الإمام علي بن موسى الرضا(ع) سماتٌ رساليّة |
إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
يحدّد الإمام الرضا(ع) ملامح الروح الرساليّة التي ينبغي للمؤمن أن يعيشها في حياته، والتي تفتح أمام عينيه الآفاق الرحبة التي تنفتح على مسؤولياته في الدنيا والآخرة، فيقول(ع): "إنَّ الله عزَّ وجلّ أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة أخرى: أمر بالصلاة والزكاة ـ والزكاة تشمل كلَّ ما فرضه الله تعالى على الإنسان من حقوق مالية ـ فمن صلّى ولم يزكِّ لم تُقبل منه صلاته ـ لأنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وحَبْسُ حقوق الله عمن أمر الله أن تُعطى له هو من المنكر والفحشاء، باعتبار أنَّها تجاوزٌ للحدود.. والصلاة مدرسةٌ تربّي الإنسان على طاعة الله في كلِّ شيء ممّا أمر به، وعلى البعد عن معصيته مما نهى عنه ـ وأمر بالشكر له وللوالدين، فمن لم يشكر والديه لم يشكر الله ـ فمن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لأنَّ الشكر يعبّر عن حالةٍ نفسيّة وجدانية في التقدير لإحسان المنعم عليه واستجابته لفضله وتفاعله النفسي والعملي معه، بقطع النظر عن طبيعته وموقعه، وبذلك يكون امتناعه عن شكر المخلوق دليلاً على أنَّه لا يعيش مبدأ الشكر في نفسه.. وأيُّ مخلوق يملك نعمةً على مخلوقٍ آخر أكثر من الوالدين؟ ـ وأمر باتقاء الله وصلة الرحم، فمن لم يَصِلْ رحمَه لم يتقِ اللهَ عزَّ وجلَّ"، لأنَّ الله أمر بصلة الرحم، ما يفرض على الإنسان القيام بذلك طاعةً لله، فمن لم ينفتح على الأرحام بالصلة كان منحرفاً عن خطّ التقوى بانحرافه عن خطِّ الطاعة لله في ذلك.
إعانة الضعيف
وعن ضرورة وأهمية إعانة الضعيف، يقول(ع): "عونك للضعيف أفضل الصدقة"، إذا كان هناك إنسانٌ يعيش حالة ضعفٍ في قوّته، وأراد منك أن تنصره بقوّتك لتنقذه من الظلم الواقع عليه، أو كان ضعيفاً في علمه وأراد منك أن تعطيه ما يقوّيه علميّاً، أو في أيِّ جانب من الجوانب التي يتحرّك فيها الضعف والقوّة، فإنَّك إذا أعنت الضعيف في ذلك كلِّه، فإنَّ الله تعالى يكتب لك أجراً أفضل مما إذا تصدّقت عليه، لأنَّ قيمة الصدقة أنَّها تسدُّ حاجته المالية، أما إذا أنقذته من ضعفه وأعطيته قوّةً من قوّتك، فإنَّ هذه القوة التي تعطيها له تمنحه الكثير من النتائج الطيّبة في حياته أكثر مما لو أعطيته مالاً.
العقل الصديق
ثم يحدّثنا الإمام(ع) عن نوع آخر من الأصدقاء والأعداء. نحن نعرف أنَّ الأصدقاء هم الناس الذين يوادّوننا ونوادُّهم ويعاونوننا ونعاونهم، لكنَّ الإمام الرضا(ع) يقول لنا: "صديق كلِّ امرىءٍ عقلُه ـ لأنَّ العقل هو الذي يحدّد لك الحسنَ والقبيح، وهو الذي يفكّر لك، فيميّز بين ما يضرُّك وما ينفعك، وهو الذي يحدّد لك طريقك إلى الجنّة أو إلى النار، وقد ورد أنَّ العقل "هو ما عُبِد به الرحمن وعُصِي به الشيطان" ـ وعدوّه جهله"، لأنَّ هذا الجهل يحجّم عقلك ويمنعك من وضوح الرؤية للأمور، ويسير بك عكس الطريق، ومن الطبيعي أن يكون عدوّاً لك، لأنَّه يؤدي بك إلى الكفر والضلال والفسق والفجور، وإلى الإسراع بالخطى إلى نار جهنّم.
فالإمام(ع) يريد أن يؤكّد لنا قيمة العقل لدى الإنسان، والعقل هو هذه القوّة المفكِّرة التي تحسب للإنسان حسابات الأشياء بكلِّ دقّة، والتي يحصل عليها الإنسان من خلال ما يتأمله وما يجرّبه. وعندما يعيش الإنسان مع عقله، فإنَّ عليه أن يسأله عن كلِّ خطوةٍ يخطوها، وعن كلِّ كلمة يتكلّمها، وعن كلِّ علاقة ينشئها.. فالعقل هو الصديق الذي لا يحدّث الإنسان عن أرباح الدنيا وخسائرها فحسب، ولكنّه يحدّثه بالإضافة إلى ذلك عن أرباح الآخرة وخسائرها، لأنَّ العقل يريد للإنسان السعادة والخطَّ المستقيم لحياته في الدنيا والآخرة. ومن هنا، فإنَّ الإمام الرضا(ع) يوصي الإنسان بألاَّ يترك صديقه الذي هو عقله ويتّبع غريزته والجهل الذي يفرضه عليه الناس، وعندما تختلط عليه الأمور فليسأل عقله، أو عندما تضيع معالم الطريق فليسأل عقله، وليحاول أن يستعين على عقله بالشورى في ما يشاور به الرجال، حتى ينضمّ عقله إلى عقول الآخرين، وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين عليّ(ع): "من شاور الرجال شاركها في عقولها"(31).
وفي الحياة هناك دائماً عقلٌ وهناك جهل، والله تعالى جعل العقل حجّةً علينا يوم القيامة، حيث يحتجُّ علينا سبحانه وتعالى بعقولنا ووجداننا: {وقالُوا لو كُنَّا نسمعُ أو نعقِلُ ما كُنَّا في أصحاب السعير* فاعترفوا بذنبهم ـ أنَّهم كانوا لا يعقلون ولا يسمعون الكلمة العاقلة من العقلاء عندما تنفذ إليهم ـ فَسُحْقَاً لأصحاب السّعير} [الملك:10ـ11]. وقد حدّثنا الله تعالى عن الذين لهم قلوبٌ لا يعقلون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها، ولهم أعينٌ لا يُبصرون بها.. فلننطلق بكلِّ هدوء من أجل أن نستعمل عقولنا، فنحاور ونرسم الخطط من خلالها، لأنَّ مشكلتنا في واقعنا الذي نعيش فيه، أنَّ الجهلة الذين قد يملكون قوّة المال أو السلاح أو السلطة، هم الذين يفرضون علينا جهلهم. لذلك، لينطلق أهل العقل في المجتمع من أجل أن يجعلوا العقل هو السبيل الذي يلتقي عليه الجميع، وعلينا أيضاً أن ننمّي عقولنا، فلا نقرأ إلاَّ ما يفيدها، ولا ننظر إلاَّ إلى ما يحصّن عقولنا، ولا نستمع إلاَّ إلى ما يرفع مستوى عقولنا. وقد قال تعالى: {فبشّرْ عبادي* الذين يستمعون القولَ فيتّبعون أحسنه* أولئك الذين هداهُم الله وأولئك هم أولو الألباب} [الزمر:17ـ18].
ثم إنّ العقل هو الذي يمنح الإنسان علمه بالتأمل في موارد العلم ومصادره، وبالتجربة التي يتابعها العقل في حركة الإنسان في الواقع، ويدفع به إلى السعي والبحث والملاحقة لأسرار الحياة في نظامها الكوني وفي حياة الإنسان والدراسة للتاريخ في قضاياه التي تمنح الإنسان الدرس والعبرة والتخطيط للمستقبل الذي يقبل عليه في صناعة حياته. وهكذا يقف العقل ليقود المسيرة الإنسانية التي ترتفع بالإنسان في مجالات الاكتشاف والإبداع والتنمية لكل الطاقات المادية والمعنوية. وهذا هو الذي يجعله الصديق الأوفى للإنسان عندما يتحرّك معه في كلِّ أموره وقضاياه ويشرف على حاضره ومستقبله..
ثلاث سُنَن
إننا ونحن نتحدّث عن الإمام الرضا(ع)، فلنستهديه بما كان يحدّث به حضّار مجلسه، لأننا نريد أن نستدعيه إلينا، ليزورنا في مجتمعاتنا، لأنَّ مسألة أن يزورنا عظماؤنا، هي أن نعيش الحضورَ معهم في كلِّ كلماتهم ووصاياهم. كان(ع) يحدّث أصحابه ويقول لهم: "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال: سُنّةٌ من ربِّه ـ يأخذ خصوصيّة من أخلاق الله ـ وسُنّةٌ من نبيِّه ـ ويأخذ خصوصيّة من خصوصيّات أخلاق النبيِّ(ص) ـ وسُنّةٌ من وليِّه ـ من أولياء الله، وفي طليعتهم الأئمة من أهل البيت(ع) ـ فأمّا السُّنّةُ من ربِّه فكتمان سرِّه، قال الله عزَّ وجلّ: {عالِمُ الغيب فلا يُظهرُ على غيبه أحداً* إلاَّ من ارتضى من رسول} [الجن:26ـ27] فالله تعالى يكتم سرَّه الغيبـي الذي يحتفظ به لنفسه من خلال حكمته في ذلك، إلاَّ عن الذين يراهم أمناء على السرِّ ويجعلهم مستودَع سرِّه في الأمور التي يريد لهم أن يعرفوها في حاجاتهم الرسالية. لذلك تخلّق أيُّها المؤمن بأخلاق الله، ولتكن لديك هذه السُّنّة من الله. اكتمْ سرَّك ولا تحاول أن تفضحه وتطلقه كيفما كان، لأنَّ افتضاح سرِّك قد يقتلك ويعقّد حياتك، ويسيء إلى مَن حولك، ويدمّر المجتمع الذي تحتفظ أنت بسرِّه.. وليكن صدرك خزانة سرِّك، فلا تُعطِ سرَّك إلاَّ للأمين الأمين، الذي لا يحاربك بسرِّك إذا اختلفت معه، ولا يستغلّ سرَّك ضدَّك.. وإذا كنت لا تستطيع أن تحفظ سرَّك في صدرك، فكيف تريد من الآخرين أن يحفظوه؟ لذلك، احفظ سرَّك جيّداً، وسرُّك قد يكون أمراً يتعلّق بنفسك، أو يتعلّق بأمتك وبوطنك وبالنّاس الذين تعيش لهم ومعهم.. لذلك، تعلم من ربِّك سبحانه أن تكتم سرَّك، كما يكتم الله سرَّه، فذلك هو الوسيلة الفضلى لحماية أمورك الحيوية، ثم يقول(ع): "وأمَّا السّنَّةُ من ربِّه فمداراة الناس أن تداري الناس"، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أمر نبيّه بمداراة الناس، فقال سبحانه: {خُذِ العفوَ وأمُرْ بالعُرف وأعرضْ عن الجاهلين} [الأعراف:199] وليس معنى مداراة الناس أن تنافق عليهم. ونحن نعرف أنَّ لكلِّ مجتمع حساسياته الشخصية والعائلية والمذهبية والطائفية والسياسيّة والحزبية، وإنَّك عندما تتعامل مع هذا المجتمع، فليس من الضروريّ أن تتحدّث بكلام تسبُّ فيه الناس ومقدساتهم، لأنَّ الله تعالى أمرنا في جدالنا وحوارنا مع الناس بقوله تعالى: {وَقُلْ لعبادي يقولوا التي هي أحسن} [الإسراء:53] ويقول سبحانه: {ادعُ إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل:125].
إذاً، معنى المداراة أن تتعامل مع المجتمع وتدخل معه في حوار، من دون أن تثير حساسيّاته وعصبيّاته التي تؤدي إلى الانفعال والتباغض والتحاقد. وقد حدّثنا الله تعالى عن تجربة النبيِّ(ص) في هذا المجال، فقال سبحانه: {فَبِمَا رحمةٍ من اللهِ لِنْتَ لَهُم وَلَوْ كنتَ فظّاً غليظَ القلب لانفضُّوا من حولك} [آل عمران:159].
لذلك، كن رقيق اللسان حتى مع خصمك، كن رقيق القلب حتى مع من يعارضك، افتح قلبك للناس تنفتح قلوب الناس لك، وليِّن لسانك للناس تَلِنْ مشاعرُهم لك، وهذا ما يريده الله ورسوله. وتعلّم أن تقول الحقيقة بالحكمة من دون إثارة للمشاكل المتنوعة والعصبيات المثيرة، ويتابع الإمام الرِّضا(ع) فيقول: "وأمَّا السُّنَّة من وليِّه فالصبرُ في البأساء والضرّاء"، أن تصبر إذا واجهك الفقر والضرر والمرض وكلّ المشاكل، وهذه وصيّة أمير المؤمنين عليٍّ(ع): "وعليكم بالصبر، فإنَّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا خير في جسد لا رأس معه، لا خير في إيمان لا صبر معه"(32). والصبر هو القوة الروحية التي تجعلك تتمرّد على الحرمان من شهواتك ولذاتك وأطماعك ونزواتك وعصبياتك، وتسيطر على نقاط ضعفك، وتواجه التحديات بالعقل والحكمة والاتّزان، وتركز إرادتك على التحمل، فلا تهن ولا تجزع ولا تصرخ أمام الملمّات أو الصدمات أو النكبات، ولكن تبقى كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف في مواقع العزيمة والقوّة، على هدى قول الله تعالى: {واصبر على ما أصابك إنّ ذلك من عزم الأمور} [لقمان:17]، وبذلك يبرز الصبر ليكون في موقع الرأس من الجسد من خلال موقعه من الإيمان، لأن المؤمن يواجه في إيمانه الكثير من التحديات في نفسه وماله وأهله، مما قد يترك تأثيره على مواقفه النفسية والعملية بالكثير من حالات التراجع أو الاهتزاز، الأمر الذي يفرض عليه الصمود أمام ذلك كلِّه للحفاظ على إيمانه، فإذا لم يأخذ بأسباب الصمود، سقط الإيمان كله كما تسقط الحياة في الجسد إذا سقط الرأس منه.
ثلاث خصال
ويرى الإمام الرضا(ع) أنَّ على المؤمن أن يتحلّى بخصال ثلاث حتى يستكمل حقيقة الإيمان، فيقول(ع): "لا يستكمل عبدٌ حقيقة الإيمان، حتى يكون فيه ثلاث خصال: التفقّه في الدين ـ لأنَّ الإنسان الذي لم يتفقّه في دينه وعقيدته وشريعته ومنهجه وحركته وفي كلِّ ما يحيط به، فإنَّه يمشي على غير هدى.. وكيف يمكن أن يكون مؤمناً من لا يعرف مفردات الإيمان وخطوطه، لأنَّ الإنسان الذي يجهل دينه ربما يُغريه الآخرون بالكفر بعنوان أنَّه الدين، وبالباطل بعنوان أنَّه الحقّ، لذلك، لا بدَّ من التفقّه في الدين، وقد ورد في الحديث: "أفٍّ لامرىءٍ لا يفرّغ نفسه في كلِّ يومٍ للتفقّه في الدين".
وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: قال أبو الحسن الرِّضا(ع): "من علامات الفقه الحلم والعلم والصمت"، والفقه هو الوعي والفهم، فالإنسان الواعي حليمٌ لا يبادر إلى من أساء إليه أو من آذاه بردِّ الفعل القاسي، بل يتسع صدره لاحتواء السلبيّات التي تُوجّه إليه بحلم ووداعة، والذي يعيش الوعي لا بدَّ أن يستخدمه في تحصيل العلم وإنتاجه، وأن يكون صامتاً، باعتبار أنَّ الصمت ينفتح على التأمّل والتفكير "إنَّ الصمت بابٌ من أبواب الحكمة"، لأنَّ الإنسان عندما يصمت، فإنَّه يفكّر ويتأمّل ويتدبّر، فيلتقي بالحكمة في كلِّ ما يفكّر فيه وكلِّ ما يعمله.
ونعود إلى الخصال الثلاث التي يتحدّث عنها(ع) فيقول: "وحُسنُ التقدير في المعيشة ـ لأنَّ المؤمن هو الإنسان الذي يعرف كيف ينظّم أموره ويقدّرها، بأن لا يتجاوز في حاجاته قدراته، وهذه الكلمة تمتدُّ إلى أن يقدّر المؤمن في معيشته مواقفه وعلاقاته وطبيعة حياته الزوجية، وما إلى ذلك، حتى يضبط معيشته وينظّمها، ويقف فيها على خطِّ التوازن، فلا يسقط أمام حاجاته ـ والصبر على الرزايا". وفي الصبر جائزةٌ كبيرةٌ، لأنَّ الله تعالى يصلّي على رسوله(ص) وعلى الصابرين، وذلك هو قوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة:155ـ157].
العبادة في أبعادها الرساليّة
ونكمل مع الإمام الرضا(ع)، حيث نريد أن نأخذ شيئاً من كلماته، حتى نستطيع أن نستفيد من دروسه في حياتنا الاجتماعية، فمن بعض كلماته المرويّة عنه، أنَّه قال(ع): "ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة، وإنَّما العبادة كثرة التفكّر في أمر الله"، فليس المقياس في العبادة كثرة صلاتك وصومك، لأنَّه ربما تكثر صلاتك وصومك من دون معرفةٍ ووعي، ومعنى العبادة الخضوع لله تعالى، ومسألة الخضوع مسألةٌ تتصل بالعقل، فبمقدار ما تعرف الله أكثر في عقلك، بمقدار ما يخشع عقلك له سبحانه، والعبادة هي الخضوع لله في قلبك، بأن يخشع قلبك لذكر الله تعالى، فلا يمكن أن يرتجف قلبك بذكر الله إلاَّ إذا كنتَ عارفاً بالله. فالإمام الرِّضا(ع) يطلب منا أن نتفكّر في عظمة الله من خلال عظمة خلقه في كلِّ أسرار الخلق، وأن نتفكّر في نِعَم الله علينا، فإذا ازداد تفكيرنا في ذلك كلِّه، عندها تكبر معرفة الله في عقولنا، فتخشع عقولنا لذكر الله، وتكبر عظمة الله في قلوبنا، فتخشع أيضاً قلوبنا لذكر الله.. وعلى هذا الأساس، إذا عظم الله في قلب الإنسان وعقله، تكون صلاته صلاة الإنسان الخاشع لربِّه والخاضع بين يديه.. أما الإنسان الذي لا يعرف الله، ولا تتربّى عظمة الله في نفسه، فإنَّه قد يصلّي، ولكنّه لا يعرف من صلاته أيَّ معنى، لأنَّ عالَم العبادة عالمٌ داخليّ، فعندما يصلّي عقلُ الإنسان وقلبه وأحاسيسه ومشاعره ولسانه وبدنه، فإنَّه ينفتح على كلِّ مسؤولياته أمام الله.
الأمين والخائن
ومن كلمة له(ع) يعالج فيها قضايا بعض الناس الذين يأتمنون بعض الأشخاص من دون توثيق ودراسة، ومن دون أن يسألوا عن أمانتهم، فيقول(ع): "لم يخنك الأمين ولكن ائتمنت الخائن"، فالأمين لا يخون، ولكنَّك ربما أنت لم تميّز بين الأمين وغير الأمين، ولم تدرس الإنسان الذي تأتمنه على مالك وسرِّك وعرضك ووطنك.. حتى عندما تريد أن تزوّج ابنتك فلا تنظر إلى نسبه وماله، ولكن ادرس خُلُقَه ودينه، لأنَّ ابنتك لن تعيش مع آبائه وأجداده لتقول إنَّ فلاناً ابنُ نَسَبٍ عريق، ولا تعيش مع ماله، ولكنها ستعيش مع أخلاقه التي تمثّل معنى الأمانة في شخصيته.. وفي ضوء ذلك، لا بدَّ للإنسان من الدقّة في دراسة الإنسان الآخر الذي يضعه في موقع الائتمان، لا سيما إذا كان ذلك الموقع متصلاً بالقضايا الحيويّة في حياته أو مصيره ومستقبله.
خيار العباد
وسُئِل(ع) عن خيار العباد، فقال: "الذين إذا أحسنوا استبشروا ـ فرحاً بالإحسان من خلال روحيّة المحبة للناس، والفرح بالقيمة الأخلاقية المتحرّكة في ذاته، وذلك في عملية تأكيد لمعنى الخير عنده ـ وإذا أساؤوا استغفروا ـ وتابوا إلى الله ولم يسوّفوا التوبة وقالوا غداً نتوب، لأنَّ الغد قد يأتي وهم تحت التراب. وعلى هذا، فالإساءة تُثقِل نفوسهم وتسيءُ إلى مصيرهم بما تؤدي إليه من سخط ربِّهم، فيحاولون أن يتخفّفوا من ذلك بالاستغفار الذي يحصلون به على مغفرة الله الذي أخذ على نفسه الغفران للمستغفرين التائبين ـ وإذا أُعطوا شكروا ـ اعترافاً بجميل المعطي وتقديراً لفضله ـ وإذا ابتُلوا صبروا ـ بما يعبّر عنه الصبر من تماسك العقل والإرادة والحركة ـ وإذا غضبوا غفروا"، من خلال روحيّة العفو عن الناس الذين يثيرون غضبهم بالإساءة. ثم يقول(ع) في إشارة إلى العمّال ولكلِّ العاملين في سبيل عيالهم مع المحافظة على خطِّ التقوى في كلِّ عملهم وتجارتهم وسعيهم: "إنَّ الذي يطلب من فضلٍ يكفُّ به عياله أعظمُ من المجاهد في سبيل الله"(33)، لأنَّ هذا الإنسان يعيش روح المسؤولية العائليّة، فيجهد نفسَه ويُتعب جسدَه ويستهلك وقته، مما يؤدّي إلى قوّة المجتمع وتوازنه وحريته كما هي نتائج الجهاد.
وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: "أصبحت بأجلٍ منقوص ـ تحفظه الملائكة في كتاب الأعمال، وكلُّ يوم تنزل ورقةٌ من روزنامة أعمارنا ـ وعمل محفوظ، والموت في رقابنا ـ محيط ـ والنار من ورائنا ـ إذا عصينا ـ ولا ندري ما يُفعل بنا" من مغفرة ورحمة أو سخط ونقمة.
إنَّ هذه الكلمات تعبّر عن وعي الإنسان لصباحه في برنامجه اليوميّ من خلال وعيه لنقصان عمره في تجدّد الزمن ودور عمله في مصيره واستقباله الموت المحتوم في أجله، ما يجعله يواجه يومه بالمسؤوليّة المتصلة بذلك كلِّه.
وفي الجانب الأخلاقيّ، هناك بعض الأحاديث التي وردت عن الإمام الرضا(ع).. فعن الحسن بن الوشّاء، أنَّ الرضا(ع) قال: "من فرّج عن مؤمنٍ كربةً فرّج الله عن قلبه يوم القيامة"، من دفع عن أخيه سوءاً وأذىً وغمّاً وهمّاً، فإنَّ الله سبحانه وتعالى سوف يُدخل السرورَ على قلبه يوم الفزع الأكبر، لأنَّ الإنسان في ذلك اليوم يعيش الأهوال المرعبة: {يَوْمَ يفرُّ المرء من أخيه* وأمِّه وأبيه* وصاحبتِه وبَنِيه} [عبس:34ـ36]، ففي هذه الأجواء المذهلة، يفرّج الله عن قلبه، فيفتحه على السرور جزاء ما فرّج به عن كربة المؤمن في دار الدنيا. وهذا هو النهج الإسلامي الأخلاقي الذي يفتح وعي الإنسان المؤمن على كربات المؤمنين، ليحمل همومهم، وليتحرّك بجهده الإنساني في تفريجها بما يملك من الخبرة والقوة والانفتاح على الحلول الواقعيّة للمشاكل الإنسانية التي تثقل المرء وتكربه.
تبعات الذنوب
وعن العبّاس بن هلال قال: سمعت الرضا يقول: "كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون"(34)، فالإمام الرضا(ع) يقول إنَّ الذنوب التي نهى الله عن ارتكابها تشتمل على نتائج سلبيّة على حياتهم، فالله تعالى عندما ينهى عن شيء، فإنَّما ينهى عنه لغاية في ذاته، لأنَّه تعالى غنيٌّ عما نفعل وعما نترك، لكنّه ينهى الإنسان، لأنَّ المنهيَّ عنه إذا ارتكبه الإنسان وقع في أكثر من مشكلة. ولذلك، فإنَّ الذنوب تجتذب البلاء والسلبيّات بحسب طبيعتها وعناصرها. ولعلنا نستوحي ذلك من قوله تعالى: {ظهرَ الفسادُ في البرِّ والبحر بما كسبت أيدي النّاس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلّهم يرجعون} [الروم:41]، أي أنَّك تذوق نتيجة عملك عندما تعيش الفساد الذي تتمثّل فيه الآلام والمشاكل. وفي ضوء ذلك، لا بد للإنسان من التفكير بأن الذنوب التي يقوم بها لا تمثل مجرد استجابةٍ للذة أو شهوة أو رغبة، بل تمثل عالماً من المشاكل التي تنفذ إلى حياته وحياة الناس من حوله، فتتحوّل إلى بلاء في أنفسهم وأموالهم العامة والخاصة، ما يفرض عليهم أن يفكروا في الأمور التي تتصل بالذنوب في هذا الاتجاه.
استعمال العدل ودوام النعمة
وفي مسألة العدل، يقول(ع): "استعمال العدل والإحسان مُؤذِنٌ بدوام النعمة ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله". عندما تستعمل العدل في حياتك، فتكون عادلاً مع نفسك، فلا تظلمها بالكفر والفسق والضلال، وتكون عادلاً مع أهلك فلا تظلمهم بسلطتك، وتكون عادلاً مع ربِّك فلا تشرك به شيئاً، وتكون عادلاً مع الناس فتعطي لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، وإنَّك عندما تُحسن إلى النّاس وتبرّهم وتتعامل معهم برفق ومحبّة، فإنَّ الله تعالى سيديم نعمته عليك، لأنَّه سبحانه وتعالى سوف يشكر لك ذلك، ومعنى شكر الله أنَّه تعالى يزيد في نعمتك ويديم هذه النعمة. وربما يؤدي العدل والإحسان إلى واقع حيّ في حياة الإنسان العادل المحسن والمجتمع العادل المحسن في دوام النعمة المتنوّعة في الفرد والمجتمع ارتباطاً للنتيجة بمقدّماتها.
التواضع ومعرفة النفس
وجاء في كلام الإمام الرضا(ع)، وقد سأله شخصٌ عن حدِّ التواضع الذي هو من الصفات الطيّبة الحسنة التي يريد الله تعالى للناس أن يعملوا على أساسها، فقال: "التواضع درجات، منها أن يعرف المرءُ قَدْرَ نفسه فيُنزِلُها منزلتها بقلب سليم"، قد يستعرض الإنسان عضلاته أمام الناس وينفخ شخصيته، لكنّه عندما يجلس مع نفسه، فإنَّه يفهمها، لأنَّ الإنسان مكشوفٌ أمام نفسه ويعرف نقاط ضعفه، والإمام(ع) يريد للإنسان أن يجلس مع نفسه، ليدرس نقاط ضعفه وقوّته.. ومشكلة الكثيرين بيننا أنّهم لا يدرسون أنفسهم ولا يعرفونها، لذلك، ادرس نفسك، فإذا وجدت نقطة ضعف فحاول أن تحوّلها إلى نقطة قوّة، وإذا وجدت نقطة قوّة فحاول أن تزيدها وتنمّيها، فإذا عرفنا أنفسنا، فإنَّنا نعرف كيف نتعامل مع بعضنا البعض، وقد ورد في دعاء "مكارم الأخلاق" للإمام زين العابدين(ع)، والذي أوصي بقراءته كلَّ يوم، لأنَّه يمثّل البرنامج الأخلاقي الإسلامي: "اللهمّ لا ترفعني في الناس درجةً إلاَّ حططتني عند نفسي مثلها، ولا تُحدث لي عزّاً ظاهراً إلاَّ أحدثت لي ذِلّةً باطنةً عند نفسي بقَدَرِها"، وهذا هو الذي يجعلنا ندخل في مقارنة دقيقة عادلة بين ما نملك من طاقات ومواصفات وما يملكه الآخرون من ذلك مما لا نملكه، فنتواضع لهم تقديراً لما يتمتعون به من الفضائل وما يملكونه من الطاقات الحية الفاعلة. ولعل مشكلة المتكبّرين أنهم لا يعرفون أقدار أنفسهم، فلا يعرفون أقدار الناس فيتكبرون عليهم.
الحسّاد صغار العقول وضعاف الإيمان
وينقل الإمام الرضا(ع) في بعض كلماته عن رسول الله(ص) حديثاً يتحرّك فيه بعض الناس، فيقول: "حدّثني أبي عن آبائه عن عليٍّ(ع) قال: قال رسول الله(ص): دبَّ إليكم داءُ الأمم قبلكم: البغضاء والحسد"، والنبيُّ(ص) يتحدّث وهو يراقب أمته التي أراد أن يبني لها قاعدتها على المحبة والتراحم، ولكنه(ص) رأى أنَّ بعض الناس من حوله يعيشون البغضاء من خلال عصبيّة عائليّة أو شخصيّة أو ما إلى ذلك من العصبيّات التي تثير الحقد في النفوس، فيرى(ص) في خطابه للأمة أنّ هذا المرض الذي أردت أن أنقذكم منه، قد دبَّ إليكم، فأصبحتم تتباغضون وأنتم المسلمون، وتتحاقدون وأنتم المؤمنون، يحمل كلُّ واحدٍ منكم روح التدمير والإسقاط للآخر، فأصبحتم تحسدون بعضكم بعضاً، ويتحرّك الحسد من أجل أن يدفعكم للبغي على بعضكم البعض، ولو كنتم مؤمنين جيّداً، لعرفتم أنَّ الله تعالى إذا أعطى بعضكم نعمةً، فإنَّه يمكن أن يعطيكم هذه النعمة من دون أن يزيلها عن الناس الآخرين، فلماذا تضيّقون رحمة الله؟ وليقل الواحد منكم: يا رب، أعطني كما أعطيت فلاناً، وأبقِ له نعمته، لأنَّك الواسع في رزقك، ولأنَّ خزائنك لا تنفد.
لذلك، فالحسّاد هم أناسٌ صغار العقول وضعاف الإيمان، لأنَّ الإنسان الذي يتمنّى زوال نعمة غيره ليحصل هو عليها، عليه أن يعرف أنَّ الله تعالى يعطيه ويعطي غيره، كما خلقه وخلق غيره. وقد جاء شخصٌ إلى رسول الله(ص) يستأذنه بالدعاء له ولنفسه، فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحدٍ غيرنا، فقال له رسول الله(ص): "يا هذا، لقد ضيّقت واسعاً"، لأنَّ رحمة الله وسعت كلَّ شيء... والحسد يوحي بضعف الهمّة، فالمحسود عمل واجتهد واستطاع أن يصل، أما الحاسد، فهو الخامل الذي عطّل قدراته، وذهب إلى حيث الحسد يأكل قلبه وراحته وروحه.
والإمام الرِّضا(ع)، وإن كان يتحدّث عن الموضوع في زمانه، فإنَّه يتحدّث عن زماننا أيضاً، لأنَّ كثيراً من مشاكلنا واختلافاتنا وبغينا وظلمنا لبعضنا البعض، إنَّما ينطلق من هذه البغضاء التي تحصل بين المؤمنين والمسلمين، ومن هذا الحسد الذي يتحرّك في قلب المجتمع المؤمن، والشيطان يضحك مقهقهاً أنَّه استطاع أن يُبعدنا عن أخوّة الإيمان ومحبته.
وقد انعكس كلُّ ذلك سلباً على الواقع الإسلامي العام الذي سيطرت عليه العصبيات المنتجة للبغضاء والمثيرة للحسد، فتحرّكت السلبيات النفسية والكلامية والحركية على كل صعيد، فلم يعد الحوار والجدال بالتي هي أحسن هو الطابع الذي يتمثّل فيه الاختلاف الفقهي والكلامي والاجتماعي، بل أصبح الطابع طابع التكفير والتضليل والسباب والشتائم، مما ينطلق فيه الحقد والحسد ليعبّر عن نفسه بهذه الوسائل الخبيثة، وهذا هو ما أراد الإمام الرضا(ع) أن يخلّصنا من نتائجه وينقذنا من مشاكله.
المصادر:
(31)نهج البلاغة، قصار الحكم،161.
(32)نهج البلاغة، قصار الحكم،82.
(33)الكافي، ج:2، ص:305. |