المؤتمر الدولي لدعم الانتفاضة يُحيى يوم القدس العالمي في غزة الإندبندنت: سجن فتاة 110 أيام في إسرائيل لرفضها أداء الخدمة العسكرية وزير الأوقاف الفلسطيني: مدبرو محاولة استهداف الحرم المكي خارجون عن الإسلام غزة: سرايا القدس تعلن ضم 2000 مقاتل إلى صفوفها أسير محرر: عقاب جماعي بحق الأسرى الذين أضربوا عن الطعام في سجون الاحتلال انتحاري يفجر نفسه قرب الحرم المكي ويوقع 11 جريحاً بينهم 5 من رجال الأمن الخارجية الإيرانية تدين محاولة استهداف المسجد الحرام في مكة فايننشال تايمز: العملة القطرية تعاني بعد نشر قائمة المطالب العربية الديلي تلغراف: محكمة بلجيكية تدين 8 أميرات إماراتيات بالإتجار بالبشر مسؤولون أمريكيون: واشنطن تعتزم استبعاد العراق وميانمار من قائمة تجنيد الأطفال مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية يطلق تطبيقاً على الهاتف المحمول يسمح لضحايا جرائم الكراهية ضد المسلمين بالإبلاغ عما تعرضوا له من حوادث دفن 100 شخص جراء انهيار أرضي في الصين منظمة حماية حقوق الإنسان في سويسرا: مطالب الدول المحاصرة لقطر غير قانونية علماء صينيون يطورون بندقية ليزر قادرة على إسقاط أي طائرة بدون طيار دراسة: 250 مليون شخص يتعاطون المخدرات في العالم دراسة: النسيان يجعل الإنسان أذكى باحثون يطورون لاصقة ذكية لشحن الأجهزة من عرق الإنسان دراسة تكتشف علاقة بين الوسواس القهري والتهاب المخ عندما أكتئب لا أصلّي منبر الجمعة: 28 رمضان 1438هـ/ الموافق: 23 حزيران 2017م يوم القدس العالمي.. مسيرات في إيران والعالم لإحياء المناسبة في وداع الشَّهر الكريم رئيسة بلديّة ضاحية نويكولن تحذِّر من صيام الأطفال! لنحمل رسالة الوحدة والتَّضامن والقواسم المشتركة المبرّات مسيرة زاخرة بالعطاء وسعي دائم للتّنمية الإنسانيّة بلجيكا: للنهوض بمكانة المرأة المسلمة حملة وطنيّة قرآنيّة في مالیزیا فضل الله: ظاهرة خطيرة ناتجة من التّحريض على المسلمين ليلة القدر في مسجد الحسنين(ع)
  • مواقيت الصلاة
  • مواقيت الأهلّة
  • إتجاه القبلة
السّكينة سرّ سعادة المؤمن ومقياس إيمانه
التاريخ:
١٧/٢/٢٠١٧
/
20 جمادى الأولى 1438هـ
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً}.

هدف الإنسان في الحياة
يسعى الإنسان في هذه الحياة، وكلّ هدفه تحقيق السّعادة، وهو لذلك يبذل الجهود، ويتحمّل المعاناة، ويقدّم التضحيات للحصول عليها...
وهذا التطلّع إلى السعادة، وإن كان ينبع من صميم الوجود الإنساني، ومن مقتضى فطرته البشريّة، إلا أنّ الناس تتعدّد طرقهم ومشاربهم لبلوغ هذا الهدف؛ فهناك من يسعى إليها في المال، وآخرون في الموقع، ومنهم في الجاه أو في العلم، وقد يراها البعض في الشّهرة أو الأولاد، فيما قد يراها آخرون في الصحّة أو الأمان وما إلى ذلك.
ولكنّنا حين نطلّ على هذه المسألة في القرآن الكريم، نراه يصنّف كلّ هذه الغايات التي يسعى الإنسان لبلوغها ضمن متاع الحياة الدّنيا، وهي التي أشار إليها بقوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ}. ومن طبيعة الحياة وسننها أنها لا تصفو على حال، وإن صفت، فهي قد تحقّق للإنسان قدراً من السّعادة، حين تسدّ حاجاته وغرائزه ورغباته المادّية. ولكن حتى في هذا القدر، فإنّ هذه الحاجات لا تقدّم اكتفاءً طويل الأمد، وهذا ما يفسّر مثلاً كيف أن الإنسان في حال فقره، ينظر إلى المال كغاية قصوى للسّعادة، ويمني نفسه أنّه عند بلوغه الحدّ الأدنى من الغنى، سيكتفي بذلك، فإن تحقق له الغنى، فإنّه لا يكتفي به، بل تراه في قلق وتوتّر دائمين، يسعى إلى المزيد منه، حتى ولو أصبح من أصحاب المليارات، وكلّ ذلك بحثاً عن السعادة والاكتفاء. والأمر نفسه في الجاه أو العلم أو الشّهرة أو تأمين الصحّة أو الأمان...

وسبب ذلك النّقص، أنّ للإنسان حاجات نفسيّة وروحية داخليّة، إن جرى تلبيتها، حقّقت له ذلك الشعور الداخلي بالسعادة، وهذه الحاجات تتمثّل كما يصوّرها كتاب الله، بالسكينة والطّمأنينة والانشراح.

سرّ السّعادة
ونحن اليوم سنتوقَّف عند واحدة من هذه المفردات، وهي السّكينة. والسّكينة تعني الهدوء والسّكون والاطمئنان الّذي يشعر به الإنسان في كلّ أحواله المعيشيّة والعاطفيّة والإنسانيّة، وخصوصاً عندما تنزل به الشّدائد والابتلاءات، وعند الغضب والانفعال والتوتّر والقلق. وشعور السّكينة ينعكس قدرةً على التّفكير الواعي والسّليم والمنطقي، أمّا اعتبارها سرّ السّعادة، فلأنها تستأصل من النفس الإنسانيّة ما ينغّص حياتها، فالإنسان يخشى دائماً أن يعيش القلق والتوتر مما قد يصيبه من مرض أو موت أو خوف، مما يخفي له المستقبل من مفاجآت ومصائر، أو من تعثّرات الحياة التي تودي به في مهاوي الفقر والحاجة، ومن أعداء يهدّدون كيانه ووجوده وقدراته.
وقد أشار الله سبحانه وتعالى في الآية الّتي تلوناها إلى مصدر هذه السّكينة، عندما قال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً}. فالسكينة منحة من الله ينزلها على قلوب المؤمنين، وهي لا تصل بالمجّان، بل بفعل إيمانهم عندما يعيشونه صادقاً عميقاً؛ الإيمان الّذي يجعلهم يستحضرون الله في كلّ حين، كما هو الله في جلاله وعظمته وقدرته وعلوّه وجبروته، فلا يرونه بعيداً منهم.. يكفي أن يدعوه حتى يستجيب لهم، وأن يتوكّلوا عليه حتى يكفيهم، وأن يستندوا إليه حتى يجدوه نعم السّند ونعم الظّهير، لذا هم يرضون بقضائه مهما كان هذا القضاء، وببلائه مهما كان هذا البلاء، وبحكمه مهما كان هذا الحكم. وفي ذلك قال رسول الله(ص): "عَجَباً لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له".
وهو ما ورد في الحديث القدسيّ: "ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ من عبدي المؤمن، وإنّي إنّما ابتليته لما هو خير له، وأعافيه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يُصلح عبدي عليه، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، أكتبه في الصدّيقين عندي إذا عمل برضائي، وأطاع أمري".

من مظاهر السّكينة
وقد أشار القرآن الكريم إلى العديد من مظاهر السّكينة التي أنزلها الله على الأنبياء والمؤمنين، فهي نزلت في قلب النبيّ موسى(ع) ومعه بنو إسرائيل، عندما لاحقهم فرعون وجنوده، بعد محاولتهم النّجاة بأنفسهم من طغيانه وجبروته، وكادوا يومها يصلون إليهم بعد أن بلغوا شاطئ البحر، جاء يومها بنو إسرائيل إلى نبيّهم موسى(ع) فزعين قائلين: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، فقال لهم بلسان السَّكينة التي كانت في قلبه: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}.
وهذه السّكينة أشار إليها القرآن الكريم عندما تحدّث عن هجرة رسول الله(ص) من مكّة إلى المدينة، فقد لاحقته قريش، ووصلت برجالها إلى فم غار ثور، حيث كان يحتمي فيه رسول الله(ص) وصاحبه، ولكنّ رسول الله(ص) الواثق بربّه، كان آنذاك بمنتهى السّكينة، قائلاً إنَّ الله معنا، وما دام معنا فهو يكفينا.
{إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا}.
وقد تجلّت هذه السكينة في العديد من معارك المسلمين المصيرية، فبعد معركة أحد، جاء خبر إلى المسلمين أنّ قريش قرّرت أن تستفيد من انتصارها على المسلمين في المعركة للدّخول إلى المدينة، يومها خرج المسلمون كلّهم، لم يخشوا قريش رغم جبروتها وكلّ الآلام التي أصابتهم، ما اضطرّها أن تتراجع عمّا كانت ستقدم عليه.. وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ الله وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ الله وَالله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}..
وتجلّت أيضاً في معركة حنين، يوم تعرّض المسلمون لكمين محكم من المشركين، بحيث تفرّقت صفوفهم بسببه. يومها، أنزل الله السّكينة على رسوله وعلى المؤمنين، وتحوّلت معها المعركة من هزيمة كادت تلحق بالمسلمين إلى نصر، والّذي أشار إليه الله سبحانه: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}.
وقد أشار الله إلى أنَّ إنزال السّكينة على قلوب المؤمنين، لا يقتصر على حالات الشدَّة، بل هي حاضرة في قلوب المؤمنين في حالات التوتّر والانفعال، بها يواجهون استنفار العصبيّات وحميّة الجاهليّة والتوتّر، ليتحرّكوا من خلالها لا من موقع ردّ الفعل، بل من موقع الإيمان والتّقوى، عندما قال: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}.

السَّكينة مظهر الإيمان
أيّها الأحبَّة: في زمن القلق والتوتّرات والانفعالات والعصبيّات، وزمن التحدّيات والشّدائد، نحن أحوج ما نكون إلى هذا الهدوء النّفسيّ، إلى السّكينة والوقار، وإلى برودة القلب، حتّى نقدر على التّعامل مع كلّ هذه الأجواء القاسية، وعلى النّجاح في تجاوزها..
والسَّكينة هي مظهر لإيماننا وعلامة له، بها نقيس إيماننا، فلا يمكن للمؤمن أن يكون مؤمناً، إلّا إذا كان رابط الجأش في الشّدائد والصّعوبات، حافظاً لسكونه ووقاره عند الزلازل والهزّات، غير خاضع للانفعالات والحساسيّات، وغير مهتزّ أمام البلاء والآلام.. فالمؤمن في كلّ هذه الحالات، يبقى صابراً ثابتاً واعياً حكيماً، يقول عند البلاء: {هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً{.
وقد ورد في صفات المؤمن: "في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور". وقد سئل الإمام الصّادق(ع): بأيّ شيء يعلم المؤمن أنّه مؤمن؟ قال: "بالتّسليم لله، والرّضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط".
ومتى بلغنا ذلك، فإنّ نفوسنا ستبلغ القمّة الّتي لا قمّة بعدها، نفوس لا تكسرها العواصف، ولا تهزّها زلازل الحياة، نفوس قادرة على الثّبات في اليوم الّذي قال عنه الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الله شَدِيدٌ}.
نفوس اطمأنّت بذكر الله، وينطبق عليها قول الله سبحانه: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية


عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما دعانا إليه الله، عندما قال في الحديث القدسي: "قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي؛ فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل. إذا قال العبد: {بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، قال الله جلّ جلاله: بدأ عبدي باسمي، وحقّ عليَّ أن أتمِّم له أموره، وأبارك له في أحواله. فإذا قال: {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ}، قال الله جلَّ جلاله: حمدني عبدي، وعلم أنَّ النّعم التي له من عندي... أشهدكم أنّي أضيف له إلى نعم الدّنيا نعم الآخرة. وإذا قال: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، قال الله جلّ جلاله: شهد لي عبدي أنّي الرَّحمن الرّحيم، أشهدكم: لأوفّرنّ من رحمتي حظَّه، ولأجزلنّ من عطائي نصيبه.. فإذا قال: {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قال الله تعالى: أشهدكم، كما اعترف بأنّي أنا المالك يوم الدِّين، لأسهّلنَّ يوم الحساب حسابه، ولأتقبّلنَّ حسناته، ولأتجاوزنَّ عن سيِّئاته. فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، قال الله عزَّ وجلَّ: صدق عبدي، إيّاي يعبد، أشهدكم: لأثيبنَّه على عبادته ثواباً يغبطه كلّ من خالفه في عبادته لي. فإذا قال: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قال الله تعالى: بي استعان عبدي، وإليَّ التجأ، أشهدكم: لأعيننَّه على أمره، ولأغيثنَّه في شدائده. فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل، فقد استجبت لعبدي، وأعطيته ما أمل، وآمنته مما وجل منه".

بهذه الصّورة، أرادنا الله أن نقرأ سورة الفاتحة؛ أمّ الكتاب وأساسه، أن لا نكتفي بترداد كلماتها، بل أن نحسَّ بأنَّ الله حاضر معنا، يمنحنا الرَّحمة والعطاء والحبّ. ومتى حصلنا على ذلك، فسنشعر بأنَّنا قريبون منه، فهو يقبل توبتنا ويسمع دعاءنا. وعندها، سنكون أقوى وأقدر على مواجهة التحدّيات. فمن يشعر بوجود الله معه، لن يكون وحيداً، ولن يهزم.

لبنان: هل يقَرُّ قانون الانتخاب؟!
والبداية من لبنان، الذي يستمرّ فيه تبادل الرّسائل بين القوى السياسية حول القانون الانتخابيّ، من خلال الخطابات والمهرجانات ووسائل الإعلام والتّواصل، أو عبر اللّقاءات الثنائيَّة، من دون أن يكلّف المسؤولون أنفسهم عناء الجلوس إلى طاولة واحدة، من خلال المؤسَّسات الدّستوريّة أو غيرها، لإنهاء هذا الجدل، والإسراع في تحقيق الاستحقاق الانتخابيّ في موعده، كما يدعو إلى ذلك الجميع ولا يعملون له.. بعدما أصبح واضحاً، أسوةً بكلّ التجارب السابقة، أنَّ القانون الانتخابيّ سيكون نتاج توافق القوى السّياسيّة، على صيغة "لا غالب ولا مغلوب" في لبنان. وبالتالي، فإنّ ما يجري ليس سوى عرض كلّ موقع سياسيّ للقانون الّذي يناسبه.
إنَّنا نخشى أن يؤدّي هذا التباطؤ في الوصول إلى قانون جديد، إلى إيقاع البلد في مأزق، وووضعه أمام خيارات مرّة، وهي العودة إلى قانون الستّين، أو التمديد، أو الفراغ. ومن هنا، فإنّنا ندعو القيادات السّياسيّة إلى تحمّل مسؤوليّاتها، واستنفار جهودها، والاستفادة من الوقت القليل المتبقّي للوصول إلى قانون جامع تتوافق عليه، فهذا الأمر من السَّهل الوصول إليه إن صدقت النيّات، وخرج كلّ طرف من حساباته الخاصّة ومصالحه الذاتيَّة.
وفي هذا الوقت، يجري العمل على الخروج بموازنة، ونحن نرى أهميّة الجهد الذي يبذله مجلس الوزراء للإسراع في إنجازها بعد مرور 12 سنة، كان البلد يعيش فيها من دون موازنة، مع ما استتبع ذلك من فوضى في الإنفاق. ونحن نأمل أن تؤدِّي إلى رسم سياسة لتحفيز الاقتصاد ووقف الفساد، وأن تراعي متطلّبات اللّبنانيّين من دون فرض الضّرائب عليهم بشكل مباشر أو غير مباشر. وهنا ندعو إلى أن تقرّ الموازنة خاليةً من الضّرائب على الفقراء، لتكون مفروضة على أرباح المصارف والشرّكات الكبرى والعمليّات العقاريّة، وعلى غير ذوي الدّخل المحدود...

فلسطين: مَن يُسقِط المؤامرة؟!
ونصل إلى فلسطين، الَّتي تشهد مرحلة من أخطر المراحل، تذكّرنا ببداية المؤامرة التي أعدَّت للسيطرة عليها، من خلال العمل للإجهاز على حلم الشّعب الفلسطينيّ بامتلاك حرّيته وسيادته، ولو على جزء من بلده، وإنهاء ما كان يسمَّى بحلّ الدولتين، بحيث يعيش الشّعب الفلسطينيّ في الضفّة الغربية والقدس في ظلِّ الدولة اليهوديّة، وهو ما خرج به اللقاء الذي جرى بين الرئيس الأمريكي الجديد ورئيس وزراء العدوّ.
ومع الأسف، يجري كلّ ذلك في ظلّ صمت عربيّ، رغم أنّ ذلك يتنافى مع قرارات عربيّة اتخذت في قمم سابقة، ما يستدعي من الفلسطينيّين إعادة توحيد جهودهم، لرسم سياسة موحَّدة في مواجهة ما يجري، ومن الشّعوب العربية إعادة توجيه بوصلتها باتجاه فلسطين، حتى لا تضيع بالكامل، كما ضاعت أجزاء كثيرة منها.

إنّنا سنبقى نراهن على حيويّة الشعب الفلسطيني، وعلى كلّ الذين يصرّون على استعادة فلسطين كلّها، من النّهر إلى النّهر، وعلى الدّاعمين لهذا الشّعب وجهاده؛ هؤلاء الّذين لن يسمحوا لهذه القرارات بأن تمرّ، كما كلّ المؤامرات السّابقة، فكلّ المؤامرات والاتفاقات والخطط العالميّة ستسقط إن لم تسلّم الشّعوب بها ولم تسكت عليها، وهذا منطق التّاريخ ومنطق الحاضر الّذي سيثبته المستقبل.

مناسبتان وموقف
وأخيراً، نتوقّف في السادس عشر من هذا الشّهر عند مناسبتين؛ الأولى هي مرور السنة السادسة على الحراك الشعبي السّلميّ في البحرين، الّذي أكّد حيوية الشعب، وحكمة قيادته، رغم كلّ الضّغوط الّتي يتعرّض لها ولا يزال. لقد كنّا نأمل أن يتمّ إنصاف هذا الشّعب، وأن تُؤخَذ مطالبه الحيويّة بعين الاعتبار، وينال حقوقه المشروعة، وتتحقّق مطالبه العادلة، ليعود البحرين، كما كان، عنواناً للوحدة والتّماسك ضمن التنوع الدينيّ والمذهبيّ والسّياسيّ.

والمناسبة الأخرى هي ذكرى القادة الشّهداء للمقاومة الإسلاميّة.. ونحن هنا، نحيّي تلك النفوس الطاهرة التي عبَّرت بتضحياتها عن عنفوان الإيمان لديها، وبذلت أرواحها من أجل حماية هذا البلد من عدوّ كان، ولا يزال، يتربَّص به وبعزّته وسيادته. إنَّنا ندعو إلى أن تكون ذكراهم ذكرى وطنية يتشارك الجميع لإحيائها، لما بذلوه لحساب عزّة هذا الوطن وكرامته، لا أن تتحوَّل ذكراهم إلى مناسبة خاصّة.
إنَّ الوفاء لأصحاب هذه الذّكرى، يتمثَّل في الوقوف مع كلّ الَّذين يصرّون على إبقاء هذا الوطن قويّاً في وجه العدوّ الصّهيوني الغادر، والّذين يشكّلون قوّة ردع له، ليبقى حراً عزيزاً كريماً وثابتاً في التصدّي له ولأعوانه.

تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها
أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

تواصل معنا

يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر