اليوم: الأربعاء17 صفر 1441هـ الموافق: 16 اكتوبر 2019

"داعش" كفَّر الجميع... لماذا لا يكفِّرونه؟!

أجرى التحقيق : ديانا سكيني

قد لا يكون تكفير تنظيم "داعش"، وإجماع المؤسّسات الدينية الاسلامية الرئيسة على أنّه خارج عن الإسلام، كفيلاً بإنهاء التنظيم الذي تسبب بأضرار لا تحصى للإسلام والمسلمين في السنوات الماضية.

غير أن المدافعين عن فكرة ضرورة التكفير، يستندون إلى القيمة المعنوية للخطوة، ولا سيّما بعد الهجمات التي شنّها التّنظيم في الغرب، وارتداد الأمر على المقيمين المسلمين. والأبعد في رؤية قسم من المطالبين بالتّكفير، يذهب إلى ما يسمونه ضرورة وضع الأصبع على الجرح، والخروج بتفسير واضح ونهائي وغير قابل للتأويل للآيات والنصوص والسّير التي يستند إليها التنظيم بقراءته المشوّهة لتبرير سلوكه الوحشي.

تكفيرٌ سياسيّ

وفي معرض الحديث عن هؤلاء المطالبين بالتّكفير، علينا ألا نهمل أنّ التنظيم كُفِّر عبر فتاوى لعلماء ينتمون إلى المذهب السلفي، حصلَ الأمر في المملكة العربيّة السّعودية، لكنَّ الأمر لم يقترب من تعميم تفسيرٍ مغايرٍ للنّصوص، لذا يميل مراقبون إلى وضع هذا التكفير في الحيّز السياسي، من ضمن صراع أوسع تقوده المملكة لدرء الخطر الداخلي الذي قد يشكّله تنظيم "القاعدة" ومتفرّعاته.

وسبق لمفتي المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، أن وصف "داعش" بـ"الجماعات الخارجيّة التي لا تُحسب على الإسلام، ولا على أهله المتمسّكين بهديه، بل هي امتداد للخوارج الذين هم أوّل فرقة مرقت من الدّين بسبب تكفيرها المسلمين بالذّنوب".

وإلى جانب بيان المفتي وبيانات أخرى لهيئة العلماء، يحفل موقع "يوتيوب" بفتاوى مسجّلة لعلماء سعوديّين يكفّرون "داعش" جهاراً.

هذا التكفير لم تسلك دربه مؤسسة دينية رائدة كالأزهر عرفت بوسطيّتها، الأمر الذي فجّر جدالاً على مستويات عدّة، فمن ناحية، يسهل لمتصفحي الإنترنت العثور على عشرات المواد الصحافية السعودية التي تسلّط الضّوء بشيء من النّقد على عدم تكفير الأزهر "داعش"، ومن ناحية أخرى، فتح الأمر معركة بين مثقّفين ومفكّرين مصريّين وبين الأزهر، ورُشق هذا الصرح الديني بتهم، منها اتساع دوائر التأثير السلفي داخله، وذكّر بعض المنتقدين باستسهال حالات تكفير شهدتها مصر لأدباء وفنانين واستصعاب تكفير "داعش.

لا يمكن تكفير "داعش"؟

واعتبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب أنه "لكي تكفِّر شخصاً، يجب أن يخرج من الإيمان، وينكر الإيمان بالملائكة وكتب الله، من التوراة والإنجيل والقرآن، ويقولون: لا يخرجكم من الإيمان إلا إنكار ما أدخلكم به".

ولكي يشدّد على منطق العقوبة في حقّ عناصر "داعش" كمفسدين في الأرض وليس تكفيرهم، استشهد شيخ الأزهر بالآية القرآنيّة: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ...}، ورأى أنّ الأزهر لا يحكم بالكفر على شخص طالما يؤمن بالله وباليوم الآخر، حتى ولو ارتكب كلّ الفظائع.

وقالها بصراحة، إنه لا يمكن تكفير "داعش"، ولكن "أحكم عليهم أنهم من المفسدين في الأرض".

"الفكر الوسطي"!

عضو مجمع البحوث الإسلاميّة، والأمين العام السّابق للمجلس الأعلى للشّؤون الإسلاميّة المصري محمد شحات الجندي، تحدّث لـ"النهار" موضحاً أنّ "الأزهر يتبنّى الفكر الوسطي، وبالتّالي، كلّ من يقول الشهادتين ويلتزم أركان الإسلام، لا يمكن تكفيره".

في رؤية الأزهر، أن "داعش عاثَ في الأرضِ فساداً، وحاربَ الله ورسوله، وينطبق عليه أحكام الآيات القرآنيّة التي تتيحُ الاقتصاص منه بأقصى العقوبة، كحدّ الحرابة وتقطيع الأوصال".

ويضيف الجندي أن "ما يدعو الأزهر إلى رفض التكفير، هو التخوف من السير على نهج داعش في تكفير الآخر، ما سيؤدّي إلى تعميم التكفير وظواهره التي يخشى ألا تعود خاضعة لضوابط".

ويتحدّث عن الاقتراحات التي قدمت للأزهر من مفكّرين ومثقّفين لتكفير "داعش"، وقد "أثارت نقاشاً واسعاً، لكنّ القول السّائد في الأزهر بقيَ أنهم مسلمون بغاة على جمهور المسلمين والحكومات".

ووفق الجندي، يستند الأزهر في رؤيته إلى أحاديث وآيات، منها الآية الآتية في "سورة الحجرات": {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.

كما يستشهد الجندي بالعداء بين الإمام علي بن أبي طالب والخوارج، حيث لم يكفّر الإمام الخوارج، "رغم بغيهم وقتالهم المسلمين".

"التّكفير نسبي"

وللاطّلاع على رؤى إسلاميّة متنوعة في مسألة التّكفير، تحدّثت "النهار" إلى السيد جعفر فضل الله، الذي اعتبر أن "كلّ من تخلّى عن الشهادتين وعن أركان الإسلام يصبح تلقائياً خارج الدّين الحنيف".

ويسترسل متسائلاً: "أما إذا كان الشخص خارج الإسلام، فهل يجوز القصاص منه بالقتل؟"، ليجيب: "لا يجوز الأمر إلا إذا قتل أحداً عمداً، علماً أنّه يجوز لأهل الضحيّة العفو عنه. وفي الحالة الثّانية، يجوزُ الاقتصاصُ منه إذا كانَ من المفسدين في الأرض، وفي هذه الحالة، على القضاء أن يحكم، والحالة الثّالثة تتمثّلُ في حالة الحروب والقتال في سبيل الله، وأخيراً، هناك نقاش فقهيّ حول جواز قتل المرتدّ من عدمه".

وفي رأي فضل الله، أن "التكفير شيء نسبي، وداعش يقول إنّه يؤمن بالنبيّ محمد وبالله، ويكفِّر الآخرين، وهو يعتمد قراءة مشوَّهة للإسلام وقد حوّلها الى ممارسة سلوكيّة إجرامية".

ويتابع فضل الله أن "الشهادتين في الإسلام هما بمثابة الجنسية، فهل إذا مارس مواطن فرنسي فعل القتل تُسقَط عنه الجنسيّة؟"، خالصاً إلى وجوب "الاتّكاء على مصطلح الفساد في الأرض كتوصيفٍ للسّلوك الدّاعشي، وبالتّالي، ما يترتب على هذا السلوك الإجرامي في الإسلام من عقاب، أكثر أهمية من الاستغراق في التّكفير، لأننا في هذا السياق، نكون قد أغرقنا أنفسنا في جدالات فقهيّة وعمل مراكز دراسات، ونكون قد ابتعدنا عن الإقرار بحقيقة أنّ الحلول في المنطقة سياسيّة بامتياز، والإقرار بأنّ تكفير داعش من عدمه ليس لبّ المسألة، ولن يغيّر شيئاً، بل إن الأهمية تعود إلى تجفيف منابعه الثقافيّة، وتفكيك منظومته الفكريّة والماليّة والتوظيفيّة".

تكفير جزئي

من جهته، يرى المدير العام للأوقاف الإسلاميّة في دار الفتوى الشّيخ هشام خليفة، أن "الأصل في الإسلام هو الدعوة إلى الإيمان وليس التّكفير... وقد وضع العلماء ضوابط للتّكفير، فالأساس هو الدعوة إلى سبيل ربّك بالموعظة، ونذكر هنا أنّه حتى كفّار قريش لم يواجَهوا بالعنف. ومن المفيد التّذكير أيضاً بأنّ الإسلام أقرّ بأصحاب الديانات السابقة، وأسماهم أهل الكتاب، وبالتالي هذا دليل كافٍ على عدم جواز ضمّهم إلى طائفة الكفار".

وعن تكفير "داعش"، يقول خليفة لـ"النهار": "لا نريد أن نأخذ دور داعش، لا يجوز تعميم الكفر على مجموعة أو طائفة إلا إذا أعلنوا جميعهم ذلك جهاراً"، مضيفاً أنّ "داعش يمارس أعمالاً خاطئة، وهنا يجب توصيف الحكم والعمل، الكفر هو رفض الإسلام وإعلان الخروج منه، أما الممارسات الداعشيّة، فيمكن توصيفها بالكفر الجزئي، وهي تجانب الإسلام، ولا يعتبر كافراً إلا من يعلن خروجه من الإسلام، كما أن هناك الأفعال والأقوال التي تخالف أصول الإيمان وتصادمها، فمن قالها أو فعلها، يحكم بردّته وكفره، وعلينا أن نستتيبه، وإذا رفض، يصدر فيه الحاكم العقاب الشّرعي".

وفي رأيه، يجب أن "تدرس مسألة الكفر على صعيد فرديّ، وليس على صعيد جماعة، إلا إذا أعلنت الأخيرة صراحةً الخروج من الإسلام".

ويعود خليفة إلى الفتوى التي تبنّاها مجمع الفقه الإسلامي في جدّة في السبعينات حول الجمعيّات الماسونيّة، ليقول بإمكان إسقاطها على تنظيم "داعش"، وهي تنصّ على أنّ "كلّ من انتسب إلى هذه الجمعيّات وهو يعلم بأهدافها، وأنها تخالف الدين، فهذا الإنسان كفر بالإسلام الحق، ويجب اعتبار أنّ هذه الجمعيات والتنظيمات تحارب الله ورسوله، والمنتمون، وهم مدركون لأهدافها، مرتدّون عن دين الإسلام، ويحرم التعامل معهم، ويعدّ ذلك خيانة، ولا يجوز عقد اتّفاق أو هدنة معهم. ومن قتل وهو يقاتلهم، نرجو أن يكون من الشّهداء".

يتبيّن من القراءات السّالفة أنّ مسألة تكفير "داعش" لا تحظى بأولويّة على الصعيد الفقهي الإسلامي، وثمة تقليل من شأن الخطوة وأثرها في التّنظيم، رغم أهميّتها المعنويّة على الصّعيد الإعلامي والخطابي العالميّ، بالقول إنّ هؤلاء الذين يذبحون باسم الإسلام ليسوا مسلمين. وتبقى الخطوة الأهمّ الّتي لم يقاربها بعد من كفَّر "داعش" أو لم يكفِّره بعد، وتكمن في مقاربة التربية الدّينيّة ومناهجها، وتفسير النّصوص التي يستند إليها التنظيم، فغير ذلك خطوات لا تمسّ الجوهر الذي يغذّي التطرّف.

· جريدة "النهار" اللّبنانيّة، بتاريخ: 12 آب 2016م

إنّ الآراء الواردة في هذا التّحقيق، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي الموقع، وإنّما عن وجهة نظر صاحبها.

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي براءة الشيعة من الشّرك! فضل الله: نرفض شيطنة الوجود الفلسطينيّ في لبنان منبر الجمعة: 4 تشرين أوّل 2019 أسهر حتى طلوع الشّمس ولا أصلّي؟!
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر