اليوم: الأربعاء24 صفر 1441هـ الموافق: 23 اكتوبر 2019

كيف يؤثر اختلاف الالتزام الديني في الحياة الأسرية؟!

أجرى التحقيق : منى توتنجي

من المعلوم عند الناس جميعاً، أنَّ الماء لا يمكن له في أي حال من الأحوال، أن يختلط بالزيت، ما يعني عدم الاتحاد بينهما. والسبب أن في الزيت مكوناً كارهاً للماء، يمنع الاختلاط الحقيقي. انطلاقاً من هذا المبدأ، يمكن لنا أن نقول، إن اتحاد عنصرين متناقضين في الشكل والمضمون، لن يؤدي إلا إلى الفشل، فكيف إذا كان هذا الفشل سينعكس على أسرة كاملة.

ولذا، يبرز السؤال: هل يمكن أن يعيش رجل ملتزم بشرع الله، وامرأة متفلتة، أو العكس، مع بعضها البعض باستقرار وطمأنينة؟

إنّ الزواج ميثاق غليظ يحيط بالزوجين من كل الجوانب، ويمكّنهما من بناء أسرة صالحة منسجمة، تقوم على أسس سليمة، فإذا ما كان الالتزام عند أحد الطرفين مفقوداً، فلا شكَّ في أنَّ معظم وسائل التواصل مع الطرف الآخر ستنعدم، كما سيؤدي ذلك، إلى انهيار منظومة التنمية الصحيحة عند الأولاد. فإن كان الرجل مثلاً مستسلماً لشهواته وغرائزه، ويحب أن يرى الناس زوجته كاشفة الشعر، مظهرة لمفاتنها، فكيف يمكن لهذه الزوجة، إن كانت ملتزمة، أن تعيش معه؟ فهي تريد الحجاب، وهو يريد السفور، وهي تريد العفة، وهو يبحث عن المغريات، وهي تريد الطهارة، وهو يلهث خلف الرغبات؟

إنها حياة يائسة، لا يمكن أن يكتب لها الاستقرار والاستمرار، إلا إذا تاب الطرف الخاطئ. وإن لم يتب، فالحياة بالنسبة إلى الطرف الآخر جحيم.

أما الأولاد، فهم في اضطراب مستمر، فالأب متفلّت، وخارج عن شرع الله، والأم ملتزمة، فهم يسمعون كلام الأم وإرشاداتها حول الحلال والحرام، ويشاهدون بأم أعينهم الأب مرتكباً للحرام، فأي قيمة ستنغرس في نفوسهم في جو مليء بالتناقض والمشاكل؟

إن الالتزام الديني عند الطرفين، أصل لا بد منه، وإلا تفسَّخت أركان الحياة الزوجية، وتعمق النفور، وأصبحت الأسرة بين نارين لا ثالث لهما، إما الطلاق أو الاستمرار في المسيرة إلى الهاوية.

الشيخ عطوي

قال الشيخ محسن عطوي، عضو المكتب الشرعي في مؤسسة العلامة السيد محمد حسين فضل الله: "يعتبر الالتزام الديني عند الزوجين ركيزة لانسجامها، وضمانة لاستقرار علاقتهما الزوجية ودوامها، ذلك أن الالتزام الديني، ليس مجرد أداء الفرائض، بل هو ما تتداخل فيه مجموع التعاليم الدينية التي طاولت مختلف جوانب الحياة، فأثمرت بناء الإنسان الواعي الحكيم الودود النافع المنتج المتواضع الكريم الناصح المضحي.

ولا ريب في أن مثل هذا الإنسان سيكون في  علاقاته بالآخرين، زوجاً صالحاً، وأباً عطوفاً، وشريكاً أميناً، وصديقاً محباً، ومسؤولاً متواضعاً وحكيماً. وحين يكون كلا الزوجين كذلك في الالتزام الديني، فستكون حياتهما نموذجاً طيباً للعلاقة الفاضلة الكريمة، وخصوصاً لجهة حرص كل منهما على أداء حق الآخر، وإشعاره بكرامته، وإظهار التقدير والاحترام له.

وسينعكس الأمر حين لا يكونان معاً مؤمنين متدينين، بل أيضاً، حين يكون أحدهما متديناً دون الآخر، حيث إنَّ أكثر ما يخشى منه حينئذ، هو عدم وفاء غير المتديّن منهما بحقوق شريكه، فيظلمه في النفقة الواجبة عليه، أو في الجانب العاطفي والجنسي. كما قد يخشى أن يخونه في علاقاته العاطفية بغيره، أو يكون سيء السلوك في أمور تضر بعائلته وأسرته، كشرب الخمر، ولعب القمار، ومصاحبة الفاسدين، أو يكون سيء الخلق في كلامه وتصرفاته، فيشتم، ويتهم، ويغضب كثيراً، ويضرب، ويحطم، أو يكون شديد الغيرة، وسيئ الظن، أو يكون نزقاً كذوباً مخادعاً غشاشاً، أو ما أشبه ذلك، وهي أمور ستضر بالشريك، وتؤثر في هنائه وسعادته، بل هي ستضر بكل العائلة، بمن فيهم الأهل والأبناء، لأن غير المتدين سيكون مصدر أذى وتوتر لجميع العائلة".

وتابع: "ربما كان الأولاد هم الأكثر تضرراً وأذى، لأن غير المتديّن قد يتعرض بالظلم لأولاده، فلا يؤدي حقهم الواجب عليه بالنفقة، أو يقسو عليهم، ويعنفهم، ولا يرحم ضعف طفولتهم، أو يسيء تربيتهم وتوجيههم، ويحثّهم على أفعال مذمومة وتصرفات سيئة، حيث إننا نؤكّد أن التزام الأبوين الديني، وخصوصاً مع وجود مدارس تعنى بالالتزام الديني، هو ضمانة كبرى لسلامة الجيل، دينياً وأخلاقياً، وبالتالي، لقيام مجتمع الخير والفضيلة.

وقال: "لا شكَّ في أن الأسرة التي تعاني جراء عدم التزام أحد الزوجين، سيقع عبء معالجة تداعيات ذلك على الطرف الآخر المتدين، حيث إن عليه بالدرجة الأولى، أن يكون واعياً لما حوله، ومراقباً لتأثيراته في كيان الأسرة وأفرادها، ومقدّراً لحجم هذه التأثيرات بواقعية وهدوء. وعليه ثانياً، أن يقوم بواجبه في نصح غير الملتزم، زوجة أو زوجاً، بأسلوب حكيم، حيث يخشى في حالة قيام أحد الزوجين بنصح الآخر بطريقة مؤذية أو محرجة أو عنيفة، أن يؤدي ذلك إلى إصرار الآخر على تمرده، بدل إصغائه للنصيحة، وتأثره بها إيجابياً. كما أنَّ عليه ثالثاً، أن يصبر على ما سيناله من أذى غير الملتزم إذا ظلمه في حقوقه، ويحاول عدم اللجوء إلى الطلاق قدر الإمكان، وذلك تفادياً لأضرار الطلاق البالغة، وحرصاً على بقاء الحياة الزوجية واستمرارها، رغم المعاناة، حيث نقدر إنَّ الصبر على الأذى، هو في الغالب أقل ضرراً من الطلاق.

الحوت

أما الأستاذ الجامعي، الشيخ الدكتور إبراهيم الحوت، فقال: "الزواج هو الميثاق الذي يجمع بين الزوجة والزوج، رغم الاختلاف في البيئة. لقد حرَّم الإسلام زواج المسلم والمسلمة ممن لا دين لهم، وممن يتبنون الإلحاد، وكذا ممن يعبدون الأوثان، فالزواج منهم حرام بنص القرآن الكريم.

ورخَّص للرجال الزواج من المحصّنات العفيفات من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، دون النساء، سيراً على الحكم الغالب في مسألة القوامة الَّتي تكون عادة للرجال، وكذا تبعية الأولاد لدين آبائهم، وانتقال الزوجات للعيش في بيئات أزواجهن. وخاطب النبي المرأة وأولياءها: "إذا أتاكم من ترضون عنه دينه وأمانته فزوجوه، إلا تكن فتنة في الأرض أو فساد عريض". وخاطب الرجال بقوله: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها، ودينها، فعليك بذات الدين تربت يداك"".

وأضاف: "كلَّما كان الدين واحداً، والمبادئ مشتركة، والحقوق والواجبات مفهومة لدى الطرفين، وكلما حرص كلّ طرف على أداء ما عليه، كان الأمر أدعى لمزيد من التفاهم والتواصل والانسجام.

ولهذا، نقول: كلَّما قوي المشترك (الدين والخلق)، سواء في اللغة، أو المعيشة، أو السن، أو العادات، والأعراف، كان ذلك أدعى لمزيد من التآلف وتعميق الروابط والصلات".

وتابع قائلاً: "من المشاكل الَّتي تعترض حياة الزوجين، وتنغّص عليهما الحياة السعيدة، تباين الطباع، أو اختلاف المزاج بين الزوجين، فذلك له تأثير بليغ في الأسرة، بما يلقيه من سوء تفاهم واختلاف دائم في أمور يومية، وكثرة الشكوى، وعدم الرضا، والذي قد يتحوّل إلى السّخط والتذمّر. وإضافةً إلى الدين في الحياة الزوجية، لا بد من تآلف الطباع، وتكافؤ الأمزجة".

وأشار بعض العلماء واختصاصيي التربية النفسيَّة، إلى أنَّ أكثر الدراسات الاجتماعيَّة، اهتمَّت بمسألة التوافق والتوازن والاستقرار داخل الأسرة، حيث يشكّل الزوجان العمود والدعامة الأساسيين في ذلك. وتعتبر مسألة التوافق بين الزوجين، من المفاتيح الأساسية لتحقيق النَّجاح والسعادة الأسريين، في ظلّ الفروقات الكثيرة التي ربما تكون بينهما، سواء الطَّبيعة الاجتماعيَّة، أو الثقافيَّة، أو الدينيَّة.

وعرض الحوت لبعض الاقتراحات الَّتي تذوّب الفروقات والاختلافات بين الزوجين، من أجل تحقيق السعادة الزوجية بينهما، ومنها:

ـ المحافظة على القيم الأخلاقيَّة الكريمة بين الطَّرفين، وإن كان لديهما آراء مختلفة، لأنَّ الأخلاق هي الروح التي تضمن إمكانية الحياة والتّفاهم بين الطرفين.

ـ ضرورة تفهّم خصوصيات الآخر، واحترام الاختلاف، والسعي إلى تمتين أواصر التفاهم والتقارب.

ـ التواصل والحوار بحكمة واتزان، ومحاولة إيجاد توافقات متفهّمة ومرضية للطرفين، رغم الفارق بين عقيدة كلّ من الزوج والزوجة.

ـ جعل مصلحة الأسرة والأولاد وسعادتهم، فوق أي اعتبار أو خلاف أو اختلاف.

ويمكن القول إنَّ تقارب البيئتين، اجتماعياً ودينياً، بين الزوجين، يعدّ من دواعي تحقّق التّفاهم، والانسجام، والاقتراب أكثر من أجواء المودة والرحمة والسكينة، وإن الاختلاف في هذين الأمرين، لا يؤدي حتماً، إلى انعدام تلك الأهداف والمقاصد.

وختم قائلاً: "يبقى الصَّبر مطلوباً في كلّ الأحوال، وأحقّ ما يجب الصَّبر عليه، ما لم يكن إلى تغييره من سبيل".

المبشر

أما رئيسة التجمّع اللبناني للحفاظ على الأسرة، مهى فتحة المبشر، فتعلق على الموضوع بالقول: "حتى يتوافر في الحياة الزوجية عامل الاستقرار، لا بد من التكافؤ بين الزوجين في الدين، والحسب، والنسب، والمستوى الاجتماعي، والتقارب الفكري. وينتج من هذا التكافؤ، عامل الاستقرار الأسري، فماذا لو فقد أحد عناصر التكافؤ، وأهمها الالتزام الديني، هل يدوم الاستقرار؟! وماذا عن الذين يتزوجون من كتابيات، هل ينجح زواجهم ويستمر؟"

وترى أنه يمكن مناقشة هذا الموضوع من جانبين:

1 - "إذا كان الزوج ملتزماً، والزوجة غير ملتزمة.

2 - إذا كانت الزوجة ملتزمة دينياً، والزوج غير ملتزم.

فإذا كان الزوج هو صاحب الالتزام الديني، والزوجة مسلمة، ولكن غير ملتزمة، فعليه كونه صاحب الحق بالقوامة، أن يساعد زوجته على الالتزام الديني، وأن يعلمها ويرشدها، لقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}. ولقوله الرسول(ص): "كلكم راع ومسؤول عن رعيته".

أما إذا رفضت طاعة الله، فتكون بوصف القرآن لها ناشزاً، فله في هذه الحالة حق التأديب، وفقاً للتسلسل القرآني، بحيث يبدأ بالوعظ، ثم بالهجر، على أن لا يكون أكثر من ثلاثة أيام، ويكون فقط بالمضجع، وأخيراً، الضرب غير المبرح، وهو أقرب إلى الإيذاء المعنوي لا الجسدي، كالضرب بالسواك، وإلا يلجأ إلى تحكيم حكم من أهله، وحكم من أهلها. أما إذا كانت كتابية، فله أن يرشدها ويدعوها بالحكمة والموعظة الحسنة.

أما إذا كانت الزوجة ملتزمة، والرجل غير ملتزم، ولا يقوم بالعبادات المفروضة شرعاً، فللمسألة أيضاً وجهان:

- إذا كان لا يتدخل بعبادتها، ولا يجبرها على المعصية، فعليها أن تطيعه فيما لا يعصي الله، مع دعوته إلى طاعة الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

- أما إذا كان يمنعها من الطاعة، كلبس الحجاب، والصلاة، والصوم، وما إلى ذلك، فعليها أن لا تطيعه فيما يعصي الله، فإذا مارس سلطته عليها جبراً، فلها أن تطلب تحكيم حكم من أهلها وحكم من أهله، حتى يرتدع، وإذا أصر على حملها على المعصية، فلها أن ترفع أمرها إلى القاضي.

أما إذا كان الزوج أو الزوجة، والمفروض أنهما مسلمان، ولكن غير مؤمنين بأصول الدين، ففي هذه الحالة، تصبح الحياة الزوجية بينهما مستحيلة، وهذا سبب لإبطال الزواج، لعدم وجود شرط الإسلام".

وتختم قائلة: "إن غياب التكافؤ بين الزوجين في الالتزام الديني، يؤدي في أغلب الأحيان إلى الانفصال بين الزوجين، أو الهجر، والطلاق النفسي". 

المصدر: جريدة اللواء

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة هل هرب فتية الكهف من الواقع؟ العربيّة ثالث لغة في أستراليا منبر الجمعة: 18 تشرين أوّل 2019 المودّة في القربى للحفاظ على مساحات الحوار والتنوّع واللّقاء فضل الله: لسدّ الثغرات جراء إهمال الدولة منبر الجمعة: 11 تشرين أوّل 2019 وصيّة المرجع فضل الله للشّباب والمراهقين! عندما يهدِّد الفقر أمن المجتمعات والأوطان! ختان الذكور قلق في الوسط الإسلامي
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر