اليوم: الأحد13 شوال 1440هـ الموافق: 16 يونيو 2019

وداعا يا أبا علي - غريبي مراد عبد الملك

وداعا يا أبا علي

كم هو جميل ومهمّ الحديث عن الإنسان، وكم هو أجمل وأهمّ حديث الإنسان العالم عن الإنسان، وإن شئت فقل: الحديث عن "الإنسان الكبير"، العالم المجاهد، كما دأبنا على تسميته، آية الله العظمى، السيّد محمد حسين فضل الله(رض)...

لا أدري ماذا أكتب أو أقول عن إنسانٍ كرّس حياته كلّها لأجل حياة هذه الأمّة ونباهة إنسانها، حياة الفكر والعقل والوعي، حياة الموقف الرّساليّ والوقفة المسؤولة والحركة المنظّمة الهادفة. لا تسأل النّاس، من المسلمين وغيرهم، في عالمينا العربيّ والإسلاميّ والمعمورة ككلّ، هل يعرفونه؛ إنّه الإنسان المسلم الّذي أطلّ بإنسانيّته الإسلاميّة على الأرض كلّها، وكان يعانق السّماء بالابتهال والدّعاء، كما أشار في العديد من أشعاره الفريدة والمفعمة بعبق السّماء وانفتاح الرّوح على الله، يكفي أن تتمعّن في اسمه الذي انطلق من رحاب النبيّ الأكرم(ص) وارتبط بالإمام الشّهيد الحسين(ع)، فتجلّى في دنيا النّاس فضلاً من الله، نهل من علمه وأخلاقه من نهل، وزهد من زهد...

العلامة السيّد محمد حسين فضل الله (رضوان الله عليه)، الحديث عنه تعب مستتعب، لأنّ هذا الرّجل العالم لم تكن معرفتي به بسيطة أو مرتّبة، ولكن كانت عابرةً في مرحلة حسّاسة من حياتي، حيث ارتبطت منذ نعومة أظفاري بشخصيّة الإمام عليّ(ع)، وحبي العظيم له. عرّفني بالعديد من العلماء العظام ممن عشقوا عليّاً ونهجه، ممن افتقدتهم منذ سنواتٍ قليلةٍ، وكان من بينهم الفقيد العلامة، السيد محمد حسين فضل الله (رضوان الله عليه)...

كانت البداية مع كتابه "الحوار في القرآن"، الّذي طبع في الجزائر في الثّمانينات. في رحاب هذا الكتاب، اكتشفت شخصيّة مؤلّفه التي بهرتني بخطاب إسلاميّ مميز، وتدبّر رائع لآي القرآن، هذا العالم العامل المنفتح على الله وعياله، نقش بكتابه هذا في وجداني شعار: الحقيقة بنت الحوار، فكانت البداية بالحوار، وبقي الحوار يعقلن الثّورة بعيداً عن التخلّف، واستمرّ المشوار؛ نعانق كتب السيد فضل الله (رضوان الله عليه)، ونزوره لنسأله اليوم بدمعةٍ حارّةٍ: هل نعمل أم نتوقّف بعدك؟ صحيح أنّك تركت لنا الجواب في كتابك "قضايانا على ضوء الإسلام"(المهمّة الرّساليّة، ص10)، لكنّ رحيلك صدم الأمّة كلّها، كما صدمها إخوانك من قبل برحيلهم، وكما صدم النبيّ(ص) المسلمين برحيله، وكما صدم أئمّة الهدى(ع) شيعتهم، هكذا العلماء عندما يرحلون عن دنيا الّناس، يتركون شرخاً عظيماً لا يملؤه إلا من جاءه  فضلٌ من الله وخيرٌ كثير...

ماذا بعد رحيل العلامة؟ إنّها المهمّة الرّساليّة التي رسم معالمها بحسب اجتهاداته ورؤيته للواقع والتّاريخ والمستقبل، والتي تؤكّد حقيقتين لا بدّ من التزامهما كما عرّفهما السيّد رضوان الله عليه: النّفاذ إلى العمق، وصنع الحاضر...

ماذا عسانا نقول: إنّنا، نحن المسلمين، عليك لمحزونون، وما نعبّر إلا كما علّمنا ربّنا عزّ وجلّ، ونبيّنا(ص): {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}. وداعاً أيّها الحنون ...وداعاً أيّها الزّكيّ النّقيّ... وداعاً أيّها الصّابر الطّاهر...وداعاً وداعاً حبيبي العالم المجاهد، ولا جعله الله آخر العهد منّا إليك، يا من علّمتنا أنّ الإسلام منهج حياة الإنسان السويّ، وتشريع دولة الإنسان المسؤول... وداعاً، وستبقى الأجيال تذكرك أيّها العالم الربّاني، لأنّ: "العلماء باقون ما بقي الدّهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة"...

 رحلت وتركت جيلاً من القاهرين للاستكبار الصهيوني والأمريكي، وأوصيت كلّ المسلمين بتحقيق الوحدة قبل أن تتهاوى الأسوار، لن ننسى قولتك: "علينا أن نجرّب ونحن ندعو، ونجرّب ونحن نعمل، ونجرب ونحن نفكّر، ونجرب ونحن نضع الخطط وننفّذ المشاريع، ونجرب حتى لا يبقى هناك مجال للتّجربة...حتى يكون العمر كلّه تجربةً في سبيل الله وفي سبيل دينه وشريعته...".

نم هنيئاً سيد الفكر الإسلاميّ المعاصر، وإمام المقاومة الإسلاميّة العادلة، ومعلّم الانفتاح على الله بالزّهد والعمل ... أسأل الله تعالى لك رفيع الدّرجات، وعالي المقام في جنّات الخلد بجوار جدّك رسول الله(ص) وآبائك الأطهار(ع). وداعاً أبا علي... وستبقى فضل الله... والله من وراء القصد.

المهندس غريبي مراد عبد الملك/ باحث وكاتب إسلامي جزائري

 التاريخ: 24 رجب 1431  ه الموافق: 06/07/2010 م

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى اليونان: افتتاح أوّل مسجد في أثينا مطلع أيلول القادم لا يعي الصّلاة.. هل تسقط عنه؟ منبر الجمعة: 4 شوال 1440هـ/ 7 حزيران 2019م حتَّى لا نخسر صالح أعمالنا فضل الله في خطبة العيد: على القوى السياسيّة تصويب الموازنة لمصلحة الفقراء
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر