اليوم: الأحد13 شوال 1440هـ الموافق: 16 يونيو 2019

المجدّد - كمال فضل الله

المجدّد

كمال فضل الله

خسر لبنان، بفقده العلامة المرجع السيّد محمّد حسين فضل الله، وجهاً دينيّاً واجتماعيّاً، وعاملاً مجدّاً في بناء صروح المعرفة والتّأهيل، ولم يكن بعيداً عن التّوجيه السياسيّ الإصلاحيّ، من منطلق الأخذ بما ينفع النّاس، وكان يرى أنّ العديد من السياسيّين في هذا البلد، وعلى السّاحتين العربيّة والدّوليّة، يؤدّون أدواراً بعيدةً من العدالة والمساواة والإصلاح والإنماء، وصولاً إلى شنّ الحروب لقهر دول وشعوب، والسّيطرة عليها ونهب ثرواتها، وفي مقدّم أولئك، سلطة الاحتلال الإسرائيليّ واغتصابها وطن شعبٍ، والتثبّت بأجزاء محتلّة من الأراضي العربيّة، ومحاربتها أيّ مسعى لتحقيق السّلام العادل والشّامل في الشّرق الأوسط، ونيل الفلسطينيّين حقوقهم الوطنية وإقامة دولتهم المستقلّة وعاصمتها القدس.

امتاز العلامة المرجع بأنّه داعية وحدةٍ إسلاميّةٍ ووطنيّة وتقريب بين المذاهب، ومحاربة كلّ ما يباعد، ومناصرة كلّ ما يقرّب، بالحوار العقلانيّ المسؤول. والّذي مكّنه من قول الكلمة الجريئة، بعده عن أن تحتويه هذه الجهة أو تلك، أو أن يكون لغير الله سلطة عليه، وهذا ما أدّى إلى اختلافٍ من حوله، ولكن يكون التّقدير والاحترام له بعد أن ينقشع ضباب المصالح والأهواء.

وقد أوتي العلامة المرجع، السيّد محمد حسين فضل الله، رجاحة العقل، وبُعد الرّؤية، ما مكّنه من أن يكون متعدِّد العطاءات الفكريَّة والاجتماعيَّة، وأن يمتلك الحراك النّاجح في العديد من الاتجاهات الّتي تعيشها السّاحتان الإسلاميَّة والعربيَّة، وأن يحتلَّ مساحةً كبرى لم تقتصر على وطنه لبنان فحسب، بل كان لها صدى حتّى في المحافل الدّوليّة، نظراً إلى تعدّد نشاطاته، وإسهامه العمليّ في الكثير من المنتديات والحركات النّاشطة، وفق نظرةٍ تتوخّى تحقيق ما تتطلّع إليه من أهدافٍ عمادها الإنسان الحرّ الكريم، بعيداً عن أيّ تسلّطٍ أو امتهان، ليعيش في وطن العدالة والمساواة، وحكم يبتعد عن الذاتيّة والمصالح الضيّقة، ليكون بمستوى ما أمرت به ونصّت عليه الرّسالات السّماويّة.

ولأنّه كذلك، أثير حوله الكثير من الغبار، من دون أن يحجبه ضبابٌ، فقد ظلّ بارزاً وذا مكانةٍ من التّقدير، حتى ممّن رأوا فيه خصماً لهم، أو طامساً لذكرهم، وجعلهم ثباته ووضوح فكره يعودون للالتفاف حوله، سواء عن اقتناعٍ كاملٍ، أو عن عدم قدرةٍ على إطفاء منارة تبعث أشعّتها إلى البعيد، فهو منذ سنيه المبكرة، بدت عليه سيماء النّبوغ في مجال دراسة الفقه والمنطق والفلسفة، ثم في تتبّع عطاءات من تركوا نتاجهم منهلاً للدّارسين والباحثين جيلاً بعد جيل، وصولاً إلى مناقشتهم والاتّفاق أو الخلاف معهم، ليس من قبل الجدل أو السّفسطة، بل من منطلق الحوار العقلانيّ.

لم يغضّ الطّرف عن أيّ رأيٍ، بل كان يخضعه للنّقاش ترسيخاً، أو الشّكّ فيه إن لم يكن الرّفض، وبهذا الأسلوب، أخذ بالحقائق العلميّة وبلوغها آفاق النّجوم والطّواف بين الكواكب، شارحاً ومفسّراً من منطلق ثوابت دينيّة راسخة، بعيدة من التزمّت والتقوقع، فالإسلام دين الحياة، وأبناؤه وحدة متراصّة.

ومن هنا، كانت فتاوى العلامة المرجع، السيِّد محمد حسين فضل الله، مثارَ جدلٍ أحياناً، ولا تلبث أن يتمَّ الأخذ بها، مع التَّقدير لمن أطلقها، لإضاءة العتمة، وإتاحة الأفق الأرحب للفكر الإيماني الأعمق استشرافاً للمستقبل، ومواكبة حركة التطوّر والإبداعات العلميّة، من دون المساس ولو بمقدار شعرةٍ بجوهر الرّسالة السّمحة، من ذلك على سبيل المثال، تحديد ولادة هلال شهر رمضان وأفوله، من خلال العلم، لأنّ الدّين الحنيف أرحب وأوسع وأشمل من أن يكون إلا كما أراده الله ورسوله.

ولأنّ المرجع فضل الله على هذا المستوى من رجاحة العقل وبُعد الرؤية، تعدّدت اهتماماته إلى حدّ الظّنّ أنّه لا ينام، فمن ندوة تدريسٍ برز منها علماء أجلاء كبار وصلوا إلى مستوى القيادة لمن حولهم، في مهمّاتٍ وطنيّةٍ واجتماعيّةٍ وتعليمٍ دينيّ، وإنشاء مؤسّسات لها دورها في المجتمع وخدمة الناشئة، إلى الانكباب على تأليف العشرات من الكتب، بادئاً حياته شاعراً، ولم يغفل في قراءاته في عهد الشّباب وبعده، ما تم تعريبه من شوامخ الكتب للكبار ممّن شكلوا قمماً عاليةً في الآداب العالميّة.

وبلوغه هذا المستوى من المعرفة، جعله صاحب دورٍ دينيّ واجتماعيّ مارسه منذ عودته من النّجف الأشرف في العام ستة وستين من القرن الماضي، بإلقاء المحاضرات، وإعطاء الدّروس الدّينيّة، والتّجوال في المناطق اللّبنانيّة، لوضع ما يتمتّع به من علمٍ ومعرفةٍ بين أيدي النّاس، غير متهيّب الردّ على أيّ سؤالٍ مهما كانت جرأة صاحبه أو رغبته في الإحراج. وتكون النتيجة، المزيد من الالتفاف حوله، ومضاعفة الثّقة به، والاحترام المميّز له، ما جعله الأنجح في عمل الخير، ومساعدة من قست عليهم الحياة باليتم أو بفقدان البصر أو السّمع أو الإعاقة، بتقديم ما يؤهّلهم لخوض غمار الحياة، بدل التّشرّد والتسوّل والضّياع.

وباتت مدارس المبرّات الخيريّة في العلوم المختلفة والتّأهيل، منتشرةً في معظم المناطق اللّبنانيّة من دون تمييز، ويعلم الكلّ أنّ وراء هذه العطاءات إرادةٌ غير عاديّة، دفعت الخيِّرين إلى أن يمدّوا أيديهم بعطاءات سخيّة.

وإذ يودّع لبنان العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله، فإنما يخسر عالماً جليلاً، ومفكّراً غزير الإنتاج، ووطنيّاً ناصحاً، ومرشداً هدفه الحقيقة وسعادة الإنسان والسّياسة الحكيمة الرّشيدة المستوحية ثوابت الرّسالات السماويّة، فلا عدوان ولا تسلّط، بل أمن واستقرار على أيٍّ من جوانب الحياة.

جريدة اللّواء اللّبنانيّة

 التاريخ: 24 رجب 1431  ه الموافق: 06/07/2010 م

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى اليونان: افتتاح أوّل مسجد في أثينا مطلع أيلول القادم لا يعي الصّلاة.. هل تسقط عنه؟ منبر الجمعة: 4 شوال 1440هـ/ 7 حزيران 2019م حتَّى لا نخسر صالح أعمالنا فضل الله في خطبة العيد: على القوى السياسيّة تصويب الموازنة لمصلحة الفقراء
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر