اليوم: السبت7 ربيع الاول 1439هـ الموافق: 25 نوفمبر 2017
Languages عربي
العلامة السيد علي فضل الله استقبل السفير البريطاني في لبنان وبحث معه آخر التطورات في لبنان والمنطقة السيد علي فضل الله: نؤيد كل سعي مخلص لاستقرار لبنان وتعزيز مناعة الوطن السيد علي فضل الله: نخشى تأثر السلم الأهلي في المرحلة القادمة من انعكاسات الصراع الإقليمي الحاد حماس: رفض أميركا تجديد ترخيص مكتب المنظمة انحياز سافر لإسرائيل الجيش الإسرائيلي أعلن عن اعتقال 21 فلسطينياً في الضفة الغربية رويترز: وزير إسرائيلي يكشف عن اتصالات سرية بالسعودية فايننشال تايمز: كبار المستثمرين في العالم يوقفون استثماراتهم في السعودية إنشاء أول بلدية نسائية لخدمة المجتمع النسائي في المدينة المنورة المحكمة الاتحادية في العراق تقضي بعدم دستورية استفتاء إقليم كردستان محافظ كركوك: اليونيسيف ستتولى تأهيل وإعمار مشاريع في قضاء الحويجة فقدان 3000 حاوية نفايات تبرعت بها بلدية طهران لبلدية كربلاء وزير الداخلية الفرنسي: سنمنع المسلمين من الصلاة في الشوارع تكريم كلب عسكري في بريطانيا ومنحه ميدالية تقديراً لجهوده الأناضول: إلقاء القبض على رئيس برلمان إندونيسيا بتهمة فساد مجهولون يرسمون صليباً على مسجد في السويد وول ستريت جورنال: أمريكا على وشك حرب تجارية مع الصين جرائم الإنترنت تكبد دول العالم 550 مليار دولار سنوياً 14 قتيلاً و35 جريحاً بحادث سير في كولومبيا بيع أكبر ألماسة في العالم في مزاد بسعر 34 مليون دولار إندبندنت: طبيبان يحسمان وفاة رضيع بجرعة ماريجوانا بعد عامين من الجدل شركة تطور مظلة ذكية تتنبأ بحالة الطقس بريطاني يدفع 100ألف يورو ليحول وجهه إلى وجه كلب رئيس وزراء هولندا الأسبق: الكيان الصّهيوني أخطر دولة في الشّرق الأوسط حبّ الوطن من الإيمان حملة مجانيّة لمرضى الضّغط في جمعيّة التآخي للرّعاية الاجتماعية الصحية لماذا على المرأة أن تلتزم بالحجاب؟ اليونان: "أحكام الشَّريعة الإسلاميّة" في خطر بعد كل المعاصي.. كيف أنفتح على الله؟ من دروس الرَّسول(ص): ليس أحدٌ فوقَ النَّقد منبر الجمعة: 28 صفر 1439هـ/ الموافق: 17 تشرين الثّاني 2017م لقطع الطّريق على كلّ السّاعين للفتنة في الواقع الإسلاميّ الأحد القادم أوّل أيّام شهر ربيع الأوَّل 1439هـ حائرٌ بين أهلي وزوجتي!
  • مواقيت الصلاة
  • مواقيت الأهلّة
  • إتجاه القبلة
الأسلوب الرِّساليّ للإمام زين العابدين(ع)
التاريخ:
١٣/١٠/٢٠١٧
/
23 محرَّم 1439هـ

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}. صدق الله العظيم.

تعود إلينا في الخامس والعشرين من شهر محرَّم الحرام، ذكرى وفاة واحد من أهل هذا البيت الطّاهر، الذي عندما تحدَّث عنهم رسول الله(ص)، قال: "إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً؛ كتاب الله، وعترتي أهل البيت"، وهو الإمام عليّ بن الحسين(ع) زين العابدين وسيّد السّاجدين.

معاناة زين العابدين(ع)

هذا الإمام الذي عندما يُذكَر، فإنّه تذكر معه أصعب المراحل التي مرَّت على بيت رسول الله(ص)، فقد شهد واقعة كربلاء بكلّ مجرياتها، وقد كان خلالها عليلاً لمرضٍ أصابه، وأمام عينيه، وعلى مرأى منه، استشهد أبوه الحسين(ع) وإخوانه وأعمامه وأهل بيته وأصحاب أبيه. وهذا أقسى ما قد يواجهه إنسان، فنحن الآن بعد أربعة عشر قرناً ونيِّف، تعتصر قلوبنا ألماً عندما نستمع إلى مجريات كربلاء، فكيف بمن شهدها عن قرب؟!

وبعد الانتهاء من المعركة، عانى الإمام زين العابدين(ع) معاناة السّبي، وقهر الأسر مع عمّاته ونساء كربلاء، لكن كلّ هذه الآلام والمصائب والأحقاد وأغلال الأسر، لم تضعف ولم تهن من عزيمته، فهو بقي صلباً صلابة الإيمان الّذي عاشه في قلبه، والمسؤوليَّة التي تحمَّلها بعد استشهاد أبيه(ع). ولذا رأيناه يقف بكلِّ عنفوان أمام عبيد الله بن زياد مخاطباً إيّاه: "أبالقتل تهدِّدني يابن زياد؟ أما علمت أنَّ القتل لنا عادة، وكرامتنا من الله الشَّهادة؟".

وهذا العنفوان هو ما واجه به يزيد المنتشي بما حسبه نصراً: "يابن معاوية، لقد كان جدّي عليّ بن أبي طالب في يوم بدر وأحد والأحزاب، في يده راية رسول الله(ص)، وأبوك وجدّك في أيديهما رايات الكفّار"، وقوله: "ويلك يا يزيد، إنَّك لو تدري ماذا صنعت، وما الّذي ارتكبت، إذاً لهربت في الجبال، وافترشت الرَّماد، فأبشر بالخزي والنّدامة".

وبوصول الإمام(ع) إلى المدينة؛ محطّ رحله، والموقع الذي سيقوم منه بمسؤوليّته، كان عليه أن يقف في وجه أيّ تداعيات سلبيّة حصلت بعد كربلاء، وأن يجهض أهداف السّلطة الأمويّة التي أرادت من خلال فعلتها إخماد روح الثّورة التي أطلقها الحسين(ع) وأيّ صوت يعارضها.

وقد انقسم الناس بعد انتهاء معركة كربلاء إلى ثلاثة اتجاهات: فهناك من الناس من انهزم بفعل ما جرى في كربلاء، وقرّروا الانضواء تحت لواء يزيد، والقبول بمشروعه، انطلاقاً من مقولة أنَّ اليد التي لا تستطيع أن تكسرها قبّلها. وهناك من النّاس من قرَّر الانزواء والابتعاد عن الحياة السياسيَّة والقضايا العامَّة، مؤثراً السّلامة، والقول: ما لنا وللدخول بين السّلاطين. وهناك من تحرّك ليثأر من الأمويّين. وقد سجّلت في ذلك العديد من الثورات التي قضّت مضاجع الحكم الأموي، منها ثورة أهل المدينة، وثورة التوّابين، ثم ثورة المختار الثّقفي في الكوفة، وثورات أخرى.

أيَّ خيار اتَّخذه الإمام(ع)؟!

لقد قام الإمام زين العابدين(ع) بدوره، وهو ـ بالطَّبع ـ لم ينكفئ أو ينعزل، كما أوحى بذلك البعض، أنَّه انكفأ للعبادة والدّعاء والبكاء على ما جرى في كربلاء.

نعم، لم يأخذ خيار الثَّورة المباشرة، وإن أيّد الثّائرين وشدّ من عزيمتهم، وهناك ثورات خرجت من بعده انطلقت من بيته، وقادها أحد أبنائه، وهو زيد.

لقد رأى الإمام(ع) أنَّ الأمَّة تحتاج في تلك المرحلة إلى إعادة تأهيل، لتخرج من جهلها وضعفها وهزيمتها الّتي كانت السَّبب في خذلانها للحسين(ع)، وللإمام الحسن من قبله، وقد تميّز أسلوبه باستخدام الدّعاء لبلوغ هذا الهدف، فتحوَّل الدعاء عنده من كونه تواصلاً روحيّاً ووجدانيّاً بين الإنسان وربِّه، إلى وسيلة تغيير للمفاهيم والسّلوك، فلم يعد الإنسان يكتفي في الدّعاء بالطّلب من ربِّه المغفرة والرّحمة، والدّخول إلى الجنّة والبعد عن النّار، أو بلوغ الحاجات التي يحتاجها، أو كشف الهموم التي يريد من الله أن يفرّجها له فحسب، بل صار الدّعاء أداة تربويّة وتثقيقيّة على المستوى الفكريّ والعقيديّ والرّوحيّ والاجتماعيّ والسياسيّ.

وهذا ما عبّرت عنه أدعيته في "الصّحيفة السجاديّة"، فنراه في دعائه في الاستعاذة من المكاره وسوء الأخلاق، يستعرض بين يدي الله نقاط الضَّعف التي قد تكون في سلوك أيِّ إنسان، ليطلب بعدها من الله العون لعلاجها:

"اللّهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ هَيَجَـانِ الْحِرْصِ (الجشع)،وَسَوْرَةِ الغَضَبِ، وَغَلَبَةِ الْحَسَدِ، وضَعْفِ الصَّبْرِ، وَقِلَّةِ الْقَنَاعَةِ، وَمَلَكَةِ الْحَمِيَّةِ، وَمُتَابَعَةِ الْهَوَى، وَمُخَالَفَةِ الْهُدَى، وَسِنَةِ الْغَفْلَةِ (الفتور عمّا يقرّب إلى الله)، وَإيْثَارِ الْبَاطِلِ عَلَى الْحَقِّ، وَالإصْرَارِ عَلَى الْمَأثَمِ، وَاسْتِصْغَـارِ الْمَعْصِيَـةِ، وَاسْتِكْثَارِ الطَّاعَةِ، وَسُوءِ الْوِلاَيَةِ لِمَنْ تَحْتَ أَيْدِينَا، وَتَرْكِ الشُّكْرِ لِمَنِ اصْطَنَعَ الْعَارِفَةَ (المعروف) عِنْدَنَا، أَوْ أَنْ نَعْضُدَ ظَالِماً (أن نكون عوناً له)، أَوْ نَخْذُلَ مَلْهُوفاً، أَوْ نَرُومَ مَا لَيْسَ لَنَا بِحَقٍّ نُعْجَبَ، أَوْ نَقُولَ فِي الْعِلْمِ بِغَيْرِ عِلْم، وَنَعُـوذُ بِـكَ أَنْ نَنْطَوِيَ عَلَى غِشِّ أَحَد، وَأَنْ نُعْجَبَ بِأَعْمَالِنَا، وَنَمُدَّ فِي آمَالِنَا".

وهذا المنهج هو ما نراه في دعائه لأبويه، بحيث تحوَّل الدّعاء عنده إلى تذكير بالأبعاد التربويّة المتعدّدة التي يجب أن نراعيها في العلاقة بالوالدين: "اللَّهمَّ اجعلني أهابهما هيبة السّلطان العسوف، وأبرّهما برّ الأم الرّؤوف، واجعل طاعتي لوالديّ وبرّي بهما أقرّ لعيني من رقدة الوسنان، وأثلج لصدري من شربة الظّمآن، حتى أوثر على هواي هواهما، وأقدم على رضاي رضاهما، وأستكثر برّهما بي وإن قلّ، وأستقلّ برّي بهما وإن كثر".

وهو لم يكتف بأن يدعو لأولاده، كما قال: "اللّهمّ امدد لي في أعمارهم، وزد لي في آجالهم، وربِّ لي صغيرهم، وقوِّ لي ضعيفهم، وأصحّ لي أبدانهم وأديانهم وأخلاقهم، وعافهم في أنفسهم وفي جوارحهم وفي كلّ ما عُنيت به من أمرهم، وأدرر لي وعلى يديّ أرزاقهم"، بل حوّل الدّعاء لهم لإبراز الدّور الذي يجب الالتفات إليه في التّعامل معهم، فقال: "اللّهمَّ واجعلهم أبْراراً أتْقِياء بُصَراءَ سامِعِينَ مُطِيعِينَ لَكَ، وَلأوْلِيائِكَ مُحِبِّينَ مُناصِحِينَ؛ وَلِجَمِيعِ أعْدائكَ مُعانِدِينَ وَمُبْغِضِينَ".

وفي دعاء آخر، يوسّع دائرة الاعتذار إلى الله، لتشمل عدم القيام بمسؤوليَّة إعانة المظلوم، وشكر المعروف، وقبول عذر المسيء، فهو ينبِّهنا إلى أنَّ مسؤوليّتنا واسعة: "اللّهمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلوُمٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أنَصُرْهُ، وَمِنْ مَعْروفٍ أُسْدِيَ إِلَيَّ فَلَمْ أَشْكُرْهُ، وَمِنْ مُسيءٍ اعْتَذَرَ إِلَيَّ فَلَمْ أَعْذِرْهُ، وَمِنْ ذي فاقَةٍ سَألَنِي فَلَمْ أوثِرْهُ".

وفي دعائه في "مكارم الأخلاق"، غيّر مفهوم النَّظر إلى الحياة، ليبيّن أنَّ قيمتها بمقدار ما تكون في طاعة الله، وإلّا لا قيمة لها، ولذلك قال: "اللّهمَّ وَعَمِّرْني ما كانَ عُمْري بِذْلَةً في طاعَتِكَ، فَإِذا كانَ عُمْري مَرْتَعاً لِلشَّيْطانِ، فَاقْبِضْني إِلَيْكَ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَ مَقْتُكَ إِلَيَّ، أَوْ يَسْتَحْكِمَ غَضَبُكَ عَلَيَّ".

رسالة الحقوق

ولم يكتف الإمام بالدّعاء كوسيلة للتربية والتوجيه ولإيقاظ الأمَّة، بل رسم في رسالته (رسالة الحقوق) ـ هذه الوثيقة التي شغلت بال الكثير من الحقوقيّين في الغرب، ولم تشغل ـ مع الأسف ـ اهتمام الكثير من المسلمين ـ رسم فيها للإنسان مسؤوليّاته في الحياة، فقد وسَّع دائرة المسؤولية، فالإنسان هو مسؤول تجاه ربّه، وهو مسؤول تجاه جوارحه؛ فللّسان حقّه، وللسّمع حقّه، وللبصر حقّه، وللبطن حقّه، ومسؤول عن كلّ عمل أمر به، وكلّ فعل من أفعاله، بأن يؤدِّيه على أصوله، وهو مسؤول عمن يعيشون معه من الأقربين والأبعدين، وفي أيِّ موقع، وبذلك يرى الإنسان أنَّ مسؤوليّته تطاول كلَّ شيء في الحياة.

ولم يقف الإمام زين العابدين(ع) على هذه التّوجيهات نظريّاً، بل شكّل من نفسه نموذجاً يقتدى، فكان مثالاً في العلم والعبادة والخشوع بين يدي الله، وفي الحلم وكظم الغيظ، وفي الصَّدقة وإعانة الفقراء، حتّى إنّه كان يستبشر عندما يأتيه فقير، ويقول: "مرحباً بمن جاء يحمل زادنا إلى ربّنا". وتذكر سيرته، أنَّه كان يعول أهل بيوت كثيرة في المدينة، ولم يعرفوه إلّا بعد ارتحاله، عندما انقطع عطاؤه عنهم.

كيف نخلص للإمام؟!

أيّها الأحبَّة: إنَّ إخلاصنا للإمام زين العابدين(ع) في ذكرى وفاته، لا يحصل، كما اعتدنا، بإقامة مجالس عزاء عنه، أو بزيارته، أو ببذل المآدب على اسمه فقط، بل هو بأن نخلص لكلِّ هذا التراث الذي تركه من سيرته ودعائه وكلماته، الّتي إن أخذنا بها، فهي تعيننا على سموِّ العلاقة بالله، وعلى إعمار نفوسنا بالرقيّ الإنساني والخلق، كما بالشَّجاعة وعنفوان القوَّة، وهو ما يساهم في إعادة الرّوح إلينا، وفي بناء الشخصيّة الإسلاميّة المتكاملة، بدلاً من الشخصيّة المنقوصة.

نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول ويتَّبعون أحسنه؛ إنَّه مجيب محقّق الدّعاء.

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما كان يوصي به الإمام زين العابدين(ع) محبّيه وشيعته:

"أيُّها النّاس، اتَّقوا الله، واعلموا أنَّكم إليه راجعون، فتجد كلّ نفسٍ ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء، تودُّ لو أنَّ بينها وبينه أمداً بعيداً، {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ}. ويحك ابن آدم الغافل، وليس مغفولاً عنه، إنَّ أجلك أسرع شيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك، ويوشك أن يدركك، فكأنَّك قد وفّيت أجلك، وقد قبض الملك روحك، وصُيِّرت إلى قبرك وحيداً، واقتحم عليك ملكان منكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك، ألا وإنَّ أوّل ما يسألانك عن ربِّك الذي كنت تعبده، وعن نبيّك الذي أرسل إليك، وعن دينك الّذي كنت تدين به، وعن كتابك الّذي كنت تتلوه، وعن إمامك الّذي كنت تتولاه، وعن عمرك فيما أفنيته، وعن مالك من أين اكتسبته، وفيما أنفقته، فخذ حذرك، وانظر إلى نفسك، وأعدّ الجواب قبل الامتحان والمساءلة والاختبار".

أيّها الأحبّة، حين نأخذ بوصايا إمامنا، ونعي أبعادها، نصبح أكثر دقّةً فيما نؤمن به ونعتقده، وفي القيادة التي نلتزمها، وفي المال الَّذي نكسبه وننفقه، وفي العمر الَّذي نصرفه، فلا ينبغي أن نؤمن بأيِّ فكرة إلا بناءً على قناعة، ولا ينبغي أن نسير مع أحد إلا بعد أن نتأكَّد أنَّه يوصلنا إلى رضوان الله، ولا نكسب إلا عندما نطمئنّ إلى أنّه من حلال، وأنّه يصرف في الحلال، ولا نبدِّد عمرنا في لغو ولهو، وبذلك سنصبح أكثر وعياً ومسؤوليَّة، وأكثر خيراً وعطاءً، وبذلك نواجه التحدّيات.

لبنان: أينَ دورُ المواطنين؟!

والبداية من لبنان، الَّذي لم يطل فيه الوقت على نقض المجلس الدّستوريّ لرزمة الضَّرائب التي أصدرها ممثّلو الشَّعب اللّبناني في المجلس النّيابي، حتى سارع هؤلاء إلى الالتفاف على هذا القرار، وإعادة إصداره بالصّورة التي لم تختلف كثيراً عمَّا كانت عليه سابقاً، والّتي انتقدناها، لكونها تمسّ بشكلٍ كبيرٍ الطّبقات المتوسِّطة والفقيرة، وخصوصاً أنّها لم تستفد من هذه الزِّيادات.

لقد أصبح واضحاً، وعلى لسان صانعي القرار الماليّ في الدَّولة، أنَّ الإصرار على هذه السِّلسلة وعلى تمريرها، لم يكن الهدف منه هو السِّلسلة، بقدر ما كان الهدف هو سدّ عجز الموازنة، وتحميل المواطنين وزر سنوات من الهدر والسَّرقة المقوننة المستمرَّة من دون حسيب ورقيب.

لقد اختار المجلس النِّيابيّ الأسلوب السَّهل لسدِّ هذا العجز، وهو مدّ اليد إلى جيوب النَّاس والفقراء، بدلاً من اتخاذ إجراءات إصلاحيَّة، واستئصال جذور المرض الّذي سبَّب وسيبقى يسبِّب هذا العجز. وإذا لم تحصل هذه الإصلاحات، ولم تسدّ أبواب الفساد والهدر، سنشهد هذا السِّيناريو نفسه، كما سنشهد ضرائب جديدة.

ونحن في هذا المجال، لسنا ممن يفكِّرون بطوباويَّة ومثاليَّة، أو ممن يريدون تسجيل النِّقاط، فنحن نعرف أنَّ الدَّولة، أيّ دولة، لا يمكن أن تعيش أو تستمرَّ بدون ضرائب. وبالتَّالي، من حقِّ الدَّولة أن تفرض ضرائب، وحتى أن تزيدها، ولكن شرط أن يرى المواطن مردودها، بحيث لا يدفع فاتورة الكهرباء والماء مرَّتين، أو غير ذلك من احتياجات يجد نفسه فيها وحيداً يقلّع شوكه بأظافره.

لقد كنَّا نراهن على أن يكون البديل هو إصلاح مؤسَّسات الدَّولة، وإيجاد علاجٍ لإيقاف كلِّ مزاريب الهدر والفساد والمحسوبيَّات الّتي أصبحت مكشوفة، وباتت وسائل الإعلام تتناقلها، ولكن يبدو أنَّ هذا الأمر ليس وارداً لدى هذه الطَّبقة، فهي لن تقدم على هذه الخطوات لأنها تمسّها، ولأنها مطمئنَّة إلى أنَّه ليس هناك من يحاسب ويراقب. ويكفي زعماء هذه الطَّبقة، حتى يكسبوا جمهورهم، أن يدغدغوا مشاعره الطائفيَّة والمذهبيَّة، وأن يثيروا مخاوفه حتى يستكين لهم.

لقد كنّا نراهن على المجلس الاقتصادي الاجتماعي أن يكون له دور في التّعبير عن هموم المواطنين وحاجاتهم، ولكن، وكما حصل في مواقع أخرى، أتى ملبّياً للمحاصصة بين القوى السياسيَّة، بدلاً من أن يكون معبّراً حقيقيّاً عن إنسان هذا البلد.

 إنّنا أمام ذلك، ندعو اللّبنانيّين إلى أن يكونوا واعين، وأن يفتحوا أعينهم جيّداً على ما يجري من حولهم، وأن لا يُخدَعوا، وأن يختزنوا في أنفسهم كلَّ هذا العبث بهم وبمصالحهم، وكلَّ الضّغوط والآلام التي يتعرَّضون لها، وأن يعبِّروا في الوقت المناسب عن غضبهم وسخطهم، والاستحقاق الانتخابي ليس ببعيد، وسنبقى نراهن على أصواتهم، وعلى كلّ الأصوات الحرّة والحريصة على إنسان هذا البلد، لإيقاف الانهيار فيه، والوصول إلى الدَّولة العادلة؛ دولة الإنسان، فلا ينبغي أن نكتفي بالبكاء على الأطلال وندب الحال وتقليب الكفّ على الكفّ.

في انتظار قرارات ترامب!

في هذا الوقت، يترقَّب العالم ما ستحمله الساعات والأيّام القادمة من قرارات تصدر عن الرّئيس الأميركي بشأن الملفّ النّووي الإيراني، وما قد يواكبها من عقوبات تطال من يناوئون السياسة الأميركية المتحالفة مع إسرائيل ويربكون خططها، ومن تهديدات صدرت عن وزير الحرب الصهيوني، وطالت الجيش اللبناني.

ونحن في الوقت الَّذي نرى في كلّ ذلك انعكاساً طبيعياً لفشل مشاريع كانت قد رسمت لسوريا والعراق والمنطقة بشكل عامّ، ندعو إلى أخذ المخاطر بجديّة، وفي الوقت نفسه، عدم إطلاق العنان للخوف من كلّ ذلك، فقد أصبح واضحاً، وبالوقائع، أنَّ هذا العالم لم يعد عالم القطب الواحد، وأنَّ العدوّ الصّهيوني الذي يهدّد ويتوعّد، لم يعد يملك حريّة أن يفعل ما يشاء، كما كان يفعل سابقاً، ويشهد على كلّ ذلك، التاريخ القريب الذي عشناه، وهو قابل لأن يتكرّر مادام في الأمّة نبض حياة وعزة وغير ذلك.

لتعزيز السّاحة الدّاخليّة

وفي السّاحة الداخليَّة، نؤكّد ضرورة تدعيم الجهة الداخليَّة لمواجهة أيّة أخطار قد تهدِّد البلد على المستوى الأمني أو الاقتصادي، وندعو إلى الكفِّ عن أيِّ خطابٍ يؤدِّي إلى توتير أجواء هذه الوحدة في الدَّاخل، وخلق تشنّجات تحت أيّ عنوانٍ من العناوين، ولا سيَّما مع اقتراب الانتخابات، التي غالباً ما يستخدم فيها الخطاب الشعبويّ أو الشِّعارات التي تشدّ العصب الطائفيّ والمذهبيّ، كما نرى تصاعد هذا الخطاب الآن.

وهنا، نقدِّر أيّ جهد ولقاء يساهم في تعزيز المناعة الداخليّة ويقوّيها، لمواجهة كلّ هذه التحدّيات، فبالوحدة الداخليَّة، نستطيع أن نمنع هذه المحاذير في الدّاخل.


تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها
أرسل تعليقاتك
شروط الإستخدام
شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.
كتاب معلم الشيعة الشيخ المفيد"
مسؤوليّتنا في غياب المهديّ والتّعاطي مع الزّمن
الدّين عقيدة وشريعة وأخلاق
زيارة عاشوراء في الميزان

تواصل معنا

يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر