اليوم: الخميس21 ذو الحجة 1440هـ الموافق: 22 اغسطس 2019

عيد الأضحى عيد الأسرة المسلمة

الأزمنة الخاصّة نعمة من النعم الإلهيّة على الإنسان؛ لأنَّها تلوِّن حركة الزمن الدّائرة بشكل مستمرّ، وتمنح الإنسان فرصة للتفكّر والتذكّر في غمرة النّسيان الذي يعيشه، عندما يستغرقُ في تفاصيل الحياة وشؤونها، بكلّ ما تثيره من عواطف ومشاعر وأحاسيس...

وظائف العيد

من هذه الأزمنة الأعياد التي شرع الله تعالى لعباده، وهذه الأعياد لها عدّة وظائف:

أوّلًا: الوظيفة الروحيَّة، حيث لم يجعل الله تعالى عيدًا إلا وجعل لهذا العيد أعمالًا وطقوسًا تقرّب إليه؛ لأنَّ الله تعالى هو سرُّ المعنى في هذا الوجود، فلا شيء يكتسبُ معناها الحقيقيّ إلا من خلال الارتباط به تعالى. ولذلك، لا ينبغي لنا أن ننظر إلى صلاة العيد على أنّها شيءٌ شكلي، ولا إلى الدعاء أو الذكر فيه على أنّها مجرّد ألفاظٍ لا تتجاوز أصواتها، وإنّما هي تأكيدٌ على أنّ هذا الزمن إنّما يكتسب روحه من خلال ملئه بذكر الله واسمه.

ثانيًا: الوظيفة الرمزيّة، حيث هناك معنى محوريّ مركزيّ في كلّ مناسبة.

وظيفتُنا في إحياء المناسبة هو إحياء هذا المعنى.

طبعًا، من الممكن أن يكون لدينا أكثر من معنًى، تبعًا لتعدّد الأوجه التي ننظر فيها إلى المناسبة ورمزيّتها.

عيد الأضحى من الفرص المميّزة للنظر إلى عدّة معانٍ:

الأوَّل: الإسلام الخالص لله سبحانه وتعالى، وهو ما تجسّد في إسلام إبراهيم لله، وكذلك في إسلام ولده إسماعيل.

الثَّاني: الإحساس بالفئات المحرومة من حولنا، وبهذا نختبر معنى الرّحمة في إنسانيّتنا، وهو ما أشار إليه الله تعالى في الأضحية التي يقدّمها الحاجّ وغيره: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}.

الثَّالث: الدّلالة الاجتماعيَّة، حيث يجتمع المؤمنون، سواء في الصَّلاة، أو في المشاركة في فرح العيد، أو في الحركة التي يجسِّدها الحجيج، ليكونوا صورة المجتمع الإيماني، الّذي يتشارك الرؤية والأهداف والمسار، وإن اختلفت الألوان واللّغات والقوميّات والمذاهب وغيرها.

الرابع: محوريّة القيم في الأسرة، حيث نجد في استجابة إسماعيل لأبيه دلالة على نوعيّة التربية التي تلقّاها إسماعيل من والديْه؛ أبيه النبيّ وأمّه هاجر، وهي التربية التي جعلته يقول لأبيه عندما قصّ عليه رؤياه - وتضمّنت تقديم ولده أضحية لله -: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}، حيث نلمح في كلّ كلمة من هذه الآية دلالة على هذه التّربية، من ندائه لأبيه وارتباطه العاطفيّ به، إلى تأكيد الانقياد إلى ما أمر به أبوه كونه أمرًا يعنيه، إلى توفير الظروف المناسبة لتحقيق ذلك.

الغرب شوَّه مفهوم الأسرة

وهذا ما نحتاج إلى تأكيده في زماننا الّذي نعيش فيه تقلّبات كثيرة تطاول الأسرة، وذلك بسبب الفلسفات الأخرى التي اكتسبت موقعًا لها، بسبب ارتباطها بالتطوّر التقني الذي تحرّك في الغرب في القرون الماضية.

هذه المزاوجة جعلت الكثيرين يرون التطوّر كلّه في الغرب، حتى في رؤاه وفلسفاته التي يرتكز عليها في إدارة شؤون حياته، يرونه حقًا ومما يجب أن يُتبّع.

السائد في الغرب اليوم يشوِّه الأسرة في مفهومها، ويشوّهها في وظيفتها ودورها، والذي يقوم أوّلًا على استمرار منظومة القيم الإنسانيّة.. الغرب اليوم يعمل على إلغاء شيء اسمه شذوذ في العلاقة الجنسيّة، وقد أصبح يسميها "مثليّة"، وأصبح تعريف الأسرة لا يقوم على زواج ذكر وأنثى ينجبان، بل يمكن أن تقوم الأسرة لديه على ذكرين أو أنثيين أو مجموعة من النّاس، يتبنّيان أولادًا أنجبهما ذكر وأنثى...

لا أقول بأنّ الغرب كلّه كذلك اليوم، ولكنّ هنا بونًا شاسعًا بين الدّراسات والأبحاث التي تركّز على أهمية الأسرة ودورها، وبين ما تتبنّاه الدول أو تخضع له من قبل جماعات الضّغط.

كيف نحافظ على الأسرة؟!

ما نقوله اليوم: إنَّ الأسرة هي أهمّ الخلايا التي يعيش بها أيّ مجتمع، وهي الأساس في بناء مجتمعاتنا، ولكن المحافظة عليها لا تتمّ بالشعارات، ولا بالأمنيات، بقاء الأسر واستمرار دورها في تمتين الهوية التي ينشأ عليها أبناؤها، يتحدّد بمقدار ما تتمّ تقوية الجانب العاطفي في علاقات أفراد الأسرة مع بعضهم البعض. هذا الجانب العاطفي هو المسؤول عن الإشباع العاطفي في بناء شخصيّة أبنائنا، حتى لا يكونوا عرضةً لأيّ تقلّب في الأمزجة والمشاعر نتيجة المثيرات المتنوّعة التي تتحرّك في المجتمع عنوانًا لمشكلة في الهوية أو فقدانًا للثبات في إدارة العلاقة مع الشّريك أو في الدراسة أو في العمل، وحتى في الدّين..

صورة الأب كيف يقدّمها الآباء لأبنائهم؟ صورة الأم كيف تقدّمها الأمّهات اليوم لأبنائهنّ؟ صورة الإخوة، والأعمام والأخوال.. الأسرة الصّغيرة والكبيرة.. كيف تدار العلاقات الرحمية فيما بينها؟

الفرد اليوم أصبح يؤمن بلذّته الشخصية... ولذلك، لم يعد أحدنا مستعدًّا أن يضحّي بأمور تافهة، فضلًا عن أمور جوهريّة، في حل مشكلة ما أو في دفع خطرٍ ما، من أجل أن تتوازن الحياة من حوله.

كيف ندير خلافاتنا؛ هل بالعنف أم بالرّفق؟ كيف تُدار العلاقات بعد الطلاق؟ وما هو تأثير الانفصال على نفسية كلّ من الرّجل والمرأة عندما يريدان أن يستمرا بالحياة ليقيم كلّ منهما علاقة جديدة؟

كلّ شيء هو في توازن الأبعاد الثّلاثة في داخل نفوسنا: الفكر والرّوح والأخلاق (السلوك)، هذه الأمور يجب أن تكون حاضرة في الأسرة، وحاضرة في المجتمع، وحاضرة في كلّ مجال من المجالات التي تؤثّر في نموّ الفرد وفي تقوية نموذج الجماعة.

هذه بعض الأفكار التي يجب أن نعيشها في العيد، وتحديدًا في عيد الأضحى، الذي يمكن أن يكون أيضًا عيدًا للأسرة المسلمة.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}.

الأمّة الموحَّدة

الأمَّة الإسلاميّة التي تلبس ثياب إحرامها وتفيض من مزدلفة في اتجاه المشاعر في منى، أرادها الله تعالى أن تكون على صورة واحدة، لا في الشّكل فحسب، وإنّما في المضمون الذي تحمله: الإسلام الذي تضحّي بكلّ ما يخالفه عندما ترجم الشّياطين، أو عندما تقدّم الأضحية، أو عندما تحلق رأسها أو تقصّره.

العزّة التي تكتسبها الأمّة من إسلامها هي عزّة ثابتة، فلا المال يعزّها، ولا الجاه والسلطة تعزّها، ولا التحالفات التي تقوم على أساس المنافع الآنية، وطبعًا لا يمكن أن تكسب عزتها من خلال الارتماء في أحضان الشياطين الكبار والصّغار، ممن استكبروا فكانوا شياطين الإنسان والسياسة ممن أفسدوا عباد الله وبلاده!

الروح الإيمانيّة يجب أن تكون أساسًا لوحدة المسار والمصير، فلا يُعقل أن يحجّ النّاس وتبقى الدول الإسلامية تحارب بعضها بعضًا، ويُعين بعضُها الكافرين على المؤمنين، كما لا ينسجم مع معنى الإيمان أن يصبح الصهاينة الغزاة والمجرمون والمحتلّون أقربَ إلينا ممّن أسلم لله واتّبع محمّدًا بن عبد الله، وحمل القرآن كتابًا وجعل الكعبة قبلة.. ليدخلوا في حلفٍ هنا وهناك..

لا ينسجم طوافنا في محاور الظالمين مع طوافنا حول البيت الذي وضعت أساساته على قاعدة التّوحيد!

ولا يحقّ لنا أن نبتغي كمسلمين من الحجّ "منافع لنا" – كما أشار الله لنا - ثمّ نمنح كلّ مقدّراتنا للدول المستكبرة، كرْمَى لاقتصاديّاتها، حتّى لو أودت بكلّ حاضرنا ومستقبلنا.

ولا يصحّ لنا أن نسعى بين خطة استكبارية هنا وخطّة مفسدة هناك، لنهلك الحرث والنّسل، ونفسد في الأرض وندمّر الحاضر والمستقبل في بلاد المسلمين، ثمّ ندعو الله أن يتقبّل منّا سعينا بين الصفا والمروة. فتلك كلّها حجارة تعبّدنا الله بالحركة حولها لأجل أن نعيش معنى العبودية له، فإذا عشنا العبوديّة لله، خلعنا من أنفسنا ربق العبوديّة لكلّ ما سواه، من سياسات الاستكبار، وخطط الاستعمار، ومشاريع الاحتلال، وخطوط التخلّف الحضاريّ المفروض على أمّتنا.

ليس من معنى الإسلام أن تأخذ الواحد منّا العزّة بالإثم عندما يُدعى إلى تقوى الله في دماء المسلمين وأعراضهم، ونحن نقرأ في قول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ}.

لا ينظر الله إلى مسمّياتنا، ولا إلى ألقابنا، ولا إلى لباسنا، ولا حتى إلى صلاتنا وصومنا وطوافنا وسعينا وهدينا، إذا لم يكن لدينا ورعٌ يحجزنا عن معاصي الله، وعن السّماح بارتكاب الآثام في مجتمعاتنا، وعن قلب مفاهيم الإسلام إلى مفاهيم مستوردة من رؤى الكفر وفلسفاته، ولا يعبأ الله بمن أمّ بيته إذا كان يركن في سياسته واقتصاده وأمنه إلى الظالمين؛ لأنّ الله إنما يتقبل من المتّقين.

دعوة في العيد!

ولذلك، ندعو في يوم العيد كلّ الدول الإسلامية التي تجتمع اليوم في الأرض التي احتضنت تاريخ الإسلام، إلى العودة إلى قرآننا الواحد، في كلّ أوامره بالوحدة، وأن لا يمزِّق بعضُنا بعضًا بالفرقة والبغضاء، وأن لا نركن إلى الظّالمين، وأن لا نأخذ بمناهج المترفين، وأن لا نسير سير المفسدين، بل أن يتواضعُ كلٌّ منّا للحقّ، ويحتكم إلى العدل، ويتحرَّك في سبُل الخير، فذلك هو ما يفرضه التّوحيد الحقيقي؛ لأنّ التّوحيد ليس أن تلبّي وتقول "لبيّك لا شريك لك" باللّسان فحسب، وإنّما ينطلق ذلك من الإيمان بالقلب، لتخلع من نفسك الهيبة عن كلّ الذين يتألّهون ويريدون أن يفرضوا العبوديّة على شعوبنا ومجتمعاتنا، لتكون ألعوبة لسياساتهم، ووقودًا لحضاراتهم، ومالًا يحرّك مصانعهم، وشبابًا يقتلون أنفسهم لتحقيق أحلام السيطرة لديهم على مواقع الأرض، ومقدّرات الشّعوب والأمم.

إنّ الحجّ فرصةٌ لنا لننتقل إلى معنى الإسلام الإبراهيمي، الذي ذبح كلّ ذاتيّاته لأجل الله، وأعطى كلّ ما يملك لنيل رضاه، وكسّر كلّ أصنام الأرض لإعلاه راية التّوحيد، ولننشر السّلام في جنبات بلاد المسلمين، فقد آن الأوان لصحوة العقل والتعقّل، والخروج من المكابرات التي لم نجنِ منها سوى الويلات، والمزيد من الدّماء المحترمة، وهتك الحرمات.

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة فضل الله في يوم الغدير: نحياه بالوحدة ورفض الفتنة زيادة عدد الصّهاينة الذين يتعلمون اللّغة العربيّة! الإسلام يزداد انتشاراً بين النساء في كوبا الحقد.. والحسد! يوم الغدير: يوم تثبيت الإيمان بخطِّ أهل البيت (ع) منبر الجمعة: 16 آب 2019م دراسة تحثّ على منع الهواتف وتشجيع الرياضة عيد الأضحى عيد الأسرة المسلمة نخاف على مصير البلد ما لم يبدأ السعي الفعلي للحلّ سُبُل الاستقامة ومعالمها
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر