الحج > العدد السادس / 6ذو الحجّة 1426 هـ الموافق 6/1/2006م

بينات الحج
فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً

من أقوال المرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله (قده)

الإسلام ليس روحاً منفصلة عن المادة ولا هو مادة منفصلة عن الروح ولكنّه الروح تعيش في داخل المادّة حتى تتروّح، والمادة تدخل في الروح حتى تتجسّد

عن الرسول الأكرم (ص)

ألا وإنّ الشيطان قد يئس أن يُعبد بأرضكم هذه, ولكنّه راضٍ بما تحتقرون من أعمالكم, ألاّ وإنّه إذا أُطيع فقد عُبد, ألا يا أيّها الناس إنّ المسلم أخو المسلم حقّاً, ولا يحلّ لامرئ مسلم دم امرئ مسلم وماله إلاّ ما أعطاه بطيبة نفس منه, وإنّي أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها, وحسابهم على الله ألا هل بلّغت أيّها الناس؟

 رسالة الحج

{وأذّن في الناس بالحجّ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيّام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير}.

الحجّ هنا هو دعوة من الله إلى عباده مستمرّة استمرار الحياة ليشهدوا منافع لهم في كل مواقع المنفعة التي تبني للإنسان حياته الروحية والمادّية ليستشعر أنّ عبادة الله ليست شيئاً بعيداً عن الجانب الحيّ في حركة حياته, فيما يركّز لها أساسها المتين على قاعدة الإيمان المبني على المنفعة المنفتحة على مواقع الدنيا والآخرة.

كما أنّنا نلاحظ أن هدف الحجّ هو { أن يذكروا اسم الله في أيّام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} التي تَعَبَّدَهُمُ الله تعالى بذبحها في بعض واجبات الحجّ, ليوحي بأن ذكر اسم الله على الذبيحة هو جزء من المنهج الإلهي الذي يفرض على عباده أن يذكروه في كلّ مفردات حياتهم, لا سيّما فيما يتّصل بإزهاق أرواح بعض مخلوقاته, للإنتفاع بها في التغذية ونحوها؛ فإنّ ذلك يوحي بأنّ على الإنسان أن لا ينفصل عن ذكر الله عند ممارسة حاجاته المادية, بل لا بدّ له من أن يستحضر في نفسه وفي لسانه اسم الله من خلال استحضار حاجته, ليكون العمل منطلقاً باسم الله على أساس انطلاقه من إذنه التشريعي للإنسان في القيام بذلك, ومن خلال استذكار جانب النعمة فيه, ليشعر من خلال هذا وذاك أنّه لا يبتعد عن المسؤولية في عمله, فلا بدّ من التحرّك على أساس أمر الله في الحدود التي حدّدها له فيما يفعل وفيما يترك.

وهكذا أراد الله للإنسان أن يأكل من الذبيحة فلا يظنّ بأنّ القربان الذي يقدّم لله تعالى يعني حرمانه منه, كما لا يعني حرمان الآخرين منه, إذ لا بدّ له أن يعطي البائس الفقير ليخلص من ذلك إلى أنّ هذا العمل الماديّ بطبيعته يتحوّل إلى عبادة روحية, فيما هو ذكر الله الذي يثير المسؤولية في الوعي, وفي خطّ العمل.

 

الحجّ والبيئة

المسجد بيت العبادة والطاعة, وقد أراد الله لهذا المكان المقدّس المنتسب إليه أن يبقى عابقاً بالذكر وتلاوة القرآن نظيفاً من كل القذارات الماديّة والمعنوية, ولذا حرّم تنجيسه ودخول الجنب أو الحائض إليه, ويُكره البصاق وإلقاء النخامة فيه, أو دخوله برائحة كريهة كرائحة البصل والثوم, بل يستحب دخوله بأنظف الثياب وأطيب الروائح{ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} ويدعونا الإسلام إلى كنسه والإسراج فيه وتعاهد النعلين قبل دخوله حذراً من أن تحمل بعض النجاسات, كما أراد الإسلام إبعاد ساحته عن النزاعات والشجار وكل أجواء العنف واللهو والتجارة, ليبقى عابقاً بذكر الله تعالى{ في بيوتٍ أذن الله أن تُرفع ويُذكرُ فيها اسمه يُسبّح له فيها بالغدوّ والأصال رجالٌ لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلّب فيه القلوب والأبصار} رَفْعٌ لها ماديّ وآخر معنوي, أمّا المادّي فبالعمارة والبناء والتنظيف, وأمّا المعنوي فبإبقائها عامرة بذكر الله وطاعته وقراءة القرآن والمواعظ المذكّرة بالله واليوم الآخر{ أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجود}.

إلى ضيوف الرحمن

في الحج أكثر من فائدة، وثمرة ترتجى، بعضها مبرّز والآخر يكاد لا يخفى، خبرات تكتسب وتجارب تمتهن، من هذه وتلك تتمّ عملية التأهيل والخبرة للمواكبة والمواجهة، مواكبة لما لا بدّ من متابعته واكتسابه، ومواجهة لما لا ينبغي الغفلة عنه ونسيانه، نسأله تعالى الأذن الواعية، والقلب المتدبّر، والذاكرة الحافظة، والجوارح والجوانح الممتثلة في انطلاقها العملي وسعيها الحثيث.

والفقيه يجيب

 

 

س1: هل يغفر الله سبحانه للحاج جميع ذنوبه السابقة, وهل يسامحه بالواجبات الدينية التي لم يؤدّها أو قصّر فيها؟

ج: ورد في بعض الأحاديث أنّ الحاج يخرج من الحج كيوم ولدته أمّه، ولكن لذلك شروطاً أشار إليها الإمام الصادق (ع) فيما روي عنه :" ما يُعبأ بمن يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه خصال ثلاث: حُلُمٌ يملك به غضبه, وخُلُقٌ يخالق به من صَحِبَهُ, وَوَرَعٌ يَحْجُزُهُ عن معاصي الله". وغفران الذنوب لا يعفي الإنسان من أداء الحقوق سواء تجاه ربّه أو تجاه الناس, فعليه أن يقضي ما فاته مما يمكن قضاؤه, ويؤدّي لكلّ ذي حقّ حقّه.

س2: هل أنّ التدافع عند الطواف بسبب الزحام يضرّ بالطواف؟

ج: نحن نقول إنّ الإنسان عندما خرج ناوياً للطواف فإنّه يطوف كما يطوف الناس، ولذلك ففي رأينا أنّ طوافه مجزٍ ولا إشكال فيه.

س3: رجل أحدث في وسط الشوط السادس من الطواف فذهب وتوضأ ثم أتمّ طوافه من بداية الشوط السادس، فهل تضرّه هذه الزيادة بمقدار نصف شوط أو لا؟

ج: لا تضرّ هذه الزيادة بطوافه.

س4: هل يجوز للمسلمة أن تخترق صفوف الحجّاج للوصول إلى الكعبة؟

ج: الطواف بالكعبة طاعة, وهذا الأسلوب في ملامسة الرجال والتدافع معهم من دون ضرورة حرام, ولمس الكعبة مستحبّ, ولا يجوز فعل الحرام لإدراك المستحبّ.

س5: إذا لم يصلِّ الحاج ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم(ع) جهلاً أو نسياناً فما حكم طوافه؟

ج: عليه أن يأتي بهما حين التذكر ولو في بلده، ويصحّ طوافه.

س6: نظراً للزحام الكثيف في الطواف، ونظراً للإحراجات الشرعية التي تقع فيها المرأة، من التدافع مع الرجال الأجانب وغيره، فهل يتعيّن عليها الطواف خارج مقام إبراهيم)(ع)، أم تبقى مخيّرة في ذلك؟

ج: يجوز الطواف خارج مقام إبراهيم(ع) في كل الظروف، وقد يجب في مفروض السؤال.

من نشاط البعثة.

غصّت ديوانية البعثة ومنذ الصباح الباكر بالزائرين الكرام حيث استقبل سماحته الوفود والشخصيات العلمائية من مختلف أنحاء العالم, وألقى كلّمة بالحاضرين, ومن ثمّ أجاب على أسئلة المشاركين.

فقد استقبل سماحته وفداً من بعثة الحجّ العراقية برئاسة الدكنور الشيخ خالد العطية, ووفداً من بعثة المرجع الديني الشيخ يوسف الصانعي (قده) ناقلاً لسماحته تحيّاته, وجرى عرض للوضع الإسلامي العام.

كما استقبل سماحته عدداً من الشخصيات العلمائية من العراق وإيران والخليج, من أبرزهم: سماحة العلاّمة السيّد محمود الغريفي وسماحة العلاّمة الشيخ مرتضى الساعدي, والشيخ جميل الربيعي من "ديالا", والسيد علي الميّالي" السماوة", النائب الثاني لديوان الوقف الشيعي السيد عمّار الموسوي, والأستاذ محمّد الزبيدي.

كما وزار مقرّ البعثة كل من الحملات التالية: حملة باب الريان, الحجّاج الألمان في حملتي الصفا والصفوة, الحجّاج العمانيين في حملة التوحيد, الحجّاج الأمريكيين في حملة السلام, وحجّاج من المغرب والجزائر وتونس قادمين من فرنسا.

ومما جاء في الكلمة التي ألقاها صاحب السماحة في الجموع:

إنّنا في هذه الرحاب الطاهرة من أجل أن نتجدّد بالإسلام, لأنّ التراكمات التي أطبقت علينا من خلال ما نعيش مع الناس الذين لا يعيشون الإسلام والعدالة والرفق بل يعيش الكثير منهم الكفر والإستكبار والعنف, وعندما نعيش مع كثير ممّا نفذ إلينا من خلا ل أجهزة

الإعلام المتنوّعة على مستوى العالم والمنطقة من فكر ليس هو الفكر الإسلامي, ولتخترق قلوبنا بمشاعر وعواطف ليست هي العاطفة الإسلامية, ولتخترق حياتنا بالكثير من التقاليد والعادات التي فرضها علينا الآخرون. ولذلك انحسر الإسلام عنّا فلم يبق منه عندنا إلاّ ما نمارسه من عبادات قد لا تكون مما يحمل الحيوية والانفتاح, وابتعدت علاقتنا عن رسول الله (ص) والأئمّة الهداة من آل البيت (ع), فأصبحت مجرّد حالة ذاتية من دون أن نعيشهم في حياتنا رسالة.

أضاف سماحته: مسؤوليتنا كعلماء مسلمين أن ننفتح على العالم ولا نقبع في زوايانا, وكمثقفين لا بد لهم من أن يأخذوا بأسباب الثقافة الإسلامية, وكعمّال وكتجّار يسافرون في بلاد الله الواسعة ليكون الإسلام كلّ همّهم, وخصوصاً في هذه المرحلة التي برز فيها الكفر كلّه والاستكبار كلّه إلى الإيمان كلّه وإلى الإستضعاف كلّه, وكان علي (ع) في كلمة رسول الله (ص) يجسّد الإيمان كلّه, كان يجسّده علماً وجهاداً وزهداً وشجاعة ومسؤولية ودعوة.. وانتصر الإسلام كلّه لأنّ هناك قيادة انطلق فيها رسول الله (ص) ووزيره ووصيّه عليّ (ع).

وتابع سماحته: هناك في هذه المرحلة من واقعنا الإسلامي مراكز دراسات في الغرب تعمل على محاربة الإسلام ثقافياً, كما أنّ الإدارات في الغرب تعمل على محاربة الإسلام سياسياً واقتصادياً وأمنياً لتسيطر على عقول المسلمين ومقدّراتهم ومستقبلهم, لتمنع المسلمين من أن يصنعوا مستقبلهم الإسلامي.. فما هي مسؤوليتنا ؟ مسؤوليتنا أن نحوط الإسلام, كلٌّ بحسب طاقته وإمكاناته, ونتحمّل مسؤولية الإسلام بالدعوة والحماية والرعاية والوحدة والوعي, أن نفهم خلفيات كلّ ما يفكّر به الآخرون, وكلّ الخطط التي يحاولون أن يخطّطوا من خلالها لإسقاطنا.

لذلك نحن بحاجة ـ ولنفكر بذلك عميقاً ـ أن نعود إلى أوّل دعوة انطلق بها رسول الله (ص) وواجه فيها الشرك كلّه وأوذي كما لم يؤذَ نبيّ, أن ننطلق لنبايع رسول الله ص من جديد ونقول له: يا رسول الله إنّنا معك ونشهد أنّك رسول الله حقّاً, ونشهد بأن القرآن هو كتاب الله, وبأنّ سنّتك هي السنّة التي تتحرّك مع الكتاب جنباً إلى جنب, لم نكن معك في حياتك ولكننا ـ نقولها بكلّ وعي وقوّة ـ يا رسول الله سوف نكون معك في رسالتك, إنّك لست بعيداً عنّا, إنّنا نشهد لك كل يوم في صلاتنا, ونريد أن نشهد لك في جهادنا وفي كلّ أعمالنا, ولن نقول لك كما قال قوم موسى " إذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون", بل نقول لك كما قال ذاك الصحابي الجليل: " إذهب أنت وربّك فقاتلا ـ قاتلا من أجل الرسالة والحرّية وعزّة المسلمين وكرامتهم ـ إنّا معكما مقاتلون", كلٌّ يحمل سلاحه الثقافي والسياسي والأمني, فلا مجال للحياد, لأنّ كلّ محايد منعزل عن الساحة هو خائن للساحة..

وقال: أدخلوا الإسلام في ذواتكم, لنكن مسلمين يتجسّد الإسلام فينا عقلاً وروحاً وقلباً وحركة, لأنّنا في هذه المرحلة في معركة الأحزاب, نحن بحاجة إلى عليّ, عليّ الوعي والروح والصلابة والجهاد والرسالة والحقّ, وكلّ من كان مع الباطل السياسي والفكري والثقافي والأمنيّ فهو ليس مع عليّ, لأنّ علياً ع لا يتقبّل إلاّ من كان مع الحقّ, وهو يقول "ما ترك لي الحقّ من صديق", والكثيرون منّا ـ مع الأسف ـ يقولون لمن يتحدّث بالحقّ إنّ الناس سيرجمونك ويتهمّونك فعليك أن تمشي مع التيّار؟!

وأردف سماحته: إنّ الإستكبار العالمي يخوض المعركة ضدّنا على مستوى العالم العربي والإسلامي كلّه, في العراق وفلسطين وأفغانستان, وعلينا أن نعرف كيف نشحذ سيوفنا, وكيف نقوّي إرادتنا, وكيف نكون رساليين, كيف نبايع رسول الله هنا, لنستوحيه وهو يطوف بالبيت ويكسّر الأصنام فوقه, والبيت هنا هو العالم الإسلامي فعلينا أن نكسّر كلّ الأصنام التي تُعبد من دون الله سياسياً وثقافياً وعسكرياً, كانت عظمة رسول الله وهو سرّ الكمال, أنّه ابتعد عن ذاته وأخلص للرسالة وجاهد في سبيلها, فهل نتخلّص من حالة الذات إلى حالة الرسالة؟ ليكن حجّكم في هذا الإتّجاه.

وتطرّق سماحته إلى الوضع الأمني في العراق, فاعتبر أنّ كلّ عمليات التفجير التي تطال الأبرياء من المدنيين في مساجدهم وحسينياتهم وأسواقهم, كما تطال رجال الشرطة والأمن, ليست من المقاومة في شيء, وقال: هذه ليست مقاومة شريفة بل هي عمليات خبيثة ووحشيّة, تتحرّك في خطّ الكافرين وفي خدمة المحتلّين, هؤلاء الذين يستحلّون دماء المسلمين ويكفرّونهم هم الذين يشجّعون الإحتلال ويدعمونه, لأنّهم بذلك يسقطون الأمن في العراق لكي يبقى الإحتلال فترة طويلة, ويمنعون العراق من الحصول على القوّة وهو ما تريده أمريكا.

إنّنا نؤمن بمقاومة الإحتلال, وقد قاومنا الإحتلال في فلسطين ولبنان وكنّا أوّل فئة إسلامية تنتصر على إسرائيل وتُخرجها بدون قيد أو شرط, ونريد للعالم الإسلامي أن يسير في هذا الإتجاه.. إنّنا لسنا مع الإحتلال ولسنا مع التكفيريين, لم نكن معهم في العراق ولا في أيّ بلد إسلامي, لأنّنا لا نؤمن بأنه يجوز للمسلم أن يستحلّ دم أخيه المسلم.

النشرة الإعلامية لبعثة المرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله (قده)
العدد الخامس / 6ذو الحجّة 1426 هـ الموافق 6/1/2006م