في الحوار والوحدة > الوحدة في التنوع

 "أننا عندما نتطلع الى شباب لبنان فاننا نتطلع الى لبنان التنوّع، والتنوع في الشباب يتكامل فيكون هذا الانسان الفسيفسائي الذي يعطي لوحة من اجمل لوحات الله في الانسان"

التاريخ: 3/ربيع ثاني/1420هـ،الموافق:17/7/1999م

ضمن سلسلة نشاطات المخيم التاسع لشباب لبنان الواحد، عقد المشاركون في المخيم حواراً مفتوحاً مع سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله، وذلك في قاعة الزهراء (ع) المُلحقة بمسجد الإمامين الحسنين (ع) في حارة حريك، بحضور عدد من الشخصيات الثقافية والتربوية يتقدمهم المشرف العام على "شباب لبنان الواحد" معن بشور ، بالإضافة الى حشد غفير من المهتمين

قدّم للحوار عضو مجلس الأمناء الدكتور موريس ابو ناضر، ومما جاء في كلمته: سيدي ومولاي، ولم أقلها من قبل إلا لك، يسرني ويشرفني ان اقدّم لكم عَلَماً من اعلام بلادي في الدين والدنيا، هذا العَلَم الذي افتخر بصداقته يشدني اليه بُعدان واحد روحاني والآخر انساني. بعده الروحاني بدأت اكتشفه في سنوات الحرب من خلال متابعتي لكتاباته وخطبه، ففيما كان الناس آنذاك يحصرون رسالة الدين في الطائفية والمذهبية كان هو يتسامى به الى حدود الرؤى حيث لا جنس ولا لون ولا طائفة ولا مذهب، وانما الناس كل الناس هي لله وسواسية عنده..

وقال: أما البعد الثاني فقد اكتشفته لما تعرفت اليه شخصياً، حيث ادركت ان العالم عندما يرتقي بعلمه الديني وينـزّهه ويصفّيه من أدران المؤّلين والمفسّرين ينفتح علمه على انسانية الله المتجلية في عباده بكل أبعادها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. ان انسانية الانسان المتحققة عند السيد فضل الله هي قبس من روح الله لا يهبه إلا للأخيار من عباده ولا يمنحه إلا لورثة انبيائه..

وقبل الحوار المفتوح مع سماحة آية الله فضل الله، القى سماحته كلمة رأى فيها "أننا عندما نتطلع الى شباب لبنان فاننا نتطلع الى لبنان التنوّع، والتنوع في الشباب يتكامل فيكون هذا الانسان الفسيفسائي الذي يعطي لوحة من اجمل لوحات الله في الانسان".. وقال: ان الوحدة لا تعني النوع الواحد ولكن تعني هذا التنوع الذي يتداخل ويتفاعل ويتكامل ليكون الشيء الواحد الذي ينبض نبضات متنوعة هنا وهناك، كما هي نبضات قلوبكم ايها الشباب التي تتنوع لتعطي الحب والطهارة والصفاء..

أضاف: وأنا هنا معكم أحاول ان انهل من شبابكم شباباً، ومن حيويتكم حيوية، ان اغتني بكم من خلال كل حواراتكم ولا أدري هل أملك ان تغتنوا بي، وشعارنا الدائم في هذه الحوارات "ليس هناك سؤال تافه، وليس هناك سؤال محرج، الحقيقة بنت الحوار"، قولوا ما تريدون ان تقولوه فلا مقدّسات عندي في الحوار، ولنبدأ بالاستماع اليكم لأنني اعيش قلق الاستماع اليكم، فاهلاً ومرحباً بكم ابنائي وأحبتي..

وفي ردٍ على سؤال حول الحوار الاسلامي – المسيحي و"هل هو كذبة تستمر في التمايز لإلغاء الوطن وتثبيت فوارق وامتيازات كاذبة بين المواطنين"، قال سماحته: في معنى الواقع اللبناني هناك تكاذب إسلامي – مسيحي يسمونه الحوار، ولكن في معناكم انتم الشباب هو شيء في عمق الانسان، لذلك حاولوا انتم ان تعطوا لهذا الحوار معناه وعمقه وطهارته، لا تخافوا من شيء فقد مضى الزمان الذي يخاف فيه الفكر من الفكر والعقل من العقل، العقل لا يخاف بل الغريزة هي التي تخاف، ونريد ان نخرج من الغريزة التي هي حاجتنا الى العقل الذي هو رسالتنا.. انطلقوا الى الله وتحاوروا في الاسلام والمسيحية بين يدي الله، بين يدي العقل الذي أعطاكم الله إياه، بين يدي الروح التي وهبكم الله إياها، وأنا سأضمن انكم اذا تحاورتم من خلال الله فستتوحدون أمام الله وستلتقون وسترون ان لكل ورد رائحة.

وحول العلاقة بين الاسلام والقومية، رأى سماحته ان "لا مشكلة بين الاسلام والقومية كعنوانين كبيرين ولكن المشكلة هي في الفهم الضيّق للإسلام والأدلجة للقومية، فنحن نقول ان القومية حالة إنسانية فأنا لا استطيع ان اتحرر من كوني عربي اللغة واللسان والعادة والتاريخ وما الى ذلك، وقد تحدث القرآن الكريم عن الحكم العربي والنبي العربي ولم يعش العرب آنذاك أية عقدة في الاسلام، فاغتنى الاسلام بالعرب واغتنى العرب بالإسلام، ولكن عندما نضع الماركسية مثلاً في قلب العروبة فأنا لا اختلف مع العروبة كحالة انسانية ولكن انا اختلف مع الماركسية فيها"..

وفي ردٍ على سؤال حول التهليل العربي الرسمي لـ"باراك"، قال سماحته: مشكلة هؤلاء العرب الأنظمة انهم تعبوا من القضية الفلسطينية وارادوا ان يحفظوا ماء وجوههم على اساس ما يسمونه السلام، والمشكلة انهم قرروا ان لا يحاربوا إسرائيل منذ ان أسقط السادات الصراع مع إسرائيل، وبدأ التنظير للواقعية، وبدأ التبرير للتنازلات التي تفرضها امريكا واسرائيل، والتبرير للضعف العربي باسم التوازنات الدولية.. المشكلة هي ان خصمك يحضّر كل اسلحته السياسية والاقتصادية والعسكرية وانت تحاول ان تكسّر كل اسلحتك، وعند ذلك كيف ستكون النتيجة؟ ستكون النتيجة "باراك" الذي اعطى العرب احلاماً وبدأ يبعثرها، ولكن العرب لا يزالون يلهثون وراء هذه الأحلام ويفسّروا كلمة هنا وكلمة هناك بطريقة اخرى تحفظ لهم احلامهم..

سُئل عن العهد الجديد في لبنان وعن اسلوبه في التعاطي مع الملفات الداخلية؟ أجاب: عن اية فاعليات سياسية نتحدث؟ انا لا اريد ان اقف موقف المتهم او الذي يحمل سيف الإدانة، ولكني كنت دائماً اتحدث بان على المعارضة ان تتكامل مع الموالاة، وان تعتبر نفسها حكومة الظل فتدرس القضايا السياسية والاقتصادية والتربوية وغير ذلك كما لو كانت مسؤولة عنها، ولكن المسألة هي ان هناك في لبنان أشخاصاً يبحث الكثيرون منهم – ولا نقول جميعهم – عن اسمائهم ومواقعهم ولا يبحثون عن بلدهم.. الآن هناك تجربة جديدة تحاول ان تبحث عن الحلول لمشاكل البلد، فلماذا يبدأ الفريق الآخر في إثارة الضباب والدخان في طريقها، او في العهد السابق، لانني لا اتكلم عن عهد بل اتكلم عن ذهنية موجودة؟

وتابع: لا بدّ ان نعطي فرصة ومناخاً للعمل، لان هذا النوع من تسجيل النقاط يُفسد مناخ العمل بحيث يجعل المسؤول في حالة نفسية او وطنية تمنعه من ان يكمل عمله وسيتحوّل الى مدافع عن نفسه لا عن بلده. نحن نعمل على تسجيل النقاط تماماُ كلعبة الكرة بدون روح رياضية، والمشكلة ان البلد هو الكرة التي تتقاذفها أقدامنا.

وفي ردٍ على سؤال حول الأحداث الأخيرة في إيران قال سماحته: ان ايران هي من البلدان القليلة في المنطقة التي تملك حياة سياسية، وحتى قبل مرحلة السيد خاتمي كان هناك صحافة تنقد بقسوة، ومنابر الجمعة ليست خاضعة لمنهج معين بحيث تُقدّم ورقة لخطيب الجمعة ليقرأها على المنبر من دون ان يزيد فيها او ينقص.. صحيح هناك تياران سياسيان في ايران، ولكن هذين التيارين يتحركان من داخل النظام لا من خارجه، وهذا الأمر يمثل حالة صحية ولا يشكّل خطراً على النظام، لأن القائمين على النظام سواء الإصلاحيين او المحافظين – اذا صحّ التعبير – عندما شعروا ان القضية سوف تتحوّل الى فوضى فانهم تكاملوا فيما بينهم.