في الحوار والوحدة >  حوار "وفد أمريكي من رؤساء أبرشيات وأساتذة جامعيّين ورجال أعمال"

فضل الله في لقاء ودّي وصريح مع رجال أعمال ورؤساء أبرشيات وأساتذة جامعيّين أمريكيّين

نلتقي معكم على محبة السيد المسيح، ونريدكم أن تعملوا لتغيير هذه الإدارة التي جلبت العداء لأمريكا

استقبل سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله، وفداً أميركياً مؤلفاً من عشرين شخصية، ضمّ رؤساء أبرشيات، وأساتذة جامعيّين ورجال أعمال، أدار معه حواراً وديّاً وصريحاً تمحور حول مسألة حوار الأديان، وسلاح المقاومة في لبنان، وعلاقة أمريكا بالمسلمين والعرب.

وهذا نص الحوار:

س: نحن لدينا تساؤل عن الطريقة التي تعاملون بها شعوبكم، فديننا يعلّمنا أنّنا نعرف الآخرين من أعمالهم وثمارهم، وعندما نرى كل هذا الإهمال للشعوب في منطقة الشرق الأوسط، نتساءل حينها عن دينكم وعن الإهمال الّذي يصيب هذه الشعوب. ولقد علّمنا السيد المسيح أن نذهب إلى أخينا ونساعده، وهذا ما نريد أن نطلقه في عالمنا؟

 

نحن نلتقي مع السيد المسيح(ع) في أن الدين محبة ورحمة

ج: ما يحدث الآن في العالم العربي، لم ينطلق من خلال تعاليم الإسلام، فنحن نلتقي مع السيد المسيح(ع) في أنّ الدين محبة ورحمة، وأنّ علينا أن نعمل في مجتمعاتنا على أساس أن نخدم الناس في كل ما يحتاجونه، وأن نساعدهم، ولا سيما الضعفاء منهم. هناك كلمة قالها النبي محمد(ص): «الخلق كلهم عيال الله وأحبّهم إليه من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيت سروراً»، وقال(ص): «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ويكره له ما يكره لها»، و«عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به»... إننا نعتبر أن مساعدة الناس، ولا سيما الضعفاء، بالمال أو العلم، أو منحهم عناصر القوة، تعتبر من الأمور التي تقرِّب الناس إلى الله.

إنّ الدين الإسلامي ينفتح على كل الناس بالخير والمحبة والرحمة، ويرفض كل الذين يظلمون الناس ويعملون على اضطهادهم ومصادرة أمورهم، كما أنه يمنع اضطهاد المرأة، ويرفض أيّ أسلوب من الأساليب العنيفة ضدها، لأنّ ما يربط المرأة بالرجل هو العقد الزوجي، وما عدا ذلك، فالمرأة في الإسلام هي شخصية إنسانية مستقلة، وليس لأحد أن يفرض عليها زوجاً بالقوة، وليس لزوجها أن يمارس العنف ضدها، وقد أصدرت فتوى قبل أيام بأنّ المرأة تستطيع ردّ عنف الرجل في مجال الدفاع عن نفسها.

وللمرأة الحقّ في العلم، وفي أن تصل إلى أعلى مستوى علمي، وأن تمارس العمل السياسي، وأن تنتخِب وتُنتخَب، وأن تقوم بالمسؤوليات العامة، فالمرأة في الإسلام إنسان كما الرجل.

 

إن هذا الإهمال الذي يلحق بالشعوب العربية ناشئ من الحاكمين الذين تؤيدهم الإدارة الأمريكية

أمّا ما تلاحظونه في العالم العربي من إهمال لحق الشّعوب، فإنّه ناشئ من الحاكمين الذين تؤيِّدهم الإدارة الأمريكية مع كل ديكتاتوريتهم وظلمهم لشعوبهم، فهم يحكمون الشعوب من دون رضاهم، حيث تغيب الديمقراطية عن طريقة الحكم في العالم العربي، إضافةً إلى استخدام الإدارة الأمريكية لهؤلاء الحكام لحساب مصالحها الاستراتيجية، لأنهم يمارسون ما تريده في قضايا الشعوب.

إنَّ المشكلة التي نعيشها في العالم العربي والإسلامي، هي كمشكلة الكثير من الشعوب المسيحية في أمريكا الجنوبية واللاتينية، وحتى ما تلاقيه بعض الجماعات في قلب أمريكا في مسألة التمييز العنصري ضدّهم، فالمشكلة تنطلق من خلال الحكام الذين يمنعون شعوبهم من الحرية ومن الحصول على حقوقهم... ولذلك نحن ضدّ هذه الأنظمة وندعو إلى إسقاطها، وضد الطريقة التي ينتخب بها الناس هؤلاء الحكام والنواب. إنّ الإسلام يرفض كل هذه الوسائل التي تمارسها الأنظمة الديكتاتورية. لذلك نحن نقول كما قال بعض الغربيين الإسلام شيء، والمسلمون شيء آخر؛ الإسلام علَّمنا أن نحب الحرية، والسلام العادل، ونحبَّ صداقة الشعوب.

س: ولكن، لماذا لا تأخذون أنتم، رجال الدّين، المبادرة لحلّ المشاكل؟

ج: إنّ الأوضاع السياسية الإقليمية والدولية المعقّدة خلقت الكثير من المشاكل التي منعتنا من حرية الحركة، وخلقت الكثير من المشاكل بين رجال الدين أنفسهم، حتى إنّ الإدارة الأمريكية تعمل جاهدةً من أجل خلق، مسيحيّين ومسلمين، فتنة بين المجموعات الطائفية والمذهبية، ونحن في لبنان، متعايشون منذ عشرات السنين، ولكن السياسة التي تقودها الإدارة الأمريكية تسعى إلى خلق المشاكل بين المسيحيين والمسلمين. وإذا كان هناك من مشاكل، فهي موجودة بين المسلمين أنفسهم، وبين المسيحيين أنفسهم.

 

نحن مع كل المبادرات التي تجعل من مسألة الحوار مسألة تتحرك في صعيد الواقع ولا تبقى أنشودة سياسية تثار لأهداف معينة

نحن كرجال الدين لا نتحمّل مسؤولية فعلية فيما يحدث من مشاكل، ونريد لرجال الدين أن يتحرّكوا في حوار متواصل فيما بينهم، ولكن التعقيدات السياسية الدولية والإقليمية تمنع ذلك. وقد سبق أن أرسلت رسالةً إلى البابا قلت فيها: إنّنا مستعدون للتعاون حتى يكون العالم في سلام، وحتى نقف كمسلمين ومسيحيين في مواجهة الظلم والإلحاد. ونحن منفتحون على كل المبادرات التي تجعل من مسألة الحوار بين الأديان مسألةً تتحرك في صعيد الواقع، ولا تبقى كأنشودة سياسية تُثار لأهداف معروفة بين وقت وآخر.

س: ما هو موقفكم من السيِّد المسيح؟ وكيف نستطيع أن نعبِّر عن محبتنا لكم، وتقديم الخدمة لشعوبكم؟

ج: نحن نؤمن بالسيد المسيح(ع) ونحبّه ونعظّمه، وإن كنّا نختلف مع المسيحيين فيما يعتقدونه من أن الله تجسّد فيه، ونرى فيه نبيّاً من أنبياء الله، ونحبُّ أمّه السيدة العذراء مريم التي تمثل المستوى الأعلى في الإنسانية. وقد تحدّث القرآن عن السيد المسيح وقال إنّه روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، واعتبر أن خلق الله للمسيح في كان من خلال نفخ الرّوح فيه من دون أن تتزوج أمّه أحداً.

وهناك آية قرآنيّة ذكر الله فيها مسألة العلاقة بين المسلمين والمسيحيّين، قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى}(المائدة:82)، إذ أنّه يرى أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين هي علاقة المودة والمحبة.

أمّا كيف نحبّكم وتحبوننا، فذلك يكون بأن نحترم إنسانيتكم وتحترموا إنسانيتنا، وأن نعيش حركة السلام فيما بيننا، فلا نضطهدكم أو نضغط عليكم، ولا تضطهدوننا أو تضغطون علينا وعلى قضايانا.

س: علّمنا السيد المسيح أن ندير خدّنا الأيسر لمن يضربن على خدّنا الأيمن، وأن نحبّ أعداءنا، فلماذا لا يحب حزب الله إسرائيل ويلقي سلاحه؟

 

لماذا لا تلقي إسرائيل سلاحها الذي قتل شعوبنا ودمرها؟!

ج: إنّنا نسأل: لماذا لا تلقي إسرائيل سلاحها الذي قتل شعوبنا ودمّرها؟! إنّ حزب الله يستخدم سلاحه للدفاع عن النفس، أمّا إذا توقّف العدوان علينا وعلى لبنان، مع وجود ضمانات حاسمة في عدم الاعتداء عليه، فعندئذٍ تنتفي الحاجة إلى وجود السلاح. الكل يعرف أنَّ الإدارة الأمريكية أرسلت سنة 2006 القنابل الذكية إلى إسرائيل في حربها على لبنان، وكذلك القنابل العنقودية التي لا تزال تقتل المزارعين في كل يوم، وهي تعتبر ـ كما قرأت في تعليق أحد المسؤولين الأمريكيين ـ أن ذلك يتناسب مع القوانين الدولية.

إنّ الله خلق لنا عينين، فعلينا أن ننظر بعين هنا وعين هناك، وخلق لنا أذنين، فعلينا أن نسمع من هنا وهناك، فلا ننظر بعين واحدة ونسمع بأذن واحدة...

س: هل برمي السلاح نستطيع حلّ المشكلة، كما علّمنا السيد المسيح؟

ج: هناك نص للسيد المسيح(ع) يقول فيه: «من لم يكن له سيف فليبع ثوبه وليشترِ سيفاً»، ونحن نفهم من ذلك، أنّه إذا اعتدي عليك، فمن حقّك أن تدافع عن نفسك... ثم كيف تفسّر الحروب الصليبية، والأسلحة الأمريكية التي احتلَّت بها العراق وأفغانستان وتتحرك بها في العالم؟! لماذا لا تترك أمريكا وأوروبا صناعة الأسلحة النووية إذا كانتا تحترمان السيد المسيح، كما يتحدث "بوش" بأنه ممن يخلص للسيد المسيح؟ لذلك علينا أن ندرس الأمور من جميع الجوانب لا من جانب واحد؛ إن القاضي يستمع إلى هذا المدعي وذاك ثم يحكم، ولكن أن تنطلق كل الحروب ضدّنا، فتُقتل شعوبنا، وتُنهب أرضنا وثرواتنا، وتُصادر قراراتنا، ثم لا يُستمع إلينا، ولا تقبل شهادتنا، فهذا ما لا ينسجم مع أبسط خطوط العدالة!

 

ليكون سلاح المحبة هو السلاح الوحيد

 

س: ولكنّ السيد المسيح عندما هوجِم رمى سلاحه واستسلم؟

ج: نحن نشجّع على أن يترك كل العالم سلاحه، ليكون سلاح المحبة هو السلاح الوحيد، ولكن هل هذا واقعي؟ إنّ السيد المسيح(ع)، إنّما بارك أعداءه وسعى إلى جذبهم إلى الحقّ لإبعادهم عن الظلم، ولكن عندما يتحرك أعداؤنا لقتلنا فماذا نفعل؟ إنّ علينا أن لا نكون مثاليين إلى المستوى، الّذي يجعلنا نتعلق بحبال الهواء، بل علينا أن ننطلق مع الواقع، وها أنتم الآن كأصحاب شركات وعلماء دين، تتحركون في الواقع لا في الفضاء، ونحن نريد أن نحدّق في الشمس دائماً، من دون أن نتغافل عمَّا في الأرض، وعمَّا هو تحت أقدامنا.

س: لديّ أصدقاء مسلمون في أمريكا من الأتراك وغيرهم، وقد بدأت أدرس القرآن الكريم، ولكنني ألاحظ أنّ في القرآن آيات تحبّذ العنف والقتل؟

ج: علينا أن نفهم القرآن جيداً، فلقد تحدّث القرآن عن العنف في مواجهة الذين يفرضون علينا العنف: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}(البقرة:190)، فلا يجوز لنا أن نقاتل إلا الذين يقاتلوننا. وفي آية أخرى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}(الممتحنة:8)، إنَّ الله يدعونا إلى أن نعدل مع هؤلاء فلا نظلمهم، وأن ننفتح عليهم في حركة برّ ومحبة ولقاء، أمّا العنف، فيكون في مواجهة من يفرض علينا العنف، فمن حقِّ أيِّ إنسان أن يدافع عن نفسه ضد من يحاول أن يقتله، وهذا ما لا يقرّه الإسلام وحده، بل تقول به كل القوانين وتحترمه كلّ الشرائع.

س: أشكركم على هذا الوقت وهذه المحاضرة التي لن أنساها ما حييت، وقد بدأت شخصياً أدرس الإسلام، ووجدته دين المحبة والسلام، وأنا أرى في المسيحيين من يخالف المسيح كما يخالف الكثير من المسلمين تعاليم الإسلام، فكيف نكون سفراء لكي نقدّم الإسلام الصحيح؟

 

على المسلمين في أمريكا أن يعرّفوا الأمريكيين الإسلام الصحيح

ج: نحن نريد للمسلمين في أمريكا أن يعرِّفوا الأمريكيين الإسلام الصحيح، بأن يكونوا جزءاً من الشعب الأمريكي، ولا يسيروا في خط الإرهاب والعنف الدامي، وأن يؤكدوا للجميع احترام الإسلام للآخر، سواء كان هذا الآخر يختلف معنا في الدين أو في السياسة أو ما إلى ذلك، وفي ذلك تأكيد أن نكون رسل محبة، ودعاة حوار مع الجميع.

س: في أمريكا، هناك الكثيرون ممّن يحبون بني إسرائيل وبني إسماعيل، ويريدون المحبة للجميع، فما هي الرسالة التي توجهونها إلى الأمريكيّين؟

ج: بنو إسماعيل وبنو إسرائيل أبناء عم، وإسماعيل هو عمَّ يعقوب، فهناك قرابة نسبية بين بني إسماعيل وبني إسرائيل، وعلينا أن نرتفع إلى مستوى النبي إبراهيم(ع)، الذي فتح أبواب الحوار مع الذين يختلفون معه، وأن يقدم بنو إسماعيل ما عندهم من الأفكار، وفي المقابل، يقدّم بنو إسرائيل ما عندهم، وأعتقد أن الحوار الموضوعي هو الذي يؤدي إلى التفاهم بين الشعوب.

 

مشكلتنا مع اليهود ليست كدين، إنما هي في المسألة الفلسطينية وفي الظلم الذي يمارس ضدهم في اغتصاب أرضهم

إنّ مشكلتنا ليست مع اليهودية كدين، إنما هي في المسألة الفلسطينية، وفي الظلم الذي يمارس ضد الفلسطينيين في اغتصاب أرضهم، وهذا حديث يطول...

س: ما هي الرسالة التي تبعثون بها إلى الشعب الأمريكي؟

ج: إننا نقول للأمريكيين، إنّنا نحبكم، ونريد أن نكون أصدقاء لكم، وأن نتعاون معكم، وأن ننطلق في الاحترام المتبادل، ونحن لا نختلف معكم كشعب. أمّا الذين يطرحون السؤال دائماً: لماذا تكرهنا الشعوب الإسلامية؟ فنحن نقول لهم إنّنا لا نكرهكم، بل نكره الظلم الذي تمارسه إدارتكم ضدّ شعوبنا وقضايانا، ونريدكم أن تتفهمَّوا ذلك وتعملوا لتغيير هذه الإدارة.

وأخيراً، ندعو الله إلى أن يوفّق الشعب الأمريكي إلى إدارة تجعل العالم يحبهم أكثر، وينفتح عليهم أكثر، ويعيش السلام معهم أكثر.