أختير بعد وفاه الشيخ الأنصاري سنة 1281هـ للزعامة
والمرجعية مع السيد الحجة حسين الكوهكمري، ثم انفرد بالمرجعية بعد وفاة
السيد الكوهكمري، فاتبعته الناس، حتى أصبح المرجع الوحيد للإمامية في
العالم.
أكسب المرجعية موقعاً متميزاً عن سائر المواقع
والمناصب، وجهد على استقلاليتها السياسية والاقتصادية عن السلطات
الحاكمة، ومما يسجل له في هذا المجال عدم خروجه مع من خرج من العلماء
لاستقبال الشاه ناصر الدين القاجاري الذي زار في عام 1287هـ العتبات
المقدسة في كربلاء والنجف الأشرف، كما أنه رفض أن يتقاضى منه مبلغاً من
المال كان قد أرسله إليه أسوة بغيره من العلماء، وهذا ما دفع بالشاه إلى
أن يرسل وزيره حسن خان يعاتب الميرزا ويطلب منه زيارة الشاه. فتذرع
الميرزا "بأنني درويش ومالي وللملوك"، ولكن الوزير ألحّ عليه بالحضور،
فاقترح أن يكون الاجتماع بالشاه في الحضرة الشريفة العلوية، فوافق الشاه
واجتمعا هناك.
هذا الموقف أكسب الميرزا مكانة متميزة لدى الشاه،
ونأى بالمرجعية عن التبعية للسلطة. لتخط بعد ذلك دربها في مواجهة
التحديات الداخلية والخارجية التي تتعرض لها الأمة.
غادر النجف الأشرف إلى سامراء سنة 1288هـ، فقيل أن
السبب يعود إلى كثرة طلب الناس عليه، وقيل إنه تضايق من وجود بعض الفرق
الجاهلة فيها "الزكرت والشمرت"، ولعل السبب الأخير ربما دفعه إلى مغادرة
النجف، ولكنه أحسن اختيار المكان الذي يقصده باعتبار أن سامراء كانت
تفتقر إلى الحركة العلمية والتبليغية، وذلك انطلاقاً من القيام بواجبه
الشرعي في إبلاغ الرسالة وتعاليمها، فعمرت سامراء معه، وتوافد الناس
عليه. وشهدت حركة علمية يعود الفضل فيها إلى المدرسة التي أنشأها والتي
أصبحت مقصداً لطلاب العلم من مختلف الأصقاع.
كان شديد الاهتمام بأمور الناس وخصوصاً الفقراء
والمحتاجين، فكان يمد لهم يد العون، وتعددت مشاريعه إلى أكثر من ذلك،
فبنى سوقاً ومدرسة كبيرين وجسراً على نهر دجلة في سامراء، شهدت سامراء في
أواخر حياته حالة من الاضطراب والفتن كما تعرض للمضايقات من قبل السلطة
الحاكمة التي كانت تتظاهر بالدفاع عنه، ما جعل العلماء في النجف الأشرف
يقصدون سامراء ويطلبون منه مغادرتها، فأبى ذلك، وبقي فيها إلى أن وافاه
الأجل.
تصدى لمحاولات الإنكليز الهادفة إلى السيطرة على
المقدرات الاقتصادية لإيران في عهد الشاه ناصر الدين القاجاري، وفي عصره
بدأت تتبلور روحية المقاومة للنفوذ الأجنبي، بشكل حاسم، في ثورة التنباك
عام 1309هـ، حين أعطى ناصر الدين شاه امتيازاً لشركة انجليزية باحتكار
زراعة التبغ الإيراني، فأفتى الميرزا الشيرازي بحرمة تدخينه، فامتنع
الناس عن ذلك، ما اضطر الشاه إلى إلغاء الامتياز فحاول الإنكليز تغيير
رأي المجدد من خلال الوعود والأموال الطائلة التي قدموها له فلم يفلحوا
في ذلك.
وبعد هذا التاريخ بتسعة أعوام، أكد هذا المرجع
الكبير اهتمام المرجعية بهوية المسلمين ووحدتهم إزاء التحديات الغربية،
وذلك في حادثة رمي سماحته بالحجارة من قبل أهالي سمرّاء السنة، حيث جاء
إليه القنصل في بغداد يعرض عليه استعداد حكومته لاتخاذ الإجراءات القمعية
المناسبة التي يراها سماحته في هذا الشأن، محاولاً من وراء ذلك الفتنة،
فأجابه المجدد الشيرازي قائلاً: "إن الحادث مجرد عمل صبياني عفوي وقع من
قبل صبيان كانوا يلعبون في الطريق، فلا حاجة أن تدسّ بريطانيا أنفها في
ما لا يعنيها من الأمور". فعاد القنصل يجر أذيال الخيبة، وبذلك استنهض
الشيرازي في المرجعية جذوه الوعي المقاوم وفتح أمامها أبواب العمل
السياسي على أوسع نطاق.
وهذا ما جعل المرجعية فيما بعد تقوم بمناهضة
الاستبداد الداخلي الذي لا يقل خطراً من التحديات الخارجية، ورأت أنه
يؤكدها، إذ تحوّل النظام القاجاري المستبد إلى ألعوبة بأيدي الإنجليز
تارة والروس تارة أخرى، فتبلورت لديه فكرة الإصلاح السياسي بإزالة
الاستبداد وإقامة نظام مستند إلى أسس دستورية ثوروية.
توفي في مدينة سامراء ليلة الأربعاء 24 شعبان 1312ه
في سامراء، ودفن في النجف، في باب الصحن العلوي الشريف المعروف بباب
الطوسي، له عدة مؤلفات منها: كتاب في الطهارة إلى الوضوء، رسالة في
الرضاع، كتاب من أول المكاسب إلى آخر المعاملات، رسالة في اجتماع الأمر
والنهي وغيرها.