|
| الإمام الكاظم(ع) ونظرته إلى الكتاب والسنة |
شموليّة الكتاب والسنّة
جاء في الحديث عن الإمام الكاظم(ع) عن الحسن بن فضال عن أبي الفراء عن سماعة عن العبد الصالح (أي الإمام الكاظم): "سألته، فقلت: إنَّ أناساً من أصحابنا قد لقوا أباك وجدَّك وسمعوا منهما الحديث، فربما كان يُبتلى به بعض أصحابنا وليس في ذلك عندهم شيءٌ يفتيه، وعندهم ما يشبهه، يَسَعُهُم أن يأخذوا بالقياس؟ فقال: لا، إنَّما هلك مَنْ كان قبلكم بالقياس، فقلت له: لِمَ لا يُقبل ذلك؟ فقال: لأنَّه ليس من شيءٍ إلاَّ جاء من الكتاب والسُّنّة"(24).
إنَّ هذا الحديث يوحي بأنَّ رفض القياس كان بسبب عدم الحاجة إليه، لشموليّة الكتاب والسُّنّة لكلِّ ما يحتاجه الناس من الأحكام الشرعيّة في شؤون الحياة العامة والخاصة، بحيث يمكنهم أن يجدوا فيهما المعالجة الخاصة للقضايا الجزئيّة، والمعالجة العامة للقواعد الكليّة المنفتحة على أكثر من موقع.. فيكون الرجوع إلى القياس رجوعاً إلى ما لا ضرورة له، بالإضافة إلى أنَّه لا يملك أساساً للحجيّة، لأنَّه يعتمد على الظنّ الذي لا يغني من الحقِّ شيئاً، لا سيما أنَّ علل التشريع قد لا تكون واضحةً وضوحاً كليّاً بالمستوى الذي يستطيع الإنسان أن يدرك معه التشريع في هذا المورد بشكلٍ قطعيّ، ليستنتج من ذلك حكم المورد الآخر الذي يشابهه، فقد يدرك الإنسان جانباً من المَدْرَك ويغفل عن الكليّة التي تزن الأمور بميزان دقيق، حيث يختلف الناس في الموضوع حسب الانطباعات الذاتية في فهمهم لأسرار الحكم والموضوع معاً.
وفي ضوء هذا الحديث، لا بدَّ للمجتهد من التتبّع في كلِّ موارد الكتاب والسُّنّة للتدقيق فيهما لاستخراج الأحكام الشرعيّة من خلال القواعد العامّة التي تشير إلى الحكم الشرعي سلباً أو إيجاباً، بحيث يكون الكتاب والسُّنّة هما المصدرين للتشريع دون غيرهما، حتى أنَّ الذين يذكرون العقل والإجماع كمصدرين للحكم الشرعي، يؤكّدون حجيّتهما من حيث إنهما كاشفان عن الحكم الشرعيّ في ما يكتشفه العقل القطعيّ من ملاكات الأحكام، أو في ما يستلزمه الإجماع من قول المعصوم أو فعله أو تقريره.. وقد تحدّث الإمام الكاظم(ع) حول هذا الموضوع بطريقة أكثر صراحةً، وذلك في ما رُويَ عن علي بن إبراهيم بن محمد بن عيسى بن عبيد بن عبد الرحمن بن سماعة عن مهران، عن أبي الحسن موسى عليه السلام: "قال: قلت: أصلحك الله، إنَّا نجتمع فنتذاكر ما عندنا، فلا يَرِدُ علينا شيءٌ إلا وعندنا شيءٌ مسطّر، وذلك مما أنعم الله به علينا بِكُم، ثم يَرِدُ علينا الشيء الصغير ليس عندنا فيه شيء، فينظر بعضنا إلى بعض وعندنا ما يشبهه، فنقيس على أحسنه؟ فقال: ما لكم وللقياس، إنَّما هلك مَن هلك مِن قبلكم بالقياس.. ثم قال: إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا، وإنْ جاءكم ما لا تعلمون فَهَا، وهوى بيده إلى فِيه (فمه) ثم قال: لعن الله أبا فلان كان يقول: قال علي وقلت أنا وقالت الصحابة وقلت، ثم قال: أكنت تجلس إليه؟ فقلت: لا، ولكن هذا كلامه، فقلت: أصلحك الله، أتى رسول الله بما يكتفون به في عهده؟ قال: نعم، وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة، فقلت: ضاع من ذلك شيء؟ قال: لا، هو عند أهله"(25).
فنحن نلاحظ أنَّ المسألة هي عدم وجود فراغ في الشريعة يدعو إلى اللجوء للقياس.. وإذا كان الناس لا يجدون لديهم مصدر ذلك، فإنَّ الأساس في هذا الشعور بالفراغ، هو ابتعادهم عن سؤال أئمة أهل البيت(ع) الذين يملكون علم ذلك كلّه، ومعارضتهم لهم في ما يقولون أو في ما يروون عن النبيِّ(ص).
وقد قال الكاظم(ع) في حديث آخر يوضح فيه المسألة في ما رواه عثمان بن عيسى قال: "سألت أبا الحسن موسى عن القياس، فقال: ما لكم والقياس، إنَّ الله لا يُسأل كيف أحلَّ وكيف حرّم"(26).. وفي هذا دلالةٌ على عنصر التعبّد في فهم الحكم الشرعي، وعدم النفاذ إلى عمق العِلل الواقعيّة من خلال الظنون السطحيّة.
وقد عالج الإمام الكاظم(ع) هذه المسألة في حوارٍ جرى بينه وبين أبي يوسف صاحب أبي حنيفة في مسألة تظليل المحرم الذي يلتزم أئمة أهل البيت(ع) بحرمته على المحرم في حال السير، ويجوّزونه له في حال النزول، بينما يلتزم أهل السُّنَّة بجواز ذلك له مطلقاً.. وقد روى ذلك المفيد في الإرشاد، "وروى أبو زيد قال: أخبرني عبد الحميد قال: سأل محمد بن الحسن أبا الحسن موسى الكاظم(ع) بمحضرٍ من الرشيد ـ وهم بمكّة ـ فقال له: أيجوز للمحرم أن يُظلّل عليه مَحْمَله؟ فقال له موسى(ع): لا يجوز له ذلك مع الاختيار، فقال له محمد بن الحسن: أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مُخْتاراً؟ فقال له: نعم، فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك، فقال له أبو الحسن موسى(ع): أتعجبُ من سُنّة النبيّ(ص) وتستهزىء بها، إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كشف الظلال في إحرامه، ومشى تحت الظلال وهو مُحرِمٌ، وإنَّ أحكام الله يا محمد لا تُقاس، فمن قاسَ بعضها على بعض فقد ضلَّ عن سواء السبيل"(27).
وقد ورد في الروايات أنَّ أبا عبد الله الصادق(ع) قال لأبان بن تغلب: "إنَّ السّنَّة لا تُقاس، ألا ترى أنَّ المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، يا أبان إنَّ السُّنّة إذا قِيست مُحِق الدين"(28).
وهذا ما أراد أهل البيت(ع) أن يؤكّدوه: "إنْ أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحقِّ إلا بُعداً، إنَّ دين الله لا يُصاب بالقياس"(29)، أو بالعقول، لأنَّ العقول قد تدرك بعض الأمور، ولكنها قد تغفل عن إدراك البعض الآخر، ما يُوحي بأنَّ الحكم الشرعيّ لم يستكمل ملاكَه بشكل دقيق، وهذا ما نلاحظه في اختلاف الحكم في بعض الموارد المتشابهة في أكثر من وجه، كما في الصلاة والصوم اللذين تجمعهما الناحية العباديّة، ولكنَّ حكمهما في القضاء مختلف.. وهكذا أمر الله في كتابه بالطلاق، وأكّد فيه شاهدين، ولم يرضَ بهما إلا عدلين، وأمر في كتابه بالتزويج وأهمله بلا شهود.
وربما نستفيد من الحديث الأول الذي يؤكّد عدم الحاجة إلى القياس لوفاء الكتاب والسُّنّة بجميع الأحكام، أنَّ الأمر لو لم يكن كذلك، بحيث كانت هناك حاجةٌ ملحّة إلى معرفة الحكم الشرعيّ لبعض الأمور، ولم يكن لدينا طريقٌ إلى معرفته من الكتاب أو السُّنّة، فإنَّ من الممكن أن نلجأ إلى القياس أو نحوه من الطرق الظنيّة في حال الانسداد، انطلاقاً من أنَّ الاعتماد على الطرق الظنيّة العقلائية أو الشرعية كان مرتكزاً على الحاجة إليها لإدارة شؤون الحياة العامة للناس، بحيث لولاها لاختلَّ نظام حياتهم، لأنَّ العلم وحده لا يكفي في ذلك، ولكننا لا نحتاج إلى ذلك، لأنَّ هناك كفاية عن ذلك في القواعد العامة وفي توسعة الاستظهار بإلغاء الخصوصيّة التي تجمّد الحكم في مورد خاص من جهة الفهم العرفي الذي لا يجد للخصوصيّة أساساً في الحكم ونحو ذلك.
إنَّها ملاحظات سريعةٌ نثيرها أمام هذا الحديث، فيما نريد إثارته من ملاحظات لا بدَّ للبحث الأصولي من أن يتوفّر على تدقيقها بشكل أكثر دقّةً وتركيزاً.
العلم النافع
كان الإمام الكاظم(ع) يريد من الناس أن يحادثوا العلماء في أيِّ علمٍ، إذ ليس من الضروريّ أن يكون العلماء علماء الفقه وحسب، لأنَّ الإسلام في الوقت الذي يؤكّد على علم الإنسان الذي يتصل بالعقيدة أو الشريعة أو بجوانب المسؤوليّة كلِّها، يؤكّد أيضاً على كلِّ العلوم التي يحتاجها الإنسان في الحياة، فيما يقيم أمره ويقوِّي موقعه ويؤكِّد عزته وحريته وكرامته، كان يقول(ع): "محادثة العلماء على المزابل ـ يعني لو فرضنا أنَّ هذا الإنسان المثقف يجلس في مكان مثل المزبلة ـ خيرٌ من محادثة الجاهل على الزرابي" والزرابي هي البُسُط والفُرُش.
ويؤكّد(ع) على العلم النافع، حيث جاء في حديثه عن رسول الله(ص) قال: "دخل رسول الله(ص) المسجد، فإذا جماعةٌ قد أحاطوا برجلٍ، فقال، ما هذا؟ فقيل: علاّمة، فقال: وما العلاّمة، فقالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية والأشعار العربيّة، فقال رسول الله(ص): ذلك علمٌ لا يضرُّ مَنْ جهله ـ لأنَّه لا يتصل بواقع الحياة، ولا بشيءٍ من مسؤوليّات الإنسان في الحياة من حوله ـ ولا ينفع مَنْ علمه ـ وأيضاً لا يزيد في علم الإنسان المسلم، بمعنى أنَّه حشوٌ ـ إنما العلم ثلاثة: ايٌ محكمَةٌ ـ بها يستطيع الإنسان أن يتعرّف على كتاب الله، وينتفع به في ما يملأ عقله بمعرفة الله وبمعرفة ما يتفرّع عن ذلك كلِّه من رسالاته ورسله وملائكته، وما إلى ذلك ـ أو فريضة عادلة ـ يعني خطّاً من الخطوط الإلزاميّة التي يقف فيها الإنسان في الوسط من مصلحة الإسلام، كما فسّرت بذلك ـ أو سُنّةٌ قائمة"، وهي الخطُّ الأخلاقيّ والروحي والاجتماعي الذي يسير الناس عليه، فكأنَّ النبيَّ(ص) يريد أن يقول خذوا من العلم ما يتصل بمسؤولياتكم في الدنيا والآخرة، ولا تأخذوا من العلم ما لا يتصل بهذه المسؤوليات المعرفيّة أو العلميّة في الواقع والحياة.
وبذلك يمكن لنا أن نستغني عن كثير من العلم الذي لا يشكّل غنىً للإنسان في دنياه وآخرته. وهناك ملاحظة، وهي أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ من خلال الرواية، لا يريد رفض الثقافة التاريخية والأدبية بالمطلق، لأن لها الكثير من الفوائد المعرفيّة التي قد تتصل ببعض جوانب الحياة للإنسان وببعض ألوان العبرة، ولكنه أراد من خلال ذلك التأكيد على الثقافة الإسلامية المتصلة بالمسؤوليات المعرفية والعملية للإنسان المسلم وعدم الانشغال عنها بالثقافة التي لا ترقى إلى مستوى الأهمية في حياة الإنسان على صعيد الدنيا والآخرة.
والهدف الأساس من العلم هو معرفة الحقيقة، ولذا، فإنَّ الإمام الكاظم(ع) أعطى الخطَّ في كيفيّة تعرّف الإنسان على الحقيقة الإسلاميّة، فعن يونس بن عبد الرحمن قال: "قلت لأبي الحسن الأول ـ الكاظم(ع) ـ بِمَ أوحِّد الله؟ قال: يا يونس لا تكن مبتدعاً، مَنْ نظر برأيه هلك ـ بعيداً عن الكتاب والسنّة ـ ومَنْ ترك أهل بيت نبيِّه ضلَّ، ومَنْ ترك كتاب الله وقولَ نبيِّه كفر". والمقصود من: "مَنْ نظر برأيه"، هو اعتبار استحساناته الذاتيّة أساساً لاعتبار الحكم الشرعيّ من غير حجّة شرعيّة من كتاب أو سنة، وهما المصدران الأساسيّان لأحكام الله..
ونلاحظ في هذا المجال أنَّ الإمام(ع) قد لا يقصد من الموقف السلبيّ من النظر بالرأي رفض حركة الرأي في الإنسان كوسيلة من وسائل التفكير في معرفة الأشياء، بل إنَّه يريد التأكيد على أنَّ الرأي في الحكم الشرعي لا بدَّ أن ينطلق من الوسائل التي جعلها الشارع المقدّس تأسيساً أو إمضاءً لاستنباطه.
ويريد التركيز ـ في الجانب المعرفي للإسلام ـ على الرجوع إلى أهل البيت(ع)، باعتبار أنهم حَمَلَةُ علم رسول الله(ص)، وهم المؤتمَنون على تفسير كتاب الله بما ألهمهم الله من ذلك، وبما ورثوه عن الرسول(ص)، وعلى الاعتماد على الكتاب والسنّة كمصدرين أصيلين أساسيين للمعرفة الإسلامية، فلا بد من الرجوع إليهما في كل القضايا، وهذا ما عبر الله عنه في كتابه: {فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59].
ملاحظات حول نص بعض الأحاديث
كما بيّنا في الأبحاث السابقة، فإنَّ الإمام الكاظم(ع) ملأ المرحلة الإسلاميّة التي عاشها علماً، فواجه كلَّ القضايا التي أُثيرت مما كان يختلف فيه الناس، ويتحدّث فيه المتحدّثون، وأعطى كلَّ قضية من تلك القضايا الحلَّ لما أشكلَ على الناس وحدّد المنهج لما افتقدوه..
انطلاقاً من هذا، نسجّل بعض الملاحظات على بعض الأحاديث التي تُنسب إلى الإمام الكاظم(ع)، فعن خلف بن حمّاد الكوفي قال: "تزوّج بعض أصحابنا جارية معصراً (هي المرأة التي قاربت الحيض) لم تطمث، فلما افتضّها سال الدم، فمكث سائلاً لا ينقطع نحواً من عشرة أيام، قال: فأروها القوابل، ومَنْ ظنوا أنَّه يبصر ذلك من النساء، فاختلفن، فقال بعضٌ: هذا من دم الحيض، وقال بعض: هو من دم العذرة (البكارة).. فسألوا عن ذلك فقهاءهم مثل أبي حنيفة وغيره من فقهائهم، فقالوا: هذا شيءٌ قد أشكل والصلاة فريضة واجبة، فلتتوضأ ولتصلِّ، وليمسك عنها زوجها حتى ترى البياض، فإن كان دم الحيض لم تضرّها الصلاة، وإن كان دم العذرة كانت قد أدّت الفريضة، ففعلت الجارية ذلك.
وحججتُ في تلك السنة، فلما صرنا بمنى، بعثت إلى أبي الحسن موسى بن جعفر(ع) فقلت: جُعلت فداك، إنَّ لنا مسألة قد ضقنا بها ذرعاً، فإن رأيت أن تأذن لي فآتيك فأسألك عنها، فبعث إليَّ: إذا هدأتِ الرِّجْل (أي إذا سكن الناس عن المشي والاختلاف) وانقطع الطريق، فأقبل إن شاء الله.. قال خَلَف: فرعيت الليل، حتى إذا رأيت الناس قد قلَّ اختلافهم بمنى توجهت.. فلما كنت قريباً إذا أنا بأسود قاعد على الطريق، فقال: مَنِ الرجل؟ فقلت: رجلٌ من الحاجّ (الحجيج)، فقال: ما اسمك؟ قلت: خلف بن حمّاد، فقال: ادخل بغير إذن، فقد أمرني أن أقعد هاهنا، فإذا أتيت أذنت لك.. فدخلت فسلَّمت فردَّ عليَّ السلام وهو جالسٌ على فراشه وحده، ما في الفسطاط غيرُه، فلما صرت بين يديه سألني وسألته عن حاله..
فقلت له: إنَّ رجلاً من مواليك تزوّج جارية معصراً لم تطمث، فلما افتضّها فافترعها سال الدّم، فمكث سائلاً لا ينقطع نحواً من عشرة أيام، وإنَّ القوابل اختلفن في ذلك، فقال بعضهنّ: دم الحيض، وقال بعضهنّ: دم العذرة، فما ينبغي لها أن تصنع؟ قال: فلتتقِ الله، فإن كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطّهر، وليمسك عنها بعلها، وإن كان من العذرة فلتتقِ الله ولتتوضّ ويأتيها بعلها إنْ أحبَّ ذلك، فقلت له: وكيف لهم أن يعلموا مما هي حتى يفعلوا ما ينبغي؟
قال: فالتفت ـ أي الإمام الكاظم(ع) ـ يميناً وشمالاً في الفسطاط (الخيمة) مخافة أن يسمع كلامه أحد، قال: ثم نهد (نهض) إليَّ فقال: يا خَلف، سرُّ الله فلا تذيعوه، ولا تعلّموا هذا الخلق أصول دين الله، بل ارضوا لهم ما رضيَ الله لهم من ضلال. قال: ثم عقد بيده اليسرى تسعين (أي وضع رأس ظفر مسبحة يسراه على المفصل الأسفل من إبهامها) قال: تستدخل القطنة ثم تدعها مليّاً، ثم تخرجها إخراجاً رفيقاً، فإن كان الدّم مطوّقاً في القطنة فهو من العذرة، وإن كان مستنقعاً في القطنة فهو من الحيض.. قال خلف: فاستخفّني الفرح، فبكيت، فلما سكن بكائي، فقال: ما أبكاك؟ قلت: جُعلت فداك، مَن كان يحسن هذا غيرُك، قال: فرفع يده إلى السماء، وقال: والله إنّي ما أخبرك إلا عن رسول الله(ص) عن جبرائيل عن الله عزَّ وجلّ"(30).
حول الرواية
إننا نلاحظ في هذا الحديث الكلمة المنسوبة إلى الإمام(ع): "سرُّ الله فلا تذيعوه ولا تعلّموا هذا الخلق أصولَ دين الله، بل ارضوا لهم ما رضيَ لهم الله من ضلال".
إنَّ هذا المنطق ـ بظاهره ـ ليس منطق أئمة أهل البيت(ع)، لأنَّ الشريعة في ما تمثّله من أحكام الله ليست أسراراً مخفيّة باطنيّة يختصُّ بها بعض الناس دون بعض، بل هي للناس جميعاً، فلا بدَّ من تبليغهم إيّاها بكلِّ مفرداتها من قِبَل الرسول(ص) وخلفائه من أئمة أهل البيت(ع)، بكلِّ الوسائل الممكنة، ولا سيما مثل هذه الأحكام الفرعيّة التي لا تتصل بأيِّ وضع عام حسّاس كقضية الخلافة ونحوها، مما قد يبدو للذهن أنَّ إثارتها في بعض الحالات قد يحدث بعض المشاكل العامة للنّاس أو لأهل الحقِّ بالذات.
إنَّ طبيعة المنطق هي أن يطلب الإمام من هذا الرجل إيصال هذا الحكم إلى مَنْ حوله من الناس الذين اختلفوا في هذه المسألة، ولو بالطريقة التي لا ترتبط بالإمام(ع) إذا كان هناك ما يمنع من نسبتها إليه، وذلك بأن ينسبها إلى بعض الاجتهادات الكثيرة الموجودة في السَّاحة، لأنَّ المذهبيّة الشاملة لم تكن معروفةً لدى الأمة انذاك.
ثم ما معنى "ولا تعلّموا هذا الخلق أصول دين الله، بل ارضوا لهم ما رضيَ لهم الله من ضلال"؟ وكيف يمكن للناس أن يعرفوا أصول الدين إذا انطلقت الدعوة في النهي عن التعليم للجاهلين منهم، والهداية للضالين منهم؟ وكيف نرضى لهم الضلال إذا كان ضلالهم ناشئاً عن ابتعادهم الطبيعي عن المواقع الحقيقيّة للهداية الإلهيّة، وقد يُحتمل أن يكون المراد هو الناس الذين يرفضون اتّباع أهل البيت(ع)، بحيث يرفضون أيَّ مفهوم إسلاميّ، أو أيّ حكم شرعي منسوب إليهم، لمجرد ارتباطه بهم بغضاً وعداوةً لهم، ليكون ضلالهم منطلقاً من حالة عناد يعرف الحقيقة وينكرها، لا من حالة حيرة يريد أن يبلغها بأيِّ طريق..
وعلى كلِّ حال، فإنَّ مثل هذه الظواهر توحي بالمنطق العكسيّ للنهج الذي يتحرّك فيه الأئمة(ع) في منهج الدعوة إلى الله، وفي تبليغ كلِّ الأحكام الشرعيّة للناس كافةً، وفي مراقبة كلِّ الانحرافات الطارئة فيما هو الخطُّ المستقيم للشرعية لإعادة الناس إليه.
إنَّ مثل هذه الظواهر تسيء إلى الصورة المشرقة للأئمة(ع)، لذلك، فلا بدَّ أن يكون الراوي قد أساء التعبير في ما فهمه من كلام الإمام الكاظم(ع) الذي كان يريد أن يتحدّث عن المسألة في دائرة الضغوط التي كان الحكم يمارسها ضدَّهم، والمجتمع الذي كان يتبعه في ذلك، ما جعل الأئمة(ع) يبتعدون عن قيادة الحركة التثقيفية للأمة بالإضافة إلى إبعادهم عن قيادة الحركة السياسيّة، الأمر الذي قد يجعل مسألة التعليم من شيعة أهل البيت(ع) مسألة خطرةً على الذين يقومون بهذه الرسالة.
وفي ضوء هذه المناقشة، فإنَّ من الضروريّ تقديم أمثال هذه الأحاديث إلى القرّاء المسلمين مع دراسة توضيحيّة، بمثابة الملحق للحديث، لإلقاء الضوء على طبيعة الظروف التي أمْلَت على الإمام(ع) التحدّث بمثل هذه الطريقة، ونوعيّة القضيّة التي يريد تركيزها بذلك، مع التأكيد على ملاحظة مهمّة، وهي: أنَّ الرواة قد ينقلون الكثير من الكلمات بالمعنى، وقد يغفلون عن خصوصيّات الجوّ، وطبيعة الإيحاءات..
المصادر:
(24)الاختصاص، ص:381.
(25)الكافي، ج:1، ص:57.
(26)المصدر نفسه.
(27)الإرشاد، ص:235.
(28)الكافي، ج:1، ص:111.
(29)المصدر نفسه.
(30)الكافي، ج:3، ص:92. بحار الأنوار، ج:48، 112ـ113. |