اليوم: الخميس24 شوال 1440هـ الموافق: 27 يونيو 2019

تجاوز باجتهاده حدود الأوطان - خلدون عريمط

تجاوز باجتهاده حدود الأوطان وخنادق المذاهب والطّوائف

خلدون عريمط

الموت والانتقال إلى العالم الآخر هو قدر الإنسان، لا مفرّ من عبوره. وغياب الكبار بالموت محطّة تأمّل واستشراف لسرِّ الوجود وحياة الإنسان الّذي كرّمه الله، وشاءت إرادته أن يبقى مكرّماً. ويكاد قطار الحياة المتسارع نحو المجهول، ألا يقف، أو يتوقّف، إلا بفقدان ورحيل الكبار فقهاً وعلماً وفكراً وإصلاحاً، أو موقعاً وسلطة. وليس مصادفةً أن يحمل هذا اللّبنان، قيادات وعلماء، مجتهدين ومصلحين وزهّاداً ونسّاكاً، ملؤوا الدّنيا بما حملوا من فكرٍ وإبداع. والعلاّمة الفقيه، والمجتهد الرّاحل، السيّد محمّد حسين فضل الله، هو صفحة استثنائيّة من صفحات هذا الوطن، وهذه الأمّة الباحثة عن طريق النّهوض والاستنهاض لتحصين ذاتها.

لقد أدرك الرّاحل الكبير العلامة فضل الله مبكراً، أنّ الحقيقة هي بنت الحوار، وأنّ الإنسان هو الغاية، وأنّ وحدة الأمّة هي الهدف، فتجاوز بفكره وعلمه واجتهاده ومشروعه الإصلاحيّ، حدود الأوطان المصطنعة، وخنادق المذاهب والطّوائف المكهربة، ليحلّق بفكره ومقلّديه إلى رحاب الأمّة، وشموليّة الإسلام وإنسانيّة الرّسالة الّتي حملها نبيّ الإنسانيّة محمّد (عليه الصّلاة والسّلام)، فهو الوطنيّ اللّبنانيّ، والعربيّ الشّموليّ، والمسلم الإنسانيّ، أنتج على مدى نصف قرن، ثقافة التّواصل بين المدارس الفقهيّة الإسلاميّة، هو الجعفريّ، الحنفيّ، الشّافعيّ، المالكيّ، الحنبليّ، ليبثّ في عقول جمهوره ومريديه ومحبّيه، بأنّ الإسلام رحمة، والتعصّب المذهبيّ نقمة. فحرّم ضرب الرّؤوس في عاشوراء، وله رأي معتبر في نظريّة ولاية الفقيه، لكنّه دافع عن تجربة الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، برغم توافقه أحياناً، واختلافه في بعض الأحيان معها. وتواصل مع العواصم والحواضر العربيّة والإسلاميّة، ورفض التخندق خلف الشّعوبيّات أو المذهبيّات، فهو اللّبنانيّ، والفلسطينيّ، والعربيّ، وهو الّذي يحمل جرح الأمّة في فلسطين، منذ بدأ مشواره الطّويل، المحفوف بالمخاطر والاغتيالات، من النّجف إلى النّبعة (شرق بيروت) إلى ضاحية بيروت الجنوبيّة. وهو القائل: «نذرتُ نفسي للإسلام ووحدة الأمّة، ولن ترتاح الأمّة وأرتاح، إلا بسقوط إسرائيل، وعودة فلسطين إلى عروبتها وأهلها، مسلمين ومسيحيّين».

رحل العلامة فضل الله عن هذه الدّنيا الفانية، ليترك للوطن والأمّة، أمانة الجهاد لنصرة فلسطين، وتحرير العقل الّذي أراد البعض تحنيطه لتغييبه عن مسار الأحداث، وليترك ثقافة المحبّة ووحدة الصفّ الإسلاميّ، والتمسّك بالعيش المشترك بين أبناء الوطن ومكوّنات الأمّة، على تنوّع عقائدها، وغنى مدارسها الفقهيّة، فاحترام الرّأي والرّأي الآخ،. ورفض الخضوع للاحتلال، سواء كان احتلالاً أميركيّاً أو إسرائيليّاً، لأيّ أرض عربيّة أو إسلاميّة، هو الأساس في المشروع الإصلاحيّ للعلامة فضل الله. ولئن رحل السيّد فضل الله جسداً، وهذا قدر المؤمنين، فإنّ العلامة فضل الله الفقيه والمجتهد والإصلاحيّ، ورائد الوحدة الإسلاميّة، وحامل فكر التّصحيح والتّنوير، والعودة إلى الأصول، والمتجاوز لحدود الأوطان، فكراً وعلماً وإصلاحاً، يبقى مدرسةً ونهجاً لمحبّيه وعارفيه ومقلّديه، ولجمهور المسلمين، ليكملوا طريق الوحدة بين أبناء الأمّة، ونهج الحفاظ على عروبة المرجعيّة الدّينيّة وتجذّرها في الأرض والأمّة الّتي كرّمها الله بحمل رسالة الإسلام، وفضّلها بنبيّها العربي الهاشميّ، لتكون أمّة وسطيّة، شاهدة للحقّ والعدالة، وحاملة أمانة الرّسالة الإسلاميّة، لتكون رحمةً لكلّ النّاس، بعربها وعجمها، وبشرقها وغربها، رافضةً للظّلم، داعمةً للمظلوم، ثائرةً لمواجهة الطّغاة والظّالمين، أفراداً كانوا أو قوى مستبدّة تحلم بمحاصرة خيرات هذا الشّرق العربيّ والإسلاميّ، العابق برسالات الإيمان، والمتجدّد بالقيادات الاستثنائيّة، والعلماء والفقهاء، الّذين تجاوزا عقدة الأنا وهوى السّلطة، ليبقوا أحراراً، أبناء لمدرسة النبوّة الّتي كانت وستبقى لتكريم الإنسان والحفاظ على حرّيّته وخلوده بحمل رسالة التّوحيد.

رحم الله العلامة المجدّد، السيّد محمد حسين فضل الله، وعوّض الوطن والأمّة بعلماء أحرار، وقادة كبار، ليوحّدوا الأمّة، ويحرّروا الأرض والإرادة.

التاريخ: 24 رجب 1431 هـ  الموافق: 06/07/2010 م

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن الفرق بين السّهو والإسهاء على الأنبياء؟! كيف أجعل علاقتي بالله أحسن؟ معركة أحد: عندما يتحوَّل النَّصر إلى هزيمة! ضحايا نتيجة حوادث.. ماذا يترتّب؟ صديقي يتهاون بصلاته! الدالاي لاما: نطالب المسلمين بالتعاون وضع حجر الأساس لمدرسة "كليّة الرّحمن" في أستراليا تعذيب الحيوان جائز ؟! كيف يعصي النّبيّ وهو معصوم؟! بين الشّيطان والإنسان: عداوة وامتحان تنديد تونسي للتّطبيع مع العدوّ الصهيوني
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر