في الحوار والوحدة > "الحوار كوسيلة حضارية للقاء"

محاضراً في سوريا عن "الحوار كوسيلة حضارية للقاء"

فضل الله: مضى الزمن الذي كانت أمة تنعزل فيه عن أمة

التاريخ: 15/ صفر/1420 هـ،الموافق:31/5/1999م

بدعوة من "المركز الثقافي" في مدينة السَلَمْيَة، في الجمهورية العربية السورية، حاضر سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله، تحت عنوان: "الحوار كوسيلة حضارية للقاء"، بحضور حشد من ممثلي الهيئات الثقافية والتربوية والنقابية وجمهور غفير من المهتمين.. ومما جاء في محاضرته:

في البدء كان الحوار.. الله تعالى عندما اراد ان يجعل في الأرض خليفة حاور الملائكة واستجاب لتساؤلاتهم ولم يقمعها وهو ربّ العزة الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ولكنه سبحانه أراد للكون كله ان يغتني بالحركية، والملائكة - كما الإنسان - تُغنى حركيتهم بالمعرفة.. وكانت قمة الحوار في دلالاته على ان من الممكن ان تحاور ايّ شخص حتى لو كان في قمة الشر، عندما حاور الله تعالى إبليس عندما رفض السجود لآدم (ع) فسأله واجابه وطرده، ومن خلال ذلك نفهم انه لا مقدسات في الحوار، ولا نرفض ايّ حوار مع أيّ شخص إلا اذا كان للحوار دلالات سياسية لا نؤمن بها، كما في الحوار مع الذين يغصبون الأرض ويحتلونها كإسرائيل.

وقال: الحوار هو صيغة إنسانية للتفكير بصوت مسموع، ومسألة ان نتحاور هي مسألة ان نفكر اولاً ونتفاهم، لأن كثيراً من مشاكلنا على كل المستويات هي اننا لا يفهم احدنا الآخر، لا يفهم احدنا فكر وسياسة والخلفيات النفسية والإجتماعية للآخر، ولذلك فانك تدخل الى الآخر في عمى للألوان والأفكار والأحاسيس، ومن هنا فقد تخطئ الكلمة معه لأن هذه الكلمة لا تتناسب مع خلفياته الفكرية أو تعقيداته النفسية أو مع بعض اوضاعه التي تحيط به.. ان نتحاور ان أدخل الى عقلك وقلبك واكتشف خلفياتك واتعرف من أنت في كل ما يحيط بك، وتفعل ذلك معي، فاذا فهمنا بعضنا استطعنا ان نعرف كيف نتخاطب ونختلف، لأن المشكلة هي اننا لا نعرف كيف نتفق ولا كيف نختلف!!..

أضاف: لا اريد ان أطلق المسألة شعاراً أو موعظة تُعطى على الناس من فوق، ولكن علينا ان ندرس ما هي الآليات الواقعية العملانية التي يمكننا من خلالها ان نحقق هذا الهدف، حتى نستطيع ان نصنع مجتمعاً يفهم ويحترم بعضه بعضاً، لأن الحوار دليل الإحترام. واذا دخلنا في بعض التفاصيل، فاننا نختلف في ادياننا، فلماذا لا يتحاور المسلمون مع اهل الكتاب، أو اهل الكتاب مع المسلمين؟ عندما نخلص جميعاً لله فان من الطبيعي ان نتحاور لنكتشف ما هي كلمة الله الحقيقية هنا وهناك، وقد دعا القرآن الكريم الى الكلمة السواء والى الحوار مع اهل الكتاب "بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا".. واذا دخلنا الى الواقع الاسلامي نجد الخلاف بين المذاهب، فلماذا لا نفتح كتاب الله وسنّة رسوله، وندرس كيف يعالجان هذه الفكرة أو تلك، فاذا وقفنا على جوهر الاسلام من هنا وهناك فمن الطبيعي ان يلتقي احدنا بالآخر؟ وعندما لا نقتنع بالفروع هنا وهناك فالأصول واحدة وان اختلفنا في بعض تفاصيلها. ولكن، هل أننا جادون في أننا مسلمون أو اننا متعصبون لما نحن عليه، حيث حوّل كل واحد منا مذهبه الى دين؟..

وتوقف سماحته عند حوار الحضارات، فدعا الى ان "نفهم الغرب ونحاول ان نفهمه الاسلام"، ورأى ان هناك "فرصة كبيرة اذا أحسنا عمق الفكرة والأسلوب في الدعوة، فان الذهنية الموضوعية عند الانسان الغربي الذي لم يعش العقدة يمكن ان تفتح للإسلام الكثير من الساحات".. وقال: لقد مضى الزمن الذي كانت أمة تنعزل فيه عن أمة، فالعالم تحوّل الى قرية كونية واحدة، وايّ حدث في ايّ مكان في العالم فانه يزحف اليك ليترك تأثيره عليك وانت في قريتك، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو الإجتماعية. من هنا، علينا ان ننطلق لنتفاعل مع الحضارات الأخرى في ما لا يتنافى مع الخطوط العريضة لحضارتنا، وان نترك الآخرين يتفاعلون معنا.

وتابع: من الطبيعي اننا كما قلنا في المسألة الاسرائيلية انهم ليسوا من اهل الحوار لأنهم من اهل الظلم، كذلك نحن لا نحاور المستكبرين لأنهم يعملون على ان يفرضوا عليك استكبارهم من اجل ان يصادروا اقتصادك وسياستك وأمنك، لكننا ننطلق الى الانسان العادي في هذه المدينة الغربية أو تلك، فاننا قد نجد الكثير من العقول والقلوب المفتوحة اذا استطعنا ان نصنع من انفسنا عقولاً وقلوباً واسلوباً مفتوحاً على الإنسان الآخر.

وختم: لا بدّ لنا كمسلمين ان ننفتح على العالم من اجل ان يفهم الاسلام ليلتزمه، ولا بدّ لنا كعرب لنا قضايا في العالم ولا سيما القضية الفلسطينية ان ننفتح على العالم، وقبل ذلك وبعد ذلك علينا ان ننفتح على الله تعالى لنحصل على صفاء العقل والروح، وان ننفتح على بعضنا البعض من خلال الله، لأن امة يحترم فيها الانسان الانسان هي امة لا بدّ ان تلتقي وتتعارف وتأخذ بالانتصار في جميع المجالات..