|
في
الحوار والوحدة > "الحوار
مع الغرب _ منطلقات وآفاق"
هذا
نص الكلمة التي ألقاها سماحة العلامة
المرجع السيد محمد حسين فضل الله في قاعة
الرسالة الاجتماعية بدعوة من اللجنة
الثقافية الاجتماعية في عاليه وكانت تحت
عنوان:
الحوار
مع الغرب _ منطلقات وآفاق
الاعتراف
بالآخر شرط الحوار
بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين
وأصحابه المنتجبين وعلى جميع أنبياء
الله والمرسلين، السلام عليكم أيها
الأخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات
ورحمة الله وبركاته.
الجبن
الثقافي
أن تكون
إنساناً هو أن تعيش إنسانيتك لتمتد في
الإنسان الآخر، أن يمتد عقلك ليتقرب من
عقله وليحتضنه، وأن ينفتح قلبك لينبض في
قلبه، وتتحرك في حياتك لتكون أنت هو
لتجتذبه ليكون هو أنت.
أن لا
تحبس معنى الإنسان في ذاتك لتكون
إنسانيتك تقبع في خصوصياتك فتنسى
الإنسان الآخر، لأنك إذا اخترت ذلك،
فمعناه أنك ستظل تتخبط في الظلمة، لأن
الإنسان في كل هذا الامتداد الثقافي
والروحي والحركي، يبقى هو الذي يضيء في
تجربته، فلكل إنسان، حتى في مرحلة
الطفولة، تجربته التي قد نتعلم منها من
خلال هذه العفوية الطفولية في ما يتحرك
به من أساليب مع أمه ومع أبيه ليكتسب رضى
أمه وأبيه بطريقته الخاصة، قد تكون
التجربة الطفولية تجربة صغيرة، ولكنها
تحمل في داخلها معنى يمكن أن يكبر مع
الإنسان.
لذلك،
أن تكون إنساناً، أن لا تعزل نفسك عن
الإنسان الآخر، كن ما شئت، ليكن لك دينك
الذي تؤمن به، ليكن لك انتماؤك الاجتماعي
أو انتماؤك السياسي أو ما إلى ذلك مما
تنوَّعت فيه الانتماءات لدى الناس، ولكن
إذا كنت تعتبر نفسك أنك وحدك من يحقُّ له
الانتماء، وإذا كان من حقك أن تختلف معي،
فلماذا لا تفكر أن يكون لي الحق في أن
أختلف معك؟
إن
المسألة ليست مسألة ثقة بالذات، ولكنها
ضعف في الفكر، وذلك عندما تعرض عن أن
تستمع إلى ما أفكر به لأنك لا تملك أن
تواجه الفكر بالفكر. لذلك نحن نعتبر أنّ
كل الذين يرفضون الحوار هم أناس يعيشون
الجبن الثقافي _ إذا صحّ التعبير _ والضعف
الفكري، لأنك عندما تملك الفكرة وتملك كل
عناصرها، فإنك تتقدم إلى العالم كله
لتقول هذا ما أفكر فيه، فتعالوا نستمع
إلى ما تفكرون فيه.
مراجعة
الأفكار
أن تكون
إنساناً من خلال هذا الامتداد الإنساني،
هو أن تكون حوارياً، أن تبدأ بالحوار مع
نفسك، لأن شرط الحوار هو أن تفهم نفسك
فيما تنفتح به من خطرات الفكر، أو في ما
تنبض به من حركة العواطف أو ما تتحرك به
من مشاريع، ربما يكون كل هذا نتيجة أنك
كنت الصدى، حيث فكر الآخرون ففكرت،
وأحبَّ الآخرون وأبغضوا فأحببت وأبغضت،
وحيث تحرك الآخرون فتحركت، فكنت أنت
الصدى لكل هذا الصوت.
إننا
عندما ندرس الكثيرين من الناس، فإننا نجد
أنهم لم يختاروا ذاتهم في معنى الغنى
الذاتي للإنسان، بل إنهم عاشوا ذاتهم
ولكنهم انطلقوا على أساس أن يتبعوا الصوت
ليكونوا الصدى، لذلك فمسألة أن تحاور
نفسك هي أن تقتحم الفكر الذي قد لا يكون
فكر الأصالة، أو تقتحم العاطفة التي قد
تكون نزوةً ولا تكون عمقاً في معنى الروح.
وهكذا، عندما تدخل في مشروع هنا وهناك،
فتكتشف أنه لا يمثل ما تتطلع إليه من
مستقبل، ولعل مشكلتنا في هذا الاجترار
الثقافي للماضي، أننا نعيش في الحاضر،
ولكننا نصنع حاضرنا على أساس أنه نسخة قد
تكون مشوّهة عن الماضي، فنحن نتعصب
للماضي أياً كان، ونقدس الماضي، وبذلك
يتجمَّد الحاضر ويتيه المستقبل، لأننا
لسنا مشدودين إلى أن نفهم أن هذا الماضي
هو فكر انطلق من خلال أناس كانت لهم
تجربتهم الثقافية، وقد تكون هذه التجربة
محدودة ومحصورة في نطاق مختلف ضيق، هم
أناس فكروا فلماذا لا نفكر، وهم جربوا
فلماذا لا نجرب، وعندنا مما تطوّرت به
الأوضاع ما ليس عندهم؟! فلماذا لا نوحي
لأنفسنا بأننا ننقد ذلك الماضي وننفتح
على الإبداع. إن مسألة أن تبدع هي أن تكون
إنسان الفكر الذي يتأمل والذي يحاور
والذي يتابع التجربة هناك وهناك.
عقبات
ذاتية
ونحن
ربما اصطنعنا مقدسات ومنعنا الحوار في
هذه المقدسات، لأننا نخاف على المقدسات
أن تهتز في بعض مفرداتها أو في بعض
تفاصيلها، فنحن لا نمنع أن يكون للإنسان
مقدس، ولكن أن يفحص هذا المقدس في داخله،
في عناصره الذاتية، فربما يكون شيئاً
ورثه كما يرث أثاث بيته، وربما يكون
شيئاً انفتح عليه نتيجة حالة ضعف، فهو
يحاول دائماً أن يلجأ إلى المقدسات دون
أن يفهمها جيداً، لذلك أطلقنا منذ سنين
شعار «لا مقدسات في الحوار»، وقلت إننا
نستطيع أن نتحاور في كل شيء، والله
سبحانه وتعالى تحدّث في القرآن الكريم عن
الحوار.
وقد طرح
القرآن مسألة هل أن الله موجود أو ليس
موجوداً؟ وطرح مسألة الحوار حول توحيده،
وطرح مسألة الحوار حول النبي؛ هل هو نبي
أو مجرد إنسان عادي، هل هو مجنون أو إنسان
عادي، هل هو ساحر أو كاهن أو أنه نبي،
وقال لنا انطلقوا بالحوار حتى تستطيعوا
من خلاله أن تتعمقوا حتى في العقيدة
والانتماء الديني، فلا يكون الانتماء
إرثاً ترثونه، ولا يكون الانتماء عصبية
تحبسون أنفسكم في داخلها، بل يكون
الانتماء فكراً تتحاورون به مع الذين لا
يوافقونكم فيه، كما أنه ليس هناك مقدسات
في المحاور، فقد تحاور الشيطان كما قد
تحاور الملاك.
الله في
القرآن الكريم حاور الملائكة كما حاور
إبليس، لأن الشيطان يعيش الفكر كما أن
الملاك يعيش فكراً روحياً، لذلك علينا أن
نفهم الشيطان وأن نتحاور معه، ربما يكون
الشيطان شيطاناً بنسبة 50%، فلنحاوره في
ال 50% الأخرى، فلعلنا نربح هذه الخمسين
بالمئة، وهناك الكثير من الشياطين الذين
يعيشون نسبية الشيطنة، استطاعوا أن
يتحولوا إلى ما يشبه الملاك.
تقبل
الآخر
لذلك
علينا أن ننتج مجتمعاً يتقبل الحوار مع
الآخر، وإذا أردنا أن ندخل في الحوار مع
الآخر، فإن علينا أن نقبل الآخر، أن
نستمع إلى وجهة نظره في ما يفكر لنناقشه
ونحاوره في القضية من خلال وجهة نظرنا،
أن نتركه يتحدّث عن وجهة نظره لنحاوره في
ذلك، كما نتحدّث عن وجهة نظرنا ليحاورنا
فيها.
إن
المشكلة في كثير مما نعيشه هو أننا نتحدث
مع الآخر من خلال ما نحن لا من خلال ما هو.
ولذلك يتحول الحوار إلى ما يشبه حوار
الطرشان كما يقولون، فهو يتحدث من دون أن
تفهم شيئاً وتتحدث أنت من دون أن يفهم هو
شيئاً، ولعل من أعظم شروط الحوار هو أن
تعترف بالآخر، هذا الشيء الذي نفقده في
الشرق، وهو عدم الاعتراف بالآخر، وهي
مسألة غير إنسانية وغير واقعية. إنك
عندما تلغي الآخر من حساباتك فإن ذلك لا
يلغيه، فهو إنسان موجود فكراً وموجود
عاطفةً وحركةً وموجود في عملية الواقع
الذي قد يؤثر فيه سلباً أو إيجاباً.
إن
مسألة إلغاء الآخر هي مسألة غير واقعية،
ونحن نريد أن نعيش في الواقع، وأن تكون
لنا شجاعة الاعتراف بالآخر، لأن ذلك هو
الذي يجعلنا نكتشف إيجابية الآخر
وسلبياته لنعاونه أو نساعده على أن يكتشف
إيجابياتنا وسلبياتنا، وأعتقد أن هذا
الأسلوب يمكن له أن يحقق الكثير من
التقارب الفكري ومن الاحترام الإنساني،
ومن خلال كلِّ هذه اللقطات ندخل في
الموضوع الذي أريد لهذه المحاضرة أن تطل
عليه، وهو مسألة الحوار مع الغرب، ولعل
الذي أوحى بهذا العنوان هو أن هناك فكرة
يحملها الكثيرون من الناس في كل هذه
الهزات السياسية والأمنية التي عاشها
الإنسان مع الغرب منذ بدايات القرن
السابق، الأمر الذي جعل مسألة الغرب عقدة
في نفوسنا بالمستوى الذي قد يدعو فيه
بعضنا بعضاً إلى أن نبتعد عنه فلا نحاوره
ولا نحدثه ولا نقترب منه، ولتكون السلبية
هي ما نواجهه به في كل القضايا السياسية
والاقتصادية والثقافية والأمنية.
ربما
كانت هذه المسألة تمثل الظاهرة في هذا
العالم الشرقي، وربما يمتد إلى العالم
الثالث غير الشرقي، ويحدثك بعض الناس عن
عدم الجدوى في هذه التجربة، ليستحضر
الكلمة المشهورة الشرق شرق والغرب غرب
ولن يلتقيا، ولذلك فإن عدم اللقاء يمثل
حتمية واقعية في هذا المجال.
لا
حدود للحوار
ولكن
علينا أن نفهم حقيقة، وهي أنه لم يعد هناك
شرق وغرب، بل أصبح العالم كما يقولون
قرية واحدة يتأثر فيها الشرق بما يحدث في
الغرب كما يتأثر الغرب بطريقة وبأخرى مع
بعض الفوارق بما يحدث في الشرق، أيضاً لم
تعد هناك حواجز حتى في المسألة الثقافية،
إننا نعرف أن الشرق تأثر بالغرب عندما
انطلقت الترجمات من خلال الفلسفة
اليونانية التي أثرت على الفلسفة
الإسلامية، وهكذا في الترجمات المتنوعة
في أكثر من موقع علمي أو ثقافي، كما أن
الغرب تأثر أيضاً بالشرق، وهذا ما حصل في
الفترة التي كان فيها المسلمون في
الأندلس، حيث استطاع الغرب أن يتأثر
بالكثير من الفكر الإسلامي المنفتح،
ولعل البعض يتحدث أن الفكر الإسلامي لابن
رشد وغيره هو الذي دفع بالغرب إلى اعتبار
التجربة مصدراً للمعرفة، لأن المعرفة
كانت تنطلق من خلال التأمل العقلي.
ثم إننا
نعرف الآن أن الشرق زحف إلى الغرب وبدأ
يتعلم في جامعاته، كما أن الغرب زحف إلى
الشرق، فكان الاستشراق يمثل مدرسة تنفتح
على كل ما في الشرق من علوم وثقافات
وأوضاع وسياسات. إذاً ليس هناك شرق وغرب
بالمعنى الذي يفصل عالماً عن عالم، ربما
يختلف الغرب في بعض خطوط فلسفته في قضايا
حرية الإنسان وأمثال ذلك في سعة الحرية
وضيقها على المستوى الفردي عما يؤمن به
الشرق. نحن لا نمانع في أن هناك فكراً
مختلفاً، لكن لا على أساس أن كل هذا الفكر
يختلف مع كل ذلك الفكر، نحن نعرف أن الغرب
يختلف في ما يتحرك به من خطط ثقافية
وفكرية، كما أن الشرق يختلف فيما يتحرك
به من خطوط ثقافية وفكرية.
الحوار
والتنوع الأمريكي
ونحن
نعرف أنّه كما في الغرب مستشرقون، هناك
في الشرق مستغربون أو متغربون إذا صحَّ
التعبير، لهذا ليس الغرب واحداًٍ وليس
الشرق واحداً، سواء في المسائل الدينية
أو الإنسانية أو في قضايا حقوق الإنسان
أو في مسألة الحريات وما إلى ذلك، وفي
المسائل السياسية في الديمقراطية
والدكتاتورية والاشتراكية وما إلى ذلك،
ليس هناك غرب مطلق وليس هناك شرق مطلق. ثم
إن المشكلة التي نعيشها في الشرق أو في
العالم الثالث، هي أننا عندما نتحدث عن
الغرب نتحدث عن الإدارات الغربية،
وعندما نتحدث عن أمريكا، فإن الصورة التي
تواجهنا وتحرك كل مواقفنا هي صورة
الإدارة الأمريكية في سياستها على مستوى
الواقع العربي أو الإسلامي أو على مستوى
العالم، فكأننا عندما نتحدث عن أمريكا في
مظالمها وفي سياستها التي تدمر الكثير من
أوضاعنا السياسية والاقتصادية وما إلى
ذلك، كأننا نتحدث عن الرئيس الأمريكي وعن
إدارته وعن المحافظين الجدد وما إلى ذلك،
ولكن أمريكا ليست هؤلاء، نحن نعرف أن
هناك مراكز علمية وثقافية ومراكز دراسية
من أفضل المراكز في البحث والملاحقة لكل
القضايا.
قد تكون
بعض هذه المراكز لا تلتقي بالخطوط التي
نؤمن بها لتلتقي مع الإدارة الأمريكية،
ولكن هناك مراكز أخرى تلتقي بالخطوط التي
نؤمن بها، لذلك لا بد لنا إذا أردنا أن
نعيش في هذا المناخ الأمريكي الذي لا بد
لنا أن نعيش معه، لأن مصالحنا ارتبطت
بمصالحه، ولأن الكثير من ثقافاتنا
وتخصصاتنا ارتبطت بثقافته وتخصصاته،
ولأن الكثير من سياساتنا ارتبطت
بسياسته، وهكذا بالنسبة إلى أمننا
واقتصادنا، لا بد أن نفهمه. نحن لا نستطيع
أن ننعزل ونقول الموت لأمريكا، إن أمريكا
لا تموت بهذا الشعار، ولمعلوماتكم أنني
كنت ولا أزال من المعترضين على هذا
الشعار، لأن أمريكا ليست الرئيس بوش
وإدارته، أمريكا هي الشعب.
فنحن
ليست لدينا مشكلة مع الشعب الأمريكي، وإن
كنّا نختلف مع بعض ما يأخذ به الشعب
الأمريكي عندما ينتخب رئيساً بطريقة
خاصة، وعندما ينتخب أعضاءً في الكونغرس
مثلاً يصوّتون على كل ما تريده إسرائيل،
لكن ليست أمريكا هي كل ذلك.
نحن
نريد أن نكون أصدقاء للشعب الأمريكي،
وذلك من خلال الحوار، أن ندخل في الحوار
مع المؤسسات الثقافية، مع مراكز
الدراسات، مع المراكز الاقتصادية، مع
الشعب الأمريكي العادي العامل حتى إن
علينا أن نفكر في أن يسعى كلّ الذين
يعيشون في أمريكا من الذين أخذوا جنسيتها
وعاشوا فيها من العرب ومن المسلمين، أي
الدخول في النسيج الأمريكي، وأنا أرسلت
قبل أكثر من سنة رسالة إلى بعض المؤتمرات
الإسلامية في أمريكا، وقلت للأمريكيين
المسلمين والعرب احتفظوا بهويتكم، لأنه
ليس معنى أن تعيشوا في أمريكا أو أن
تأخذوا هويتها أن تفقدوا هويتكم، كما أن
الكثيرين من الأمريكيين في كل العالم لم
يفقدوا هويتهم، ولكن ليعرف الشعب
الأمريكي أنكم تعيشون الاهتمامات التي
يعيشها، لا تحدثوهم فقط عن القضية
الفلسطينية أو عن القضية العراقية
حدثوهم عن البيئة، عن الضرائب، عن الأمن،
عن كل الأشياء التي يهتم الشعب الأمريكي
بها، إن ذلك يمثل القاعدة التي تستطيعون
من خلالها أن تحصلوا على ثقة الشعب
الأمريكي، إنكم لستم مجرد مغتربين
طارئين، بل أنتم جزء من هذا الشعب الذي لا
يملك هوية واحدة، وإنما هو يمثل تجميعاً
من كل شعوب العالم.
واشنطن
تسقط الحوار
ولهذا
يقولون إن الفرق بين أمريكا وأوروبا، أن
أوروبا تملك كل دولة فيها حضارة، أما
أمريكا فلا تملك حضارة، فهي الآن تحاول
أن تصنع حضارة لا ندري ما هو لونها وما
طعمها وما ريحها، لذلك نحن نعتقد بأنه
علينا أن ندخل في النسيج الأمريكي عن
طريق الحوار، لذلك أثيرت مسألة الإرهاب
ومسألة العنف والرفق، وتحولت أمريكا إلى
ما يشبه العالم الثالث الذي يعاقب
الإنسان لمجرد انتمائه العشائري أو
القومي وما إلى ذلك، وعاش العرب
والمسلمون، حتى من يشبههم من الهندوس
وغيرهم، عاشوا حالة طوارئ، قلنا لهم
اصبروا إلى أن تهدأ الضجة وحاولوا أن
تكونوا مع الشعب الأمريكي في قضية الأمن،
وقد كنت أول شخصية إسلامية أصدرت بياناً
بعد أربع ساعات من أحداث 11 أيلول،
استنكرت فيه ما حدث، وقلت إن هذا الأمر لا
يقبله عقل ولا شرع ولا دين، ليفهم
الإنسان الأمريكي أن الإسلام بريء من كل
هذا.
إننا
حتى لو اختلفنا مع السياسة الأمريكية،
فإننا لا نحاربها بهذه الطريقة، كما أننا
لا نحارب السياسة الأمريكية بإنزال
العقاب على الشعب الأمريكي، كما لا نريد
لأمريكا أن تحاربنا بهذه الطريقة، لذلك
نحن نقول إنه لا بد من الحوار مع الغرب
بكل الوسائل الممكنة، وإذا كانت الإدارة
الأمريكية مستعدة لأن تدخل في حوار
موضوعي فلا مشكلة في ذلك، ولكننا نشك أن
الإدارة الأمريكية تعيش مسألة الحوار مع
الآخرين، ولعل أفضل دليل على ما نقول، هو
ما تحدث به الرئيس بوش عندما ثار الجدل
حول مسألة الإرهاب في قضية الحرب ضد
الإرهاب، وتحدث الاتحاد الأوروبي أو بعض
دوله أن علينا أن نبحث في المسألة عن
الإرهاب وعن طبيعته، فأصدر كلمته "الخالدة":
«إنه ليس هناك إرهاب سيّىء وإرهاب حسن؛
كله إرهاب»، وبهذا أدخل القضية
الفلسطينية في دائرة الحرب ضد الإرهاب،
ولا زالت تعاني، حيث أبعد المسألة
السياسية عن القضية الفلسطينية وجعلها
في دائرة الأمن، وتلقفها شارون، وما يزال
الفلسطينيون يعيشون هذه المشكلة في
الطريقة التي أدارها الرئيس بوش عندما
وضع العرب قبل الحصان ولم يضع الحصان قبل
العرب، لأن المسألة الفلسطينية هي مسألة
سياسية قبل أن تكون مسألة أمنية.
لذلك
رفض أن يدخل في حوار، ونحن نعرف أن
المرحوم الرئيس حافظ الأسد أطلق هذه
المسألة عندما قال: نحن معكم في الحرب ضد
الإرهاب ولكن حددوا لنا ما هو مفهوم
الإرهاب؛ هل الذين يحاربون دفاعاً عن
استقلال وطنهم هؤلاء إرهابيون أو لا؟
ورفض الرئيس بوش ذلك، لأنه يتحدث بلغة
النبي الذي أرسله الله للعالم من أجل أن
يصلح العالم في رسالة الديمقراطية وحقوق
الإنسان وما إلى ذلك، مما يتمثل الآن في
العراق، ويتمثل في فلسطين.
تمايز
أوروبي _ أمريكي
ثم إن
هناك أيضاً نقطة أخرى، وهي مسألة
العلاقات الاقتصادية بيننا وبين الغرب،
ولا سيما بيننا وبين الاتحاد الأوروبي،
وعلينا أيضاً ونحن نتحاور مع الغرب أن
نفرق بين الغرب الأمريكي، طبعاً على
المستوى السياسي، وبين الغرب الأوروبي،
لأننا نعرف أن الغرب الأوروبي بدأ يفهم
بشكل جيد الواقع الذي يعيش فيه الشرق،
سواء الشرق العربي أو الإسلامي، حتى وإن
كان لا يزال يخضع للضغط الأمريكي.
وأذكر
أنه في حوار بيني وبين أحد سفراء الدول
الكبرى من الأوروبيين، عندما سألته ما هو
الأساس في اعتبار الاتحاد الأوروبي،
حركة حماس حركة إرهابية، مع أن هذه
الحركة تعلن أنها لن تطلق رصاصة إذا
انسحب الإسرائيليون من الأراضي المحتلة،
ويقصدون أراضي 67، بعد أن كان شعارهم من
النهر إلى البحر، وأنهم لن يطلقوا أية
رصاصة عند الانسحاب، إذاً هم أناس
يدافعون عن وطنهم كما دافع الفرنسيون عن
وطنهم ضد النازي المفروض، إنكم
كأوروبيين تفهمون معنى الحريات وحقوق
الشعوب في هذه المسألة؟ وكان جوابه أن
المسألة هي مسألة الضغط الأمريكي على
الاتحاد الأوروبي. ولو ذكرت اسم هذا
السفير لاستغربتم هذا لأنه من دول أوروبا
العجوز، كما كان يقول رامسفيلد.
والمعروف
أن أوروبا لا تزال شابة وهي تجدد شبابها،
لهذا علينا أيضاً أن نفرق بين الغرب
الأمريكي والغرب الأوروبي، وقد اطلعتم
جميعاً على ما نشر من استفتاء أو
الاستقراء الذي طرح في الاتحاد
الأوروبي، وكانت هناك أكثرية ربما 59 أو 65%
تقول إن إسرائيل خطر على العالم، بينما
لا يحدث مثل هذا بهذه الدقة في أمريكا،
كما أنّنا نعرف أن الإعلام الأوروبي ينشر
الحقيقة بشكل جيد، ولا سيّما بالنسبة
للقضية الفلسطينية والعراقية، بينما
هناك حجر عن الحريات الصحفية الإعلامية
في أمريكا.
منهج
الحوار في القرآن
أيها
الأحبة، علينا أن نتعلم أن يكون كل واحد
منا إنسان الحوار ومجتمع الحوار، لأننا
لا نريد أن ننعزل عن العالم، نريد أن ندخل
العالم من الباب الواسع لنؤكد أصالتنا في
ثقافة العالم، ولنفهم كيف يفكر العالم
لنلتقي في مواقع اللقاء ونتحاور في مواقع
الخلاف، وأحب أن أشير إلى نقطة، وهي منهج
الحوار في القرآن، والذي لم يقترب إليه
أي منهج في الحوار حتى الآن، لأن المنهج
المعروف الآن هو أنّ رأيي صواب يحتمل
الخطأ ورأيي غيري خطأ يحتمل الصواب،
فتعطي لنفسك 70% من الصواب وتعطي الآخر 30%
من الصواب، كما أنك تعطي لنفسك 30% من
الخطأ والآخر 70% من الخطأ.
يقول
القرآن الكريم وهو يتحدث عن الطريقة التي
يريد الله لرسوله أن يدير بها الحوار مع
المشركين والكافرين {وإنا أوإيّاكم لعلى
هدى أو في ضلال مبين} (سبأ/24)، قد أكون على
هدى 100% وقد أكون على ضلال 100%، وقد تكون
أنت على هدى 100% وقد تكون على ضلال 100%،
هناك حقيقة ضائعة بيننا، فتعال نتحاور من
أجل اكتشاف هذه الحقيقة، وليتحول الحوار
إلى رحلة مشتركة بين المتحاورين من أجل
البحث عن الحقيقة، فأي منهج للحوار أكثر
إنسانية من هذا المنهج، ولكن كما قيل
الإسلام شيء والمسلمون شيء آخر، والقيمة
شيء وأهل القيمة شيء آخر.
لذلك،
علينا أن نعيد النظر في كل هذه القيم التي
ربما شوّهناها وعصبناها وسجنّاها في
دائرة مغلقة، وبذلك اختنقنا وخنقنا
القيم عندنا، فأصبحت القيم السلبية
إيجابية والقيم الإيجابية سلبية، وأصبحت
كل العناوين الكبرى تتطاير في الهواء أما
في الأرض فلا نجد إلا الكثير من الوحول
التي ربما اقتربت من الينابيع الصافية.
تعالوا لننقذ الينبوع الصافي من كل هذه
الوحول التي حركناها هنا وهناك.
تعالوا
إلى الصفاء، فإن الصفاء يؤصِّل
إنسانيتنا ويؤصل أدياننا وفكرنا، تعالوا
نبتعد عن الهامش لنظل في القلب، لأن
الآخرين يريدون منا أن نظل على الهامش
السياسي والاقتصادي.
والسلام
عليكم ورحمة الله
الأسئلة
عاليه:10
جمادى الأولى 1425 هـ الموافق في 28 حزيران -
يونيو 2004 م
|