اليوم: الاثنين13 شعبان 1441هـ الموافق: 6 ابريل 2020

كورونا بلاء أم غضب من الله؟!

استشارة..

ما يصيبنا كبشر من وباءات، كما اليوم مع انتشار فيروس كورونا،هل هو بلاء واختبار من الله لنا، أم تعبير عن غضبه من جماعة أو قوم على أعمالهم؟

وجواب..

في موضوع الابتلاء، ينطلق الناس من نظرة ساذجة تجعلهم يفهمون أنهم ضحايا ما يعتقدون أنّه مصائب تحلّ بهم، وأنه تعالى يتقصدّهم بها. وأسوأ ما في اعتقاد النّاس، أنه تعالى يوقعهم في هذه الشّدائد والمحن، في حين أنَّ كثيراً مما نعدّه شراً، هو في واقعه ينسجم في أصل وجوده وفي زمان حدوثه مع طبيعة الكائنات والموجودات المحيطة بالإنسان، ومع نوع حركة الإنسان وحركة هذه الكائنات والموجودات، فإنّ الحجر من طبيعته أن يتخلخل من مكانه فيسقط، وهو بذلك يمارس كينونته، فإذا صادف وجود إنسان تحته، لا يكون الحجر مسؤولاً ولا يكون الانسان مسؤولاً. وإذاً لا بدّ أن يحدث الأذى على الإنسان بوقوع الحجر عليه، وإلا لا يكون إنساناً. وتأثير الحجر في الانسان جزء من كينونته، وإلا لا يكون حجراً. وهكذا كلّ شيء، إن أردنا أن لا يكون بلاء في الدّنيا، فذلك يعني بمعنى آخر، أننا لا نريد أن نكون في الدّنيا، وأننا لا نريد الدنيا كما هي، نريدها شيئاً آخر غيرها، أو أننا لا نريد الإنسان كما هو، بل نريده شيئاً آخر غيره.

الزلزال الذي يحدث، والغابة التي تحترق، والأفعى التي تنفث السمّ، والعدوّ الذي يداهم، والمرأة التي تلد وتتعسّر ولادتها أحياناً، والأمراض التي تصيبنا، كلّها تجلٍّ لطبائع الأشياء يصادف تأثر الإنسان بها حين لا يمكنه توقّيها، أو حين يقصّر في توقّيها.

على العموم، إنّ الله تعالى ليس مسؤولاً عما يصيبنا، إلا من حيث إنه خلق الأشياء على هذا النحو، وقد قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ}، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}.

وبذلك، فإنّ كثيراً من الأذى الذي يصيبنا، في الوقت الذي هو حالة طبيعيّة، هو في جانبه الإيجابي يستنفر الإنسان للتعرّف إلى ما حوله، وليبتدع الوسائل في تجنّب ما يؤذيه، بعد أن زوّده تعالى بالعقل الذي يقدر به على اكتساب المعارف والعلوم.

"كورونا"، كما غيره من الفيروسات أو الميكروبات الموجودة في الطبيعة، لها وظيفة خاصّة، وقد يكون نافعاً حين نتعرّف إلى كل خصائصه، وقد يكون له عالمه الخاصّ الذي ما كان ليقترب منا لولا حدوث خلل معيّن في العلاقة الصحيحة التي يفترض أن تكون بيننا وبين محيطنا. هذا في جانبه الإيجابي سيستنفر العلماء أن يتعرّفوا إليه أكثر، ويحاولوا توقّي أخطاره واكتشاف ما فيه من إيجابيّة مستقبلاً.

أمّا أن يكون بلاءٌ ما كهذا البلاء هو تسبّب مباشر من الله تعالى بقصد معاقبة المصابين بهـ فذلك أمر في حدّ ذاته ممكن، إذ قد ورد في القرآن الكريم تصريح بأنّ الله تعالى كان قد عاقب أمماً على ذنوب اقترفوها، لكنّنا ما كنا لنعرف ذلك لولا إخباره تعالى لنا أنه تقصّدهم بالعذاب، كما فعل مع قوم لوط وهود وصالح ونوح وغيرهم.

لكنّنا على الرّغم من ذلك، لا يمكننا اعتبار كلّ بلاء عقاباً من الله، بل العكس هو الصحيح، لأنّ أكثر من آية قرآنيّة قد صرَّحت بأنه تعالى في الأصل يؤجِّل العقاب إلى الآخرة، وخصوصاً أننا نجد أنّ كثيراً من البلايا تحدث بأسبابها الطبيعيّة، كما قدّمنا في بداية الكلام، وقوله تعالى في هذا الصّدد واضح: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا}.

وبذلك، ينبغي لنا أن نعيد النظر في فهمنا الخاطئ للابتلاءات، وأن نجعلها في موقعها الصّحيح الذي يعني أنّ الله تعالى تعالى من خلال ما يعرض علينا من ألوان الأذى، بل وأيضاً ما يعرض علينا من نِعم، وما يصيبنا من خير، جميعه سيكون اختباراً لنوع تصرّف الإنسان المؤمن تجاهه، بحيث يتصرّف في الخير والشرّ بطريقة لا تخرجه عما شرَّع الله له، بل يبقى في خطّ الاستقامة والإرادة الإلهيّة، بما يتجلّى عنده من وعيٍ لموقعه في الحياة وطبيعة دوره فيها، وهذا ما يظهر من قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.

***

مرسل الاستشارة:.................

نوعها: اجتماعيَّة.

*المجيب عنها: سماحة الشّيخ محسن عطوي، باحث إسلاميّ، وعضو المكتب الشَّرعي في مؤسّسة العلامة المرجع السيِّد محمد حسين فضل الله (رض).

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة فضل الله: نقدّر للحكومة نجاح الخطوة الأولى في إعادة المغتربين حسن الظّنّ بالله فضل الله: لدعم القطاع الطبي الذي يواجه خطر الفيروس العقوبة والعدل اللإلهي ظلم إنسانيّ أم إرادة ربّانيّة؟! مؤسّسة السيّد فضل الله وزّعت 200 حصة غذائيّة في منطقة صور تداعيات التّسويف على حياة الإنسان فضل الله: لتضافر الجهود ومساعدة الفقراء لحمايتهم الاستغفار.. باب التّوبة والعودة إلى الله
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر