في الحوار والوحدة >  ندوة الثّلاثاء 26/4/2005 درس التفسير القرآني الذي ألقاه سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الاختلاف والتفرّق في الأمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصّلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين، وعلى جميع أنبياء الله والمرسلين، السلام عليكم أيُّها الأخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات ورحمة الله وبركاته.

منشأ الاختلاف

كنا نتحدث عن الآيات التي تحثُّ المؤمنين على الاعتصام بحبل الله جميعاً، وعدم الأخذ بالتفرقة، ونتابع في ذلك قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(آل عمران/105).

يؤكّد القرآن في هذه الآية، أنّ هناك نوعين من الاختلاف ومن التفرّق، أولاً: هناك نوعٌ يرتكز على عدم وضوح المسألة المختلف عليها عند بعض الناس، كأن يأخذ بعضهم برأي، والبعض الآخر برأيٍ آخر مخالف، كالكثيرين ممن يختلفون في الآراء على أساس عدم وضوح الفكرة بشكل حاسم.

وقد جعل الله منهجاً لحلّ هذا الخلاف، وهو: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}(النساء/59)، أي إذا اختلفتم وأخذ كل واحد منكم برأي، فعليكم أن ترجعوا إلى القاعدة التي تلتقون عندها، لأنكم تؤمنون بها من خلال العقيدة، فأنتم تؤمنون بالله، وتؤمنون بالنبي، وتلتزمون كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتلتزمون سنَّة رسول الله الذي لا بدَّ أن تطيعوه فيها.

{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}(الحشر/7)، فهذه هي القاعدة التي ينبغي أن يرجع إليها المختلفون الذين لا يملكون وضوح الرؤية للأمور بشكل حاسم. وهناك فريق آخر يملك وضوح الرؤية، لأنّ الحجة التي تؤكد له الفكرة أو الخطّ قد قامت عنده بوضوح، ولكنه لا يلتزم بها، بل يأخذ لنفسه منحىً آخر من أجل الاستفادة من هذا النوع من الاختلاف والتفرق، وذلك إما لأنّ لديه عقدةً ضد الإنسان الذي يأخذ بهذا الرأي أو ذاك، أو لأنه يريد أن يتزعَّم، فيجعل لنفسه خطاً من دون الاقتناع به، ليتزعّم من خلال هذا الخطّ.

الصورة الأخروية لأفعال الإنسان

الآن نرى الكثير من الأحزاب والطوائف قد يلتقي بعضها مع بعض في الأفكار بنسبة 90% تقريباً، ولكن مع ذلك نجد أن هذا يؤسِّس حزباً وذاك يؤسس حزباً آخر، وهذا يجمع جماعة حوله وذاك يجمع جماعةً حوله، من أجل أن يتزعَّم كلُّ واحدٍ في المجتمع، وهذا ما يؤكّده القرآن الكريم في هذه الآية: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا}، فأخذ كلُّ واحدٍ منهم مساراً وطريقاً {وَاخْتَلَفُوا}، بحيث طرح كلّ واحدٍ خطاً أو فكراً {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} بعد قيام الحجة عليهم، فهؤلاء ليسوا معذورين، لأنهم جحدوا الحق بعد أن قامت الحجَّة عليهم. {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(آل عمران/105)، لأنّ الله يعذّب الجاحدين للحقّ الّذين قامت عليهم الحجّة، فيواجهون بذلك العذاب يوم القيامة. والله يعبِّر عن يوم القيامة بقوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}(آل عمران/106)، بحيث ينقسم الناس في يوم القيامة إلى قسمين، فتنعكس أوضاعهم في الدنيا على صورتهم في الآخرة، وعبّر عن هذه الصورة ببياض الوجه وسواده. في هذا المجال، قد نحتاج إلى بيان حقيقة الأمر الذي يلزم عن سؤال بعض الناس، وهو: هل إن بياض الوجه يمثِّل القيمة عند الله، بينما السواد يمثل حالة سلبية؟ ربما بعض الناس تكلموا بهذا الشكل، وهذا أوجب تعقيد المسلمين السود، بحيث شعروا بأن سوادهم هو نتيجة غضب الله عليهم بسبب ذنوب قد ارتكبوها، وحتى إنَّ البعض قد يتعقَّد حينما يقرأ في السيرة الحسينية أنّه عندما برز جون مولى أبي ذر الغفاري، وكان أسود الوجه، قال له الحسين(ع): إنك إنما اتبعتنا للعافية، فلا تبتل بطريقتنا. أي أنك مشيت معنا لتأكل وتشرب وتعيش معنا، والآن أصبحت الأمور مختلفة، فإمَّا حياة وإمّا موت، وأنت لست مسؤولاً بأن تسير على طريقتنا لتستشهد بعد ذلك، فقال له: إن لوني لأسود، وإن حسبي للئيم، فادعُ الله أن يبيِّض لي وجهي ويشرّف حسبي، فقال الحسين(ع) بعد استشهاده: اللهمَّ بيض وجهه. الفكرة أن الأسود هو خلق الله، والأبيض هو خلق الله، وهناك بعض الناس أصفر الوجه. هذا من شأن الله {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}(الروم/22). لذا فإنَّ البياض لا يمثِّل القيمة الإيجابية للأبيض، كما أن السّواد لا يمثّل قيمة سلبيّة للأسود. كأن البياض مثل النهار، يمثل حالة الإشراق، فمعنى ابيضَّ وجهه أي أشرق، لأنَّ اللّون الأبيض هو لون الإشراق، بينما اللون الأسود يشبه الليل، وهو لون الظلمة. فعندما نقول تبيضّ وجوههم، أي تشرق وجوههم من خلال إيمانهم، وأولئك اسودَّت وجوههم، أي ليس عندهم إشراق في هذا المقام.

البياض الروحي الإيماني

ولذا فإنَّ الله عبّر في آية أخرى عن مسألة المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات بقوله: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ}(الحديد/12)، {يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}(التحريم/8)، فالبياض يعبَّر به عن الإشراق، بينما السواد يعبّر به عن الظّلام، ولكنّ ذلك لا يعني أن البياض يمثل قيمة إيجابية والسواد يمثل قيمة سلبية، بل هو كناية _ أليست الكناية أبلغ من التصريح عندنا في اللغة العربية _ عن إشراق الوجه من خلال إشراق النفس، وإشراق الروح، وإشراق العمل. والظّلام عن ظلام الروح وظلام العمل وما إلى ذلك.

{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ _ فمن أين وصل هذا الظلام الذي طبع على وجوههم ليعبِّر عما في داخلهم، فيقال { أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ _ باعتبار أن الكفر يعبّر عن حالة ظلام روحي وفكري وما إلى ذلك _ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ _ لأنهم آمنوا بالله وأطاعوه _ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(آل عمران/106-107) لأنهم انسجموا مع إرادة الله سبحانه وتعالى في ذلك كله.

{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} هذه الآيات التي تؤكد للنّاس مسألة الخطِّ المستقيم في السير على أساس الاعتصام بحبل الله، والبعد عن التفرّق، والدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} يا محمد {بالحق} لتبيّن هذا الحق للناس {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ}(آل عمران/108)، فالله لا يظلم الناس عندما يعذبهم {وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(يونس/44)، لأنّ الله قد أقام عليهم الحجَّة، فلم يلتزموا بها، ولم يتحرَّكوا في هذا المجال {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}(آل عمران/109) فعلى الإنسان أن يعرف عندما يتطلّع إلى السماوات، ويتطلّع إلى الأرض، أنّ الله هو مالك السماوات ومالك الأرض، وبذلك يدخل في مقارنة مع الناس الذين يملكون بعضاً من المال أو من الجاه أو القوّة، فيعرف أنَّ الله هو الأكبر وهو الأعلى، وأنَّ الله هو المرجع في كلِّ أمورهم، فلا يستبدلون بالله غيره.

والحمد لله ربِّ العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته