|
| الإمام الصادق(ع) والتحذير من الظلم |
مَن لا يهمُّ بظلمٍ يُغفر له
في البداية، يريد الإمام الصادق(ع) أن يبيّن القيمة الإلهيّة في النظرة للإنسان الذي تغيب مفردات الظلم عن قاموس حياته، فلا يفكّر، حين يصبح الصباح عليه، ويمسي المساء عليه، أن يضطهد أحداً فيما له من حقّ، ولا يجول في ذهنه أن يظلم زوجته أو أبويه أو أولاده أو جيرانه أو عمّاله أو الناس الضعفاء من حوله، بل يكون كلُّ همِّه حين يصبح عليه الصباح أن يعطي لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه، مهما كان الحقُّ صغيراً أو كبيراً، فيقول(ع): "مَنْ أصبح لا ينوي ظلمَ أحد غفر الله له ما أذنب ذلك اليوم ما لم يسفك دماً أو يأكل مال يتيم حراماً".
وينقل الإمام الصادق(ع) حديثاً عن رسول الله(ص) في هذا المعنى يقول فيه: "قال رسول الله(ص): من أصبح لا يهمّ بظلم أحد غفر الله له ما اجترم"، أي ما ارتكب من ذنب.. فإذا كانت حياتك في صباحك الذي تبدأ به يومك تنطلق من نيّة طيّبة مع كلِّ الناس، بحيث لا تتصرّف مع أيِّ إنسان بدون حقّ، فإنَّ هذا سببٌ من أسباب غفران ذنوبك، وأيّة جائزة أعظم من ذلك؟
" مَن خاف القصاص كفَّ عن ظلم الناس"
هذه مسألة صعبةٌ، لأنَّ الإنسان عادةً تتعمّق الأنانية في نفسه بفعل التربية، بحيث يعتبر أنَّ له الحقّ، وليس لأحدٍ عليه حقّ.. فله الحقُّ على زوجته وولده وجاره، وعلى عمّاله وموظفيه، ولكن ليس لأحد برأيه عليه حقّ.. وتربية النفس على نزع صفات الأنانيّة والذاتية تحتاج إلى جهد كبير وجهاد عظيم، حتى يستطيع الإنسان أن يُبعد نفسه عن التفكير بالظلم، ولهذا ينبغي أن يلتفت جيّداً إلى الأنا والسلبيّة التي تحدث جرّاء ذلك.. وهكذا كانت توجيهات رسول الله(ص) واضحة في هذا المجال، فيقول(ص): "اتقوا الظلم، فإنَّه ظلمات يوم القيامة"، لأنَّ من نتائج ظلمك للناس، أنَّك تنتقل يوم القيامة من ظلمة إلى ظلمة، وهذا كناية عن أنَّك لا تنفتح في يوم القيامة على أيِّ فرَج ونور مما يمكن أن يكون بشارة لك بالخلاص أو السعادة، لأنَّ الإنسان عندما يعيش في قلب الظلمات، فإنَّه يبقى يتخبّط ولا يصل إلى أيّة نتيجة مفرحة تؤدي به إلى الطريق المستقيم، وقد ورد في بعض الأحاديث عن الصادق(ع) في ما يرويه عن أمير المؤمنين عليٍّ(ع): "مَن خاف القصاص كفَّ عن ظلم الناس".
فالإنسان الذي يظلم عادةً، يظلم وهو آمنٌ أنَّه لن يحاسبه أحد، إمَّا لأنَّ المظلوم ضعيفٌ لا يستطيع أن يطالب بحقّه، وإمَّا لأنَّ الظالم يملك موقعاً اجتماعياً أو سياسيّاً يمنع الآخرين أن يأخذوه بجريمته أو يحكموا عليه، أو ما إلى ذلك... ولكنَّ الإنسان يتجنّب ممارسة الظلم حين يخاف القصاص في الدنيا إذا سمحت الظروف بمحاسبته، أو في الآخرة حين تُعقد محكمة الله ليردَّ سبحانه كلَّ مظلمة إلى صاحبها، لأنَّ شعار يوم القيامة، هو: {اليَوْمَ تُجْزَى كلُّ نفسٍ بما كسبت لا ظلمَ اليوم}[غافر:17]، فالإنسان الذي يظلم النّاس، سوف يواجه يوم القيامة كلَّ الذين ظلمهم، سواء الصغير أو الكبير، حيث يقدّمون شكواهم إلى الله تعالى، وينادي كلُّ واحدٍ منهم: يا عدل يا حكيم، احكم بيني وبين فلان، فقد صادر مالي أو ضربني بغير حقّ، أو اغتابني ظلماً، أو شوّه سمعتي زوراً وبهتاناً، وما إلى ذلك مما يظلم الناسُ به بعضهم بعضاً.
"ظلم الضعيف أفحش الظلم"
ويقول الصادق: "من ظلم مظلمةً أُخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده"، فالعقاب الذي يطال الظالم في الدنيا قد يكون في نفسه، حيث يقتصُّ سبحانه للمظلوم من الظالم بمرض أو بلاء أو خسارة أو ما إلى ذلك، وكم رأينا نماذج من الظالمين رجعوا إلى نقطة الصفر الاقتصادي، فأفلسوا بعد أن كانوا من أصحاب الملايين؟! هناك الكثير من الحالات التي استتبعت عقاباً سريعاً من الله تعالى وقع على الذين جمعوا أموالهم من حرام وأكلوا أموال الناس ظلماً بالحرام.. هذا في أنفسهم وأموالهم، أما في أولادهم، وإن كانوا لا يتحملون وزر ظلم هذه النماذج، ولكن عندما ينتشر الظلم، فإنَّه سينال من الناس جميعاً، وهذا السلوك الظالم سرعان ما يصبح سائداً في العلاقات الإنسانية، وعند ذلك فإنَّه يطال الأولاد بشكل غير مباشر..
ويقول الإمام(ع): "ما من مظلمة أشدّ من مظلمةٍ لا يجد صاحبها عليها عوناً إلا الله عزَّ وجلّ". هناك من يقع الظلم عليهم، ولكن يلجأون إلى من يدافع عنهم من عشيرة وأتباع ومحازبين ليرفعوا عنهم الظلم، ولكنْ هناك آخرون ممن ليس لهم أحد يرفع عنهم الظلم، فيتعسّف الظالم ضدّهم، وهؤلاء ليس لهم إلا أن يرفعوا أمرهم إلى الله، حيث لن يتركهم، وهذا الظلم هو أشدّ أنواع الظلم، وفيه ورد الحديث: "ظلم الضعيف أفحش الظلم"، ويقول الشاعر:
تنام عينُك والمظلوم منتبهٌ يدعو عليك وعين الله لم تنمِ
أذكر قدرة الله عليك
لذلك، فالشيطان وفي كثير من الحالات، يحاول أن يوحي للإنسان بالقوّة، فيدفعه لكي ينفّس عقدته وغيظه، لذا، على الإنسان دائماً أن يراقب الله تعالى. فإذا دخلت البيت، فلا تعتبر نفسك سيد البيت وكلَّ مَن في البيت تحت سلطتك، بل اعتبر أنَّك وزوجتك وأولادك تحت سلطة الله، وإذا قدرت فاذكر قدرة الله عليك، وأنَّه تعالى يستطيع أن يدمّرك.. فالموت قد يأتيك وأنت تظلم الآخرين، فكيف تقابل الله بهذه العاقبة؟ وهذه نقطةٌ مهمة، لأنَّ الإنسان عندما ينسى الله، ينسى نفسه ويفقد توازنه الذي يضبط تصرفاته في نفسه ومع الآخرين.
الحقّ لصاحبه ولو كان كافراً
وعن أبي بصير ـ وهو أحد أصحاب الإمام الصادق(ع) ـ قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: "من أكل من مال أخيه ظلماً ـ شخصٌ له دَيْنٌ عليك وجحدته، أو أكلت ميراث إخوتك الصغار ـ ولم يردّه إليه، أكل جذوة من النار يوم القيامة"، قد يستأنس الإنسان الآن، لأنَّه حصل على هذا المبلغ من المال بغير حقّ، لكن كيف به إذا قام الناس لربِّ العالمين، حيث تُجمع هذه الأموال وتصبح جذوة من نار ليأكلها في يوم القيامة، ليجد ما عمل حاضراً.. والله تعالى لا يرضى بالظلم حتى للكفار. وقد جاء عنه(ع): "إنَّ الله عزَّ وجلّ أوحى إلى نبيٍّ من أنبيائه في مملكة جبّار من الجبّارين أن ائتِ هذا الجبّارَ فقل له: إنّني لم أستعملك على سفك الدماء واتخاذ الأموال، وإنَّما استعملتك لتكفَّ عني أصوات المظلومين، فإنّي لم أدَع ظلامتهم وإن كانوا كفّاراً"، فالكافر عندما يكون له حقّ، فلا بدّ لك من أن تعطيه حقَّه، ولا يجوز لك أن تأخذ حقَّه.. ولكن هناك بعض الناس ممن يستحلّون أموال غير المسلمين، وقد عشنا ذلك في ظروف الحرب، وفي ظروف الذين يهاجرون إلى بلاد الغرب، ولكنَّ الله تعالى يقول: {لا ينهاكُم اللهُ عن الّذين لم يقاتلوكم في الّدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتُقسطوا إليهم إنَّ الله يحبُّ المقسطين}[الممتحنة:8].
الظالم والمعين والراضي شركاء
ويروى عن الصادق(ع) أنَّ شخصين جاءاه كلٌّ يدّعي على الآخر بحق، فلما سمع الإمام(ع) كلامهما، أحبَّ قبل أن يقضي بينهما أن يعظهما علَّ الموعظة تنهي المشكلة، فقال(ع): "أمّا أنَّه ما ظفر أحدٌ بخير مَنْ ظفر بالظلم ـ بمعنى أنَّه لا يحصل أحدٌ على خير كما يحصل عليه المظلوم ـأمّا إنَّ المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر ممّا يأخذ الظالم من مال المظلوم ـ فالظالم يخسر من دينه وآخرته، والدنيا لا تُغني عن الآخرة ـ مَن يفعل الشرَّ بالناس فلا ينكر الشرَّ إذا فُعِل به ـ فإذا كنت تظلم الناس، ويأتي بعد ذلك مَن يظلمك، فلا تعجب من ذلك، لأنَّك أنت الذي بدأ بالظلم ـ أما إنَّه يحصد ابن ادم ما يزرع وليس يحصد أحدٌ من المرِّ حلواً ولا من الحلو مُرّاً"، فاصطلح الرجلان قبل أن يقوما.. وعنه(ع) أنَّه قال(ع): "العامل بالظلم والمعين له ـ الذي يهيّىء الوسائل للظالم ـ والراضي به شركاء ثلاثتهم" و"مَن عذر ظالماً بظلمه سلّط الله عليه مَن يظلمه، فإن دعا لم يُستجب له ولم يأجره الله على ظلامته".
فما أكثر الظلامات التي تحدث في مجتمعنا.. من ظلم المرأة التي يُؤخَذ حقّها ويُساء إليها وتُطرد من بيتها وتُضرب وتُهدّد، إلى ظلم أولادنا وجيراننا الضعفاء، والناس الذي نتعامل معهم.. وكم نظلم المجتمع عندما نثير فيه الفوضى ونخلق فيه الفتنة.. كُلُّ هذا ظلم، وإن اختلفت طبيعته.. فالظالمون لن يدخلوا الجنّة، لأنَّ الجنة دار الله، دار السلام والعدل.. |