اليوم: الأحد13 شوال 1440هـ الموافق: 16 يونيو 2019

سيّدٌ، ينصب متراساً للحوار على خطوط التماس - جوزيف الهاشم

سيّدٌ، ينصب متراساً للحوار على خطوط التّماس

جوزف الهاشم

السيّد محمد حسين فضل الله سيّدٌ.. وكفى.

سيّد، وكفى... وسامعك لا يحتاج إلى السّؤال.

ماذا تقول فيه لتستوفيه؟

هل تلجأ إلى القاموس منقّباً عن الألفاظ الوصفيّة البالغة التميّز لتصف العلامة الأكبر، وهي على وفرتها والغنى، تهزل أمام الإحاطة بكلّ كوامن شخصيّته الكونيّة؟

أم ترمق الكلمة الموقف في أبعادها الفكريّة والفقهيّة والسّياسيّة، وقد طابت على حدّي قلمه ولسانه.. عالماً مرجعيّاً، مشرّعاً شرعيّاً، مفكّراً موسوعيّاً، مجتهداً فقيهاً، مقاوماً وطنياً، أديباً وشاعراً عميق الغور، وداعية توحّد وحوار انفتاحيّ، ومحاوراً سياسيّاً يخضعك لتحليلٍ عقليّ يلازم بين المعرفة والفضيلة؟

كلّ واحدةٍ من الخصائص النّادرات مدرسة هي، ودائرة معارف.

حسبي أنّ ألتقط بعضاً من ملامح الجانب الحواريّ عنده، على أنّها ضرورة إنسانيّة ملحّة في زمن مدنّس بالغرائز العصبيّة الجامحة، لعلّها تنفع المؤمنين.

برز استثنائيّاً خلال الحرب على لبنان. والحرب من أهدافها قمع أهل الفكر، وإخماد النّور بالنّار، فإن هي أفلحت في طمس جوهر العقل ونبرة اللّسان، إلا أنّها أخفقت دون حرم السيّد.

وحده السيّد محمد حسين فضل الله تحدّى عدّة الحرب بعدّة الفكر، وانتصر بالفكر والحرب. ومثلما كان رائداً في تحرير العقل من الهلع، كان راعياً لتحرير الأرض من العدوان.

الحرب، والثَّورة، والعنف، والضَّغط القسريّ على حركة الذَّات، تفتّق المواهب الكامنة فيها، لتدخل حلبة الصّراع بين ما هو حقّ وما هو باطل، وبين الحريّة والقهر، وبين العدل والظّلم، وبين الاحتلال والمقاومة.

طوالع الثّورة الفرنسيّة، بما استشرى خلالها من اضطهاداتٍ ومظالم وفوارق إنسانيّة، شحذت مواهب المفكّرين، فحوّلتهم إلى فلاسفة.

ولم يكن الفضل للمقصلة ودحرجة الرّؤوس في تحقيق شعار الحرّية والعدالة والمساواة، بقدر ما كان لعصر التّنوير والثّورة الفلسفيّة التي قادها أرباب الكلمة.

إنّه القلم الّذي دكّ تعسّف العروش، وقوّض أعمدة الباستيل.

عندنا... ولبنان منبت الفكر، ومهبط النّبوغ، افتقدنا في حربنا على حربهم مفكّراً واحداً، وشاعراً واحداً، وأديباً واحداً، وثائراً واحداً، يحمل قلم الرّصاص في مواجهة بنادق الرّصاص.

فإذا معاناة الحرب تنطلق من بواطننا إلى زنودنا، ولم تفجّر ما تكتنـزه النّفوس من طاقاتٍ حيّةٍ متمرّدة، بقدر ما فجّرت فينا كلّ الإفرازات البغيضة الصّاخبة، وكلّ النّـزوات الهمجيّة في الإنسان.

فضل السيّد محمد حسين فضل الله، أنّه نصب متراساً حواريّاً على خطوط التّماس، وأبى إلا أن يقف عليه منتصباً في وجه القنص، ولم يتحصّن بأكياس الرّمل.

تسمع نبرته فتنجذب إليها بكليّتك، تفطن إلى فكرته، فتسقط لديك الحجّة المضادّة، وتحدّق إليه، فإذا العمامة تسكب هالةً من الوقار الرّوحيّ. وتقاطعات الوجه تنشر الهيبة كيفما التفتّ، ومع حركة اللّسان، ينساب الكلام درراً.

على منبره، رفع الخطاب السياسيّ من خندق المعابر والسّواتر، إلى رحاب العقل الأوسع، وانتشل الكلمة من سوق النّخاسة وشارع الاستهلاك، إلى مستوى الرّسالة والتّشريع، مستوحياً من الآيات الكريمة والأحاديث الشّريفة ما يسمو بأسلوب التّخاطب والحوار إلى جوهر الإنسان، الّذي يحمل في حياته رسالة الدّولة إلى الله.

"الحوار في القرآن"، من أبرز مؤلّفاته الكثيفة والخصبة، ومنه انطلق إلى الحوار الإسلامي ـ المسيحي، "لأنّ الإنسان حين يشعر بأنّه مجتمعيّ، فلا بدّ من أن يتكامل مع الآخر"...

وما دام القرآن، كتاب الله وهدى المتّقين، يركّز في غير آيةٍ على الحوار بين الإنسان وصاحبه، وبين الله والإنسان.

وما دامت المسيحيّة رائدة الحوار في أقصى إيجابيّاته، حتى التّسليم بالخدّ الأيسر بعد الخدّ الأيمن، فإنّ الدّعوة إلى الحوار إذّاك هي دعوة سماويّة تحدّد النّظام الشّرعيّ والمشروع لعلاقة الإنسان بالإنسان، وقد استوحتها النّظم السياسيّة والشّرائع القانونيّة للمجتمعات في مجال تطويرها من حركة الصّراع العنفي إلى حركة الصّراع الدّيمقراطي.

ولا يكابر علم السّياسة في استيحاء شرائع الرّسالات نظاماً إنسانيّاً فوق استخلاص ما أجمع عليه العلماء من مبادئ عامّة للسّلوك البشريّ، ليتوقّف حصراً عند الصّراع الفكريّ في حلّ النـزّاعات المجتمعيّة.

ففي حين كانت طريق السّياسة مخضّبةً بالدّم، والتّسابق على مواقع السّلطة والنّفوذ تحسمه المعارك العسكريّة، حلّت المعارك الانتخابيّة بديلاً، وحلّ الحوار أسلوباً للتّخاطب محلّ التّذابح والتّضارب.

منطق الحوار إذاً هو موقف حتميّ جازم ضدّ العنف والدّم.

إنّه التّعبير الإلهيّ الّذي تجسّده الشّرائع السّماويّة وسيرة الأنبياء.

وهو التّعبير المجتمعيّ الّذي تجسّده الأنظمة الزّمنيّة والقوانين.

وهو التّعبير الّذي يؤكِّده السيِّد محمّد حسين فضل الله في مقدّم كتابه "الحوار في القرآن"، فيقول: "لا تزال الحياة تحتضن الحوار، وترزح في الوقت نفسه تحت ثقل الأساليب العنيفة الّتي تريد أن تخنق الحوار بالقوّة المادّيّة الغاشمة، ويقف الحوار أمام القوّة، ليعلم أنّ القوّة لا تستطيع أن تبني الحياة التي تصنعها إلا من خلال الحوار، لأنّ القوّة التي تفقد ذلك، سوف تدمّر نفسها في نهاية المطاف...".

من "الحوار في القرآن"، أطلق السيّد دعوةً إلى الحوار المثلّث.

إلى الحوار في المطلق،

وإلى الحوار ما بين المسلمين،

وإلى الحوار تحديداً ما بين المسلمين والمسيحيّين.

الدّعوة، حصراً، إلى حوارٍ مسيحيّ – إسلاميّ، هي صرخة مكبوتة في الأذهان تنتظر إطلاق عنانها.

المسيحيّون، كما المسلمون، فيما يحاولون دخول دائرة الضّوء الدّينيّ، يواجههم دعاة الطّائفيّة بشحناتٍ من التعصّب، فإذا الدّين وسيلة للتّصارع السياسيّ، وإذا الله مادّة صراع محموم، كلّ فريقٍ يحاول استقطابه إلى جهته ليحارب الله بالله.

الحوار الإسلاميّ ـ المسيحيّ، كما يراه السيّد، هو "تحرّك يهدف إلى إغناء الإنسانيّة، فيبرز على المستوى العالميّ القيم السّامية التي يلتقي عليها الدّينان، ويسهم في تثمير حركة الإنسان في تطلّعه إلى المستقبل".

حسبه أنّه يلتقي مع قداسة البابا في دعوته إلى الحوار المسيحي ـ الإسلامي، والمنفتحة على الأديان كلّها، بما بين الدّعوتين من قواسم مشتركة في المنطلقات والأهداف.

وحسبه أنّه يحدّد دعوته على أساس أنّ القرآن أطلق مسألة الحوار، ومارسها المسلمون مع المسيحيّين واليهود والملحدين.

أهميّة هذه الدّعوة الرّوحية المشتركة للحوار المسيحيّ ـ الإسلاميّ، أنّها تختصر المسافات من جديد بين الإنسان والقيم، وتفتح ذهنه على معنى إنسانيّته، وقيمة وجوده، وأهداف هذا الوجود، والغاية من جهاده الدّنيويّ، فتجعله أقرب إلى الله، ليكون إلى أخيه الإنسان أقرب، والإنسان على صورة الله.

فكيف يحقّق الإنسان إذاً سلاماً مع الله، ويخوض حرباً ضدّ الإنسان الآخر؟ وكيف يخاطب الله بالحوار ويخاطب الإنسان الآخر بالحراب؟

أهميّة هذا الحوار أنّه يطوّر الحركة الإنسانيّة عكسيّاً في ارتدادها الحضاريّ. والعالمان، المسيحيّ والإسلاميّ اليوم، يشهدان حال ارتدادٍ إلى التخلّف، وحال انحسار إلى جاهليّة الخَلْف، بما يعنيه هذا الارتداد من شهوات العنف والتطرّف والبغضاء.

أمّا عن الحوار المسيحيّ ـ الإسلاميّ في لبنان، فهو يرفع "القضيّة الوطنيّة إلى أعلى مستوى"، ويحول دون تحرّك لبنان بشخصيّتين تعمّق السياسة الهوّة بينهما.

ويستغرب السيّد عن حقّ، كيف تحلّل السياسة لنفسها "منع الحوار في لبنان، حين أنّ الفرق بين الإسلام والمسيحيّة لا يزيد عن الفرق بين المسلمين أنفسهم أو بين المسيحيّين أنفسهم...".

ونستغرب معه أكثر، مؤكّدين أنّ الالتقاء أحياناً بين المسيحيّين والمسلمين على غير مسألة وأمر، قد يكون أسهل من الالتقاء في ما بين المسيحيّين أنفسهم أو المسلمين أنفسهم.

إذا استطعنا أن نحقّق مجتمع الحوار الّذي ينفتح فيه الإسلام والمسيحيّة على كلّ الأفكار المضادّة، كما يقترحه السيد..

"وإذا استطاع المسلمون في لبنان أن يكونوا مسلمين من خلال ما هو معنى الإسلام وعمقه، وإذا استطاع المسيحيّون أن يكونوا مسيحيّين في ما هو معنى المسيحيّة وعمقها، فإنهم يعطون السياسة معنى في الرّوح، وعمقاً في الإنسانيّة..."،  وينتقلون حتماً من مجتمع السّلاح... إلى مجتمع السّلام، ومن المجتمعات المتنافرة إلى المجتمع الموحّد... ومن لبنان المنقسم إلى لبنان الملتحم... ومن التعصّب إلى الدّين..

بل، إلى حبّ الوطن الّذي هو من الإيمان.

أيُّها السيِّد، هذا بعض عطرٍ من ربيعك الأفيح، ولي معك لقاءاتٌ طويلةٌ بعد، كما كان لي من قبل، محتفظاً منك بذخر مقدّمتك لكتابي "علويّات" أنقله إرثاً للخلف.

ويا أيّها السيّد، أنت ممن تندر الأمم في إنجاب أمثالهم، فإن افتقدتك الأمّة وخسرك لبنان، إلا أنّك تبقى الملهم الأحجى، والمرشد الأكبر لكلّ زمنٍ وجيل.

*وزير سابق   

جريدة النّهار اللّبنانيّة

 التاريخ: 24 رجب 1431  ه الموافق: 06/07/2010 م

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى اليونان: افتتاح أوّل مسجد في أثينا مطلع أيلول القادم لا يعي الصّلاة.. هل تسقط عنه؟ منبر الجمعة: 4 شوال 1440هـ/ 7 حزيران 2019م حتَّى لا نخسر صالح أعمالنا فضل الله في خطبة العيد: على القوى السياسيّة تصويب الموازنة لمصلحة الفقراء
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر