اليوم: الأحد13 شوال 1440هـ الموافق: 16 يونيو 2019

ذلك فضل الله!! - حميد رزق

ذلك فضل الله !!

حميد رزق

 عرف المرجع الدّينيّ الكبير، الرّاحل محمد حسين فضل الله، بمواقفه الإيجابيّة، واجتهاداته التقريبيّة بين مختلف التيّارات في العالمين العربيّ والإسلاميّ، ونجح من خلال موقعه الرّوحيّ في تأسيس خطابٍ إسلاميّ عقلانيّ يتلمّس سبل التّواصل، ويجتهد في رأب الصّدع. وكان (رحمه الله) دائم التّنقيب عن المساحات المشتركة، باحثاً عن فرص الانسجام بين أتباع المذاهب الدّينيّة في الوطن العربيّ خاصّةً، والعالم عموماً، وكان له حضوره الطّاغي والمميّز، ومكانته الرّفيعة في المشهد الفكريّ والدّينيّ إقليميّاً ودوليّاً، وتجاوزت مرجعيّته الحدود السياسيّة والجغرافيّة لتصل إلى أنحاء شاسعة تخطّت الأمّتين العربيّة والإسلاميّة، إلى أوساط الجاليات المسلمة في أفريقيا وأوربّا وأمريكا وغيرها.

تميّز بانفتاحه على الآخرين، وبعده عن الشّطط أو ادّعاء المثاليّة وتقديس الذّات أو الهويّة الخاصّة.. لقد طرح الإسلام كفكرٍ عامّ غير حزبيّ وغير طائفيّ وغير مذهبيّ، وسعى إلى أن يكون عامل جذبٍ متنوّع لكلّ من أراد التزام الإسلام بلا عقد وحواجز، ولكلّ من أراد التعرّف إلى الإسلام بدون تعقيدات المذاهب والطّوائف والأحزاب.

وكان يمتلك الجرأة الكافية لطرح نظريّاته الفقهيّة، ويعدّ من أكثر علماء الشّيعة انفتاحاً على التيّارات الأخرى، وتتميّز فتاواه وأفكاره بمناقشة المسلّمات، وخصوصاً في الفكر الشيعي.

  وقد تعرّض بسبب ذلك لكثيرٍ من حملات التّشويه من شركائه في مذهب التشيّع، وساهم في مثل تلك الحملات مراجع كبار في بعض الأحيان، ولكن لم يثنه ذلك عن سلوك أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، كما لم تتمكّن الخصومات من استدراجه إلى مربّع العصبيّات بمختلف أشكالها ومسمّياتها.

وقد مكّنته ذخيرته العلميّة والمعرفيّة العميقة، وعلاقاته السياسيّة والفكريّة الواسعة، من لعب أدوارٍ حسّاسةٍ انعكست إيجاباً على الأمن والاستقرار في السّاحة المحليّة اللّبنانيّة، وكذا الدّوليّة والإقليميّة.

أمّا "براغماتيّته" الّتي تميّز بها تجاه الآخرين، من مسلمين ومسيحيّين في شتّى أنحاء  العالم، فقد قابلها بحزمٍ وصرامةٍ ووضوحٍ تجاه المشروع الأمريكيّ الإسرائيليّ في المنطقة العربيّة، ولطالما حذّر ونبّه شعوب وحكّام المشرق العربيّ إلى خطورة السّياسيات الأمريكيّة على حاضر هذه المنطقة ومستقبلها، داعياً إلى الالتفاف حول خيار المقاومة ودعمها وتأييدها في فلسطين ولبنان والعراق، دون مواربةٍ أو تردّد، وبسبب تلك المواقف، تعرّض لأكثر من محاولة اغتيالٍ، أشهرها قيام الـ(سي.آي.إيه) في مطلع الثّمانينيات بوضع سيّارةٍ مفخّخةٍ بجوار منـزله في بئر العبد، ذهب ضحيّتها ما يزيد على المئة والخمسين بين قتيلٍ وجريح، معظمهم من الأطفال والنّساء والشّيوخ، وقد أدلى بهذه المعلومات "وليم كايسي"، رئيس جهاز الاستخبارات الأمريكيّة آنذاك، ونشرت في جريدة الواشنطن بوست.

سخّر الكثير من نشاطاته التّوعويّة وخطبه المنبريّة في كشف حقيقة ما يسمّى  عمليّة السلام، التي لم تتمكّن من الإفراج عن أسيرٍ عربيٍّ واحدٍ من سجون الاحتلال خلال عقدين من الزمن، كما عمل على فضح مخطّطات الامبرياليّة الجديدة، الّتي تعمل على الاستثمار في مجال الفتنة الطّائفيّة والتّحريض المذهبيّ بين شعوب المنطقة ومذاهبها وأديانها وقوميّاتها المتعدّدة، كما يحدث في العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها .

إنّ صوت الاعتدال الّذي مثّله الرّاحل محمد حسين فضل الله، جعله يضطلع بأدوارٍ مشهودةٍ على صعيد تقريب وجهات النّظر بين إيران والدّول العربيّة، وذلك لأنّه كان يحظى بقبولٍ في بعض العواصم العربيّة، فضلاً عن مكانته لدى القيادات الرّوحيّة والدّينيّة في العالم أجمع،  لما عرف عنه من حبٍّ للآخرين، وإسداء النّصح للجميع، في ثوبٍ من الحكمة والعقلانيّة والحرص على إشاعة السّلام والطّمأنينة والاحترام المتبادل بين النّاس أجمعين. وإضافةً إلى بعده عن الأجندات الخاصّة والحسابات الطائفيّة والقطريّة، كان على الدّوام يشجب الأصوات النّشاز وأعمال التطرّف وفتاوى التّكفير، أيّاً كان مصدرها.

بحقّ، لقد كان العلامة فضل الله آية زمانه، حين تغلّب على كلّ الصّعاب والتحدّيات، وتمكّن من اجتراح طريقٍ طالما شكَّك الكثيرون في إمكانيّة نجاحه، ألا وهو طريق العمل على ردم الهوّة بين المذهبين الإسلاميّين الكبيرين، السنّة والشّيعة، وذلك بسلوكه وخطاباته ومؤلّفاته ورسائله وفتاواه.

بعد وفاته(فقط)، سيدرك الخيّرون والعقلاء من أبناء هذه الأمّة، مقدار الخسارة الّتي خلّفها رحيله، وهو الرّحيل الّذي يكشف كم نحن بحاجةٍ إلى الأصوات العاقلة والقامات المتفانية في خدمة النّاس، والانتصار لقضايا الشّعوب في مختلف البلدان والمذاهب والتيّارات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم..

 التاريخ: 24 رجب 1431  ه الموافق: 06/07/2010 م

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني توحيد الصّفّ يجنِّب البلد المخاطر الكبرى اليونان: افتتاح أوّل مسجد في أثينا مطلع أيلول القادم لا يعي الصّلاة.. هل تسقط عنه؟ منبر الجمعة: 4 شوال 1440هـ/ 7 حزيران 2019م حتَّى لا نخسر صالح أعمالنا فضل الله في خطبة العيد: على القوى السياسيّة تصويب الموازنة لمصلحة الفقراء
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر