اليوم: الأحد13 شوال 1440هـ الموافق: 16 يونيو 2019

رحيل مرجعيَّة الصَّبر والشَّجاعة - السيد محمد التّاروتي

رحيل مرجعيَّة الصَّبر والشَّجاعة

السيد محمد التّاروتي

قلَّة هم المصلحون وقلَّة هم المجدِّدون مقارنةً بالتقليديِّين في الأرض، وخصوصاً حين يكون الفكر محاطاً بسياج الإيدولوجيا، مع ذلك، نرى ثمرات إصلاحهم على الأرض بارزةً ولو بعد حين.

بإيجازٍ شديد، لم يكن في تاريخ المرجعيَّة الدّينيَّة النَّصيب الكبير من التَّغيير على مرِّ عصورها، إلا في فترات مراحلها الانتقاليَّة، من بغداد متمثّلةً بالشّيخ المفيد، إلى النّجف بزعامة شيخ الطّائفة الطّوسي، إلى الحلّة بعد قرنٍ من الجمود الفقهيّ متمثّلة بالحليّين الثّلاثة: «ابن إدريس الحلّي، والمحقّق الحلّي، والعلامة الحلّي»، ثم إلى جبل عامل بظهور الشّهيد الأوّل والشّهيد الثّاني، وبعدها في فارس إبّان قيام الدّولة الصّفويّة، ببروز دور المحقّق الكركي فيها، ونموّ بذرة الفقه السياسيّ، ثم عوداً إلى النّجف الأشرف، معقل العلوم الدّينيّة. والمقصود بالتّغيير هو المرجعيّة كجهاز، والآراء الاجتهاديّة فقهاً وأصولاً، ولو أنّ الأخيرة تتغيّر في كلّ فترة انتقاليّة بشكلٍ أكثر، رغم اتّصافها عموماً بالجمود.

نستطيع القول إنَّ التَّجديد في الجهاز المرجعيّ، وطبيعة عمله في تاريخ المرجعيَّة المعاصر، بدأ على يد الشّيخ جعفر كاشف الغطاء، وقد حذا حذوه ابنه الشَّيخ موسى، وحفيده الشَّيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، ولهذه العائلة باع طويل في الإصلاح الدّينيّ والاجتماعيّ، وقد تعرَّضوا، وخصوصاً الأخير منهم، لحملاتٍ منظَّمةٍ بسبب مخالفتهم للسّائد في المجتمع الشّيعيّ المحافظ.

قد يكون هناك الكثير من المراجع الدّينيّين ممن يملكون رؤى عصريَّة وآراءً اجتهاديّة متجدّدة، ولكنّ أحدهم لا يصرّح بها محاباةً للعوام، وخوفاً من هجوم الأقلام وضياع المنصب الهامّ. للأسف، نحن نعيب على وعّاظ السّلاطين حين يكون المؤثّر الأوّل في الواعظ هو السّلطان، ونتناسى أنّ فقهاءنا يتأثّرون برأي العوام، وقلّة هم من لا يخافون ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ومنهم فقيدنا السيّد محمد حسين فضل الله رضوان الله تعالى عليه.

حين نقول إنّ الفقيد كان فقيه عصره، فنحن لا نبالغ في هذا أبداً، فقد أصبحت مرجعيّته جهازاً متكاملاً في خدمة الدّين والمجتمع والفكر والثّقافة، من خلال المبرّات الخيريّة والجمعيّات والمؤسّسات المختلفة، الثّقافيّة منها والإعلاميّة والاجتماعيّة من ناحية، ومن خلال مؤلّفاته وكتبه وأبحاثه العظيمة الّتي تغذّي كلّ متعطّش للمعرفة، بما تحتويه من معارف إسلاميّة نقيّة من الخرافة والغلوّ، بأسلوبٍ عصريّ متجدّد تجعل قارئها ينحني تبجيلاً لهذا المفكّر العظيم والشّجاع الّذي ذاع صيت مرجعيّته رغم تعرّضه لأعنف الحملات التّشويهيّة الغوغائيّة من كلّ حدبٍ وصوب، ورغم أثر هذه الحملات المشوّهة في كثيرٍ من المساكين والمقلّدين المخدّرين، إلا أنّ هذا لم يمنع من انتشار آرائه العصريّة، حتّى قلّدناه جميعاً في فكره، وقلّده كثيرون في فقهه، لا حبّاً في المال، ولا طمعاً في دوام الحال، بل سمواً في المبدأ، وشرفاً في المقصد.

كان يصرّح ويقول ويكتب ما يراه صحيحاً، دون خوفٍ من زوال المنصب الدّينيّ أو ضياع المنزلة الاجتماعيّة، ولم نسمع منه يوماً هجوماً على أحدٍ ممن خالفوه وهاجموه وأساؤوا إليه أبداً، رغم فظاعة الإساءة، بل كان جلّ همّه هو الوحدة الإسلاميّة، والوقوف ضدّ العدوّ الإسرائيليّ.

لم يكن ـ رحمه الله ـ ليصبر على كلّ هذا، لولا أن كانت زينب قدوةً له، ولم يكن يقوى على قول ما احتاج منه الشّجاعة، لولا أن كان عليّ بن أبي طالب إماماً له.

وداعاً يا رمز الفكر الإسلاميّ المعاصر.

 التاريخ: 24 رجب 1431  ه الموافق: 06/07/2010 م

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى اليونان: افتتاح أوّل مسجد في أثينا مطلع أيلول القادم لا يعي الصّلاة.. هل تسقط عنه؟ منبر الجمعة: 4 شوال 1440هـ/ 7 حزيران 2019م حتَّى لا نخسر صالح أعمالنا فضل الله في خطبة العيد: على القوى السياسيّة تصويب الموازنة لمصلحة الفقراء
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر