاني الهادئ، الّذي يأخذ بعين الاعتبار مصلحة جميع اللّبنانيين بكلّ تنوّعاتهم الطائفية والمذهبية، فالخطاب الفئويّ والعصبويّ لن يقابَل إلا بخطاب عصبويّ وفئويّ مضادّ، ما يؤثّر في الأجواء، ويهزّ الاستقرار، وهذا ليس من مصلحة البلد في ظلِّ الظّروف الحسّاسة والصّعبة.

إنَّ من حقِّ الشّعب اللبنانيّ أن يلتحق بركب الشّعوب الأخرى، التي تعتبر الاستحقاق الانتخابي فرصة للمحاسبة على نهج سابق جرّبته، والانطلاق إلى مرحلة جديدة أفضل، حتى لا يكون مصيره في السنوات القادمة على صورة الواقع المؤلم الذي عاشه في السّنوات السّابقة.

تدخّل مرفوض!

وعلى وقع هذا الاستحقاق، يواجه اللّبنانيون استحقاقاً آخر، هو تحدّي العدوّ الصهيوني الذي يسعى في هذه المرحلة، عبر تهديداته وتهويلاته المستمرّة على اللبنانيين، مستفيداً من حركة دبلوماسية غربية، للاستيلاء على ثروة لبنان النفطيّة والغازيّة المتمثلة بالبلوك (9)، وكذلك الاستيلاء على أرض لبنانيّة، من خلال بناء الجدار الإسمنتي، عندما لا يأخذ بالاعتبار النقاط المتنازع عليها.

ونحن أمام هذا الاستحقاق، على ثقة بأنَّ اللّبنانيّين الذين لم يرضخوا لتهديدات العدوّ الصهيونيّ، ولا لتهاويله في السّابق، وأثبتوا، دولةً وشعباً وجيشاً ومقاومة، أنهم قادرون على أن يمنعوه من تحقيق أهدافه في لبنان، سيثبتون ذلك مجدَّداً، ويرغمون العدوَّ على التراجع عن مخطَّطاته، ولن يدخلوا في المساومة التي أتت بها الدبلوماسيّة القاضية بتقاسم البلوك (9)، على أن يقابل بتنازل صهيونيّ عن بناء جدار على الحدود المتنازع لها، وهي في الأساس ليست من حقّه.

ولكن يبقى على اللّبنانيين أن يتابعوا الموقف الموحَّد الّذي اتخذوه على المستوى الرسميّ والشعبيّ، وأن لا يستدرجوا إلى تنازلات، بحجَّة أن نتنازل عن القليل لنستفيد من الكثير، لأنَّ فتح أيّ باب من التنازلات، سيؤدّي إلى فتح المسار لتنازلات أخرى.

ونبقى في لبنان، لنؤكِّد رفضنا للمنطق الَّذي أثاره رئيس الدبلوماسيّة الأميركيّة، الّذي يؤدي إلى تحريض اللّبنانيّين على بعضهم البعض، بإثارته خطر المقاومة على مستقبل لبنان، في الوقت الّذي يعرف هو وغيره، أن الخطر الكبير على لبنان لم يأت من المقاومة، وإنما يأتي من الكيان الصهيوني، الذي انطلقت المقاومة كردّ فعل لاحتلاله وأطماعه، فإذا كان حريصاً على الشّعب اللّبناني ومستقبله، فليكن حريصاً على منع هذا العدوّ من استهداف لبنان من البرّ والبحر والجوّ، وفي أرضه وثرواته، والضّغط عليه للخروج من مزارع شبعا وكفرشوبا.

سوريا تواجه العدوّ

أمّا في سوريا، فإننا نرى في إسقاط الجيش السوريّ طائرة صهيونية، مؤشراً على منحى جديد في التعامل مع هذا الكيان الذي استباح في السابق طويلاً سيادة هذا البلد، وهو من الآن وصاعداً سيحسب الكثير من الحسابات قبل أن يقوم بأيّ مغامرة جديدة مماثلة.

إنّنا نحيّي إرادة الصمود والتحدي في الجيش السّوري، وهذا ما كنا ننتظره منه، فقد ساهم، ولازال، في استعادة الأمّة لثقتها، وتوحيد الشعب السوري، لتبقى البوصلة في مواجهة هذا العدوّ، ورفض العبث باستقرار البلد، أو جعله في مهبّ رياح الدول الكبرى أو غير الكبرى، التي تسعى إلى تقاسم جبنته.

حقّ الشّهداء

ونحن في أجواء ذكرى قادة شهداء المقاومة الإسلاميّة، الذين بعثوا في الأمّة عزتها وحريتها وكرامتها، في وقت عزّت القوّة والحرية والكرامة، وقدَّموا أنموذجاً يحتذَى في ذلك، نرى أنَّ من حقِّ هؤلاء على أمّتهم، أن تحفظ جهادهم وتضحياتهم، فلا تضيع في ظلّ الحرتقات والتناقضات الداخلية، أو الاستجابة للضّغوطات الخارجية بتشويه صورتها.

وأخيراً، وأمام الكارثة الجديدة التي تمثّلت بتداعي مبنى في برج البراجنة، أدّى إلى سقوط العديد من الضحايا، ندعو إلى إجراء تحقيق عادل وشفّاف، لمعرفة الأسباب التي أدّت إلى ما حصل، ليتحمّل كلٌّ مسؤوليته، وحتى لا تتكرّر هذه المأساة في مبان أخرى قديمة.

إنَّ ما جرى، ينبغي أن يدعو البلديات، ومن ورائها الدّولة، إلى أن يلتفتوا أكثر إلى حاجات النّاس ومتطلّباتهم وأمنهم الاجتماعيّ في مثل هذه القضايا أو أية قضايا أخرى.

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن هل يقرأ المؤمن القصص العاطفيّة؟! كنيسة سويدية تدعو لرفع أذان الجمعة الإيمان وفعل الخير توأمان لا ينفصلان. 30 جمادى الأولى 1439هـ/ الموافق: 16 شباط 2018م السّبت أوّل أيّام شهر جمادى الثانية 1439 هـ فضل الله ببناء الإنسان وتعزيز القوة والوحدة ننهض بالوطن زعيم اليمين المتطرّف فى إيطاليا يدعو لإغلاق 800 مسجد منبر الجمعة: 23 جمادى الأولى 1439هـ/ الموافق: 9-2-2018م مؤذّنون في معهد موسيقيّ متى يصبح حبّ المال شرّاً؟! أسمع بسبِّ الذَّات الإلهيَّة.. كيف أتصرّف؟
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر