اليوم: الخميس24 شوال 1440هـ الموافق: 27 يونيو 2019

وداعاً... سيّد الاعتدال - علي يونس الدّهش

وداعاً... سيّد الاعتدال

علي يونس الدّهش

منذ سنيّه الأولى الّتي قضاها في حوزة النّجف الأشرف، انشغل السيّد الراحل، آية الله العظمى محمد حسين فضل الله بهموم الأمّة الإسلاميّة، ورصد بنظره الثّاقب وفكره الحرّ عوامل تردّي واقع المسلمين، وتوصّل إلى الأسباب الّتي تقف وراءه. ولأنَّه نشأ في بيت علمٍ وعمل، وتنفَّس أجواء الحريَّة الفكريَّة في كنف أبٍ لا يضع خطوطاً حمراء على أيّ تساؤلٍ مهما غرب، ولا على أيّة فكرةٍ مهما شذّت، استطاع أن يضع يده على "العلّة"، وأن يتعامل معها بشجاعة وجرأة وشفافية. فبدا له أنّ تمزّق الأمّة وتناحر أبنائها وتفرّقهم شيعاً وأحزاباً، هو علّة العلل، فآلى على نفسه أن يعمل ما استطاع لنبذ تلك الفرقة، ورأب ذلك الصّدع الّذي أوهن دور الأمّة التّاريخيّ الّذي أنيط بها، وشلّ حركتها الفاعلة الّتي كان ينبغي أن لا تتوقّف.

فبلور مشروعه الإصلاحيّ التّنويريّ، وشرع يصدح به بعد أن اكتملت أدواته وظروفه الموضوعيّة، فأعجب به جيل كامل من المثقّفين والطّلبة والأكاديميّين الّذين أدركوا واقع أمّتهم البائس، وأعيتهم الحيلة عن تغييره.

ولعلَّ من أبرز سمات ذلك المشروع، دعوة السيِّد فضل الله النّاس إلى اتخاذ منهج القرآن الكريم في إدارة الحوار بينهم وبين مخالفيهم، والسّعي معهم للوصول إلى منطقة "الكلمة السّواء" الّتي تمثّل القواسم المشتركة بين الفرد (أيّاً كان ذلك الفرد) والآخر، سواء كان ذلك الآخر من مذهبٍ مختلفٍ في إطار الدّين الواحد، أو كان من دينٍ مختلفٍ في إطار الإنسانيّة. فالحوار الموضوعيّ الهادئ البعيد عن التشنّج، هو السّبيل الأمثل للوصول إلى الحقيقة بين أبناء المذهب الواحد، وبينهم وبين أبناء المذاهب الأخرى، وبين المسلمين وغيرهم ممن يدينون بدينٍ غير الدّين الإسلاميّ، بل وبين الدّينيّين ـ من أيّ دينٍ كانوا ـ وبين اللادينيّين، مهما تعدّدت مشاربهم الفكريّة.

ومن سمات ذلك المشروع، أن لا يعتبر المرء نفسه مالكاً للحقيقة المطلقة دون سواه من البشر، فإن فعل ذلك، فقد قدّم أكبر دليلٍ على جهله وتخلّفه وتعصّبه الأعمى.

ومن سماته أيضاً، الدّعوة إلى الابتعاد عن كلِّ ما من شأنه أن يفرِّق الأمَّة ويزرع الفتنة بين أبنائها، فإنَّ الخلافات هوامش جانبيَّة يجب أن لا ينشغل بها النَّاس عن قضاياهم الأساسيَّة، هوامش أريد لها أن تكون فتيلاً لإشعال الحرائق، فأعطيت حجماً أكبر من حجمها الطّبيعيّ.

لقد وصف السيّد ـ رحمه الله ـ الطائفيّة وصفاً في غاية الدقّة، حينما قال عنها إنّها مادّة قابلة للاشتعال في أيّ زمانٍ ومكان. تأمّلوا معي في هذا التّعريف العلميّ الدّقيق لهذه الآفة الاجتماعيّة، أو قل هذا المارد النّائم في قمقمه، الّذي إذا ما خرج منه في أيّة لحظة تاريخيّة، أو في أيّة بقعةٍ جغرافيّة، فإنّه كفيل بتفكيك عناصر المجتمع إلى مكوّنات مسلوبة الإرادة، توجّهها الأحقاد، وتتصرّف بها الكراهية.

ومن سمات ذلك المشروع، دعوة رجال الدِّين إلى مواكبة المنجزات العلميَّة الّتي حقَّقها بنو البشر على مدى قرونٍ من التَّجريب وإعمال الفكر، واستخدامها في تيسير أمور الدِّين على النّاس، بما يحقِّق لهم وحدة الكلمة ويكفل لهم السَّعادة.

ومن سماته، دعوته الشّجاعة إلى تهذيب الطّقوس الدّينيّة، وتطهيرها مما علق بها من خرافاتٍ وخزعبلاتٍ لا تمتّ إلى الدّين الحنيف بصلة، بل إنّها تضرّ بصورة الإسلام والمسلمين أبلغ الضّرر، حيث ترسل إلى الآخرين رسالةً خاطئةً، فتصوّر لهم الإسلام وكأنّه عبارة عن ممارساتٍ متخلّفةٍ لشعوبٍ بدائيّةٍ لم تفقه من حضارة القرن الواحد والعشرين شيئاً.

ومن سمات ذلك المشروع، أنَّ الدِّين الإسلاميّ دين يسرٍ، فلا عسر فيه ولا حرج. وعليه، يتحتَّم على العلماء التماس أيسر الطّرق وأقربها. وإنَّ الله كرَّم الإنسان وجعل سعادته الغاية الأولى من بعث الأنبياء وتنـزيل الكتب السماويّة، فيجب أن يُحترم الإنسان وأن لا تُمتهن كرامته بأيِّ شكلٍ من الأشكال، فهو ـ وإن كان يدين بغير ملّةٍ، أو كان بلا دين ـ طاهر بالإنسانيّة.

ومن سمات ذلك المشروع، أنّ الأفكار مهما جنحت، والأسئلة مهما اتّسمت بالجرأة، يجب أن تناقش ويجاب عليها بالتّفصيل، فهذا هو منهج الله سبحانه؛ لقد جادل وحاجج وناقش في كتابه الكريم كلّ من طرح إشكالاً، مهما كان شأن الطّارح، وأيّاً كان نوع الطّرح. ناقش نبيّه الكريم وعباده المؤمنين، كما حاجج الكفّار والمنافقين، وجادل في صغائر الأمور وفي عظائمها فلم يستثنِ من ذلك الجدال حتّى ذاته المقدّسة. فإذا كان هذا هو المنهج الرّبّانيّ في الحوار، فكيف يتسنّى لأحدٍ أن يضع خطوطاً حمراء على هذه المسألة أو ذلك الأمر؟

ومن سمات ذلك المشروع، أنّه ألقى حجراً في المياه الرّاكدة ما لبث أن ولَّد دوائر أخذت بالاتّساع شيئاً فشيئاً، لتشمل جميع ذرّات تلك المياه، فناقش أموراً كانت تعدّ من التّابوهات الّتي يحرم الاقتراب منها فضلاً عن مناقشتها، أموراً أسبغت عليها شهرتها بين السّابقين من العلماء قدسيّةً، أيّما قدسيّة، فأثبت أنّها قابلة للمناقشة والطّعن، بل والردّ، ولا تعطيها صفة الشّهرة أيّ نوعٍ من أنواع القداسة إذا ما قام الدّليل على بطلانها. والأمثلة على ذلك كثيرة، يمكن للرّاغب في معرفتها الرّجوع إلى مؤلّفات السيّد ـ رحمه الله ـ وأخذها من مظانّها.

ومن سمات ذلك المشروع، أن ينـزل رجل الدِّين من برجه العاجيّ الّذي وضع نفسه فيه طيلة عهود التخلّف والانحطاط، ليكون بين النّاس، يعيش معهم مشاكلهم اليوميَّة، ويشاركهم همومهم، وأن يخوض معهم في جميع شؤونهم الفكريّة منها والاجتماعيّة والسياسيّة.

ولا يعدم هذا المشروع ـ شأنه شأن مشاريع التّحديث والإصلاح عبر التّاريخ ـ أن يجد من يقف بوجهه ويحاربه ويسعى إلى تشويهه، فكانت الحملة الموجّهة ضدّ المشروع وحامله، حملةً شعواء ضارية، لم يدّخر فيها المناوئون وسعاً في استخدام كلّ ما أمكنهم من جهدٍ وإمكاناتٍ لإجهاض هذا المشروع والقضاء عليه.

اليوم، وقد رحل السيّد فضل الله إلى جوار ربٍّ كريم، تسعى الثلّة المؤمنة بفكره الحرّ، ومبادئه العظيمة، أن ترفع لواءه، وتكمل دربه الّذي ابتدأه ورسم معالمه، إيماناً منها بأنّه المنهج الأسلم في انتشال هذه الأمّة من وحل التّشذرم والطائفيّة والتخلّف.

فرحم الله السيّد محمد حسين فضل الله، كان علماً في الفقه والأصول والتّفسير، وحجّةً في اللّغة والأدب، وشاعراً مبدعاً خاض في جميع ضروب الشّعر قديمه وحديثه، وبارعاً في شؤون السّياسة والاقتصاد. وليس هذا وحسب، بل وإنساناً تتناثر الرّحمة من جنبيه، تلك الرّحمة الّتي نجح في ترجمتها حرفيّاً في مبرّاته العديدة الّتي آوت الآلاف من اليتامى والأرامل والمعوزين.

*الجامعة الوطنيّة الأستراليّة

التاريخ: 24 رجب 1431 هـ  الموافق: 06/07/2010 م

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! كيف أجعل علاقتي بالله أحسن؟ معركة أحد: عندما يتحوَّل النَّصر إلى هزيمة! ضحايا نتيجة حوادث.. ماذا يترتّب؟ صديقي يتهاون بصلاته! الدالاي لاما: نطالب المسلمين بالتعاون وضع حجر الأساس لمدرسة "كليّة الرّحمن" في أستراليا تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر