|
في
الحوار والوحدة>
تأمُّلات في
الخطاب الإسلامي المعاصر
تأمُّلات في الخطاب الإسلامي المعاصر
سماحة العلامة المرجع السيد
محمد حسين فضل الله
الخطاب في حركة
الدَّعوة:
للخطاب الإسلامي في حركة الدعوة إلى الإسلام، الدور
الأساس في انفتاح الوجدان الإنساني على الإسلام، من خلال انسجامه مع
مستوى الذهنية العامة في طريقتها في تكوين التصوّرات والانطباعات
المتنوّعة، وإدراك القضايا العامة، وتحريك المشاعر والانفعالات، وتقديم
المضمون الحيوي الذي يلتقي مع الحاجات الإنسانية، والمنطق العام الذي
يرتكز على العقل تارةً، وعلى العاطفة أخرى، وقد يدخل في تزاوج بينهما
تبعاً للمفردات التي تختلف حركتها في النفس من خلال التأثيرات المضمونية
في علاقتها بالحسّ والعقل والوجدان، وفي نوعية الأسلوب وصلته بالأجواء
المهيمنة على الواقع والكلمات المتحركة في الخطاب... ثم حركة الرصد
المستمر للمتغيرات في الأحداث والأشخاص والعلاقات والمواقف والمواقع.
إنَّ ذلك هو الخطُّ العام الذي لا بد للخطاب
الإسلامي من أن يتمثّل به، في حركة تجدّد دائم في الشكل والمضمون والحركة
والمنهج والصوت والصدى، لأنّ الإنسان الذي يتوجّه الخطاب إليه في عقله
وقلبه ورغباته ومخاوفه، هو مخلوق متحرك من موقع حركة الإرادة في ذاته،
متغيّر تبعاً للمؤثّرات التي تترك آثارها المختلفة على كيانه، ما يجعله
بعيداً عن الاستقرار الذاتي الذي يربطه باللون الواحد، والمضمون المحدّد،
والشكل الخاص، والمنهج الثابت، وهذا هو الذي يفرض التوازن بين خصوصية
الخطاب وخصوصية الإنسان.
|
الخطاب الإسلامي لا بد أن يكون في حركة تجدّد دائم
في الشكل والمضمون والحركة والمنهج والصوت والصدى
|
وربما كان هذا الخطُّ هو ما يقصده علماء البلاغة في
تعريفهم للبلاغة في الكلام، أنها "مطابقة الكلام لمقتضى الحال"، حيث
يريدون بذلك، أن الكلام البليغ الذي يصلُ بالمتكلم إلى هدفه في اجتذاب
الإنسان الآخر إلى مضمونه لتكوين قناعاته على ذلك الأساس، هو الكلام الذي
يتوازن فيه المعنى والواقع، بحيث تتطابق الفكرة مع الحاجة، والأسلوب مع
الذهنية، ولن يتحقق ذلك له إلاّ إذا كان يملك ثقافة اللّغة في خصوصياتها
الإفرادية والتركيبية، وأسرارها الدلالية والإيحائية والإيمائية،
وأساليبها التعبيرية، وكان يحيط بالإضافة إلى ذلك بثقافة الواقع على
مستوى الإنسان والظروف والأجواء والأوضاع وحركة التغيير لينطلق في خطابه،
بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى عقل الإنسان وقلبه من أقرب طريق.
أسلوب الحكمة
وقد نستوحي ذلك - في الخطِّ الإسلامي العام - من
قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(النحل/125)، فنرى
أنّ الحكمة - كما يقولون - هي وضع الشيء في موضعه، "بمعنى عدم خروج
السلوك القولي والعملي عن دائرة الواقع في حاجاته وتطلّعاته ومستواه".
أما الموعظة الحسنة، فهي الطريقة التي تنفذ إلى العقل بسهولة وإلى القلب
بسرعة، وإلى الحياة بيسر وانسجام، من خلال الحسن في مضمون الوعظ الذي هو
معنى الوعي في حركة الخطاب، والحسن في الأسلوب الذي هو سر الحركة في
اتجاه الوجدان.
|
الحكمة هي وضع الشيء في موضعه
الموعظة الحسنة، فهي الطريقة التي تنفذ إلى العقل
بسهولة وإلى القلب بسرعة
|
ويأتي الجدال بالتي هي أحسن، ليعبِّر عن حركة الصراع
في الدعوة بين فكرها والفكر المضادّ، لتنطلق بالطريقة الفضلى، والمنهج
الأحسن، والجوّ الأفضل، فلا تثير الحساسيات التي تحوّل الموقف إلى انفعال
لا عقل له، وإلى كلامٍ لا معنى له، وإلى حديثٍ لا فكر له، ولا يحرّك
التعقيدات التي تغلق نافذة العقل عن الحقيقة من خلال العصبية العمياء،
وتبتعد بالفكر عن التركيز من خلال الفوضى، وتثير المشاكل على أساس نوازع
الشرِّ في الذات، بل تتجه إلى العقل لتفتحه، وإلى القلب لتجتذبه، وإلى
الواقع لتحتويه، فلا تكون ساحة الصراع مفتوحة على الحقد والخصام، بل على
التكامل والتفاهم للوصول إلى الحقيقة هنا وهناك.
الإسلام
رسالةُ اللهِ للإنسان
ثمَّة حقيقة "حيوية" في الإسلام، وهي أنه رسالة الله
إلى الإنسان، والّتي أراد للرسول أن يجعل منها نوراً يخرج بها هذا
الإنسان من كهوف الظلمات إلى ساحة الشمس المشرقة الواسعة، وهدى ينقذه من
الضياع، وذكرى ليتذكر حقائق الحياة والغيب والإنسان والدنيا والآخرة،
ونافذة على العقل والفكر من أجل وعي الذات والله والحياة. ولذلك، فإنه
يتحرَّك من أجل تحويل الإنسان بالفكر، ليكون طاقةً حيّةً منتجةً ومبدعةً،
الأمر الذي يفرض عليه أن يعرف كيف يجتذبه إليه، ليرتبط به على قاعدة
القناعة التي ترتكز على الفكر والإحساس، وينطلق منه نحو الآفاق الرحبة
التي تطلُّ على الله وعلى الحياة والإنسان من خلاله، وهذا هو الذي يجعل
من الخطاب الإسلامي عنصر حركة وتغيير، لا عنصر جمود وسكون.
|
على المسلم في خطابه أن يعرف كيف يجتذب الآخر إليه،
ليرتبط به على قاعدة القناعة التي ترتكز على الفكر والإحساس
|
مشاكل الخطاب
المعاصر
وربما نجد أن مشاكل الخطاب الإسلامي المعاصر، تكمن
في أن هناك اتجاهين في تجربته الفعلية يحكمان الطابع العام للحركة
الإسلامية المعاصرة:
الاتجاه الأول: الخطّ التقليدي الذي ينطلق من مفردات
الاجتهادات التاريخية وأساليبها، من دون دراسة المتغيرات الكبيرة التي
تحكم الواقع في تطور قضاياه وحاجاته ووسائله وعلاقاته، سواء من ناحية
طريقة الحكم وعنوانه وإدارته وتنظيمه، أو من ناحية الأوضاع السياسية التي
تحيط به، أو من جانب التحديات الفكرية التي تترك تأثيراتها على المسألة
السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أو من حيث واقع الاستكبار
العالمي المتحالف أبداً مع الكفر العالمي.
إننا نلاحظ أن اللغة التي يتحدّث بها هذا الاتجاه
على صعيد المضمون والأسلوب، لا تتناسب مع مفردات اللغة المعاصرة، ونقصد
باللغة - هنا - الذهنية التي تتحرك بها وسائل التعبير ومفردات التفكير،
لأنّ الذهنية المتنوّعة تمثل حاجزاً عن التفاهم تماماً كما هي اللّغة في
طبيعتها، ولهذا انطلقت الرسالات في خط الأنبياء، لتدفعهم إلى أن يخاطبوا
الناس بقدر عقولهم، كما جاء في الحديث المأثور عن النبي محمد(ص): «إنّا
معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم».
|
اللغة التي يتحدّث بها الخطّ التقليدي في الخطاب
الإسلامي على صعيد المضمون والأسلوب، لا تتناسب مع مفردات اللغة المعاصرة
|
وقد نلاحظ في طريقة هذا الاتجاه، أنَّ بعض دعاته
يخلطون بين فقه الدولة والفقه الفردي، فيحاولون تغليب الفقه الخاص الذي
يتحرّك من خلال جزئيات القضايا، على الفقه العام الذي يضع الأمة والمجتمع
في حساباته، فيخيّل إليك أن على الدولة أن تتجمَّد في دائرة الحالات
الفردية، لأن هؤلاء لم يعيشوا _ في ثقافتهم _ تجربة الدولة، بل عاشوا
تجربة الإنسان خارج نطاقها، فكانت اجتهاداتهم خاضعةً للظروف الجزئية، كما
أنَّ ملاحظاتهم محكومة للتجارب الخاصة.
وهذا هو الذي أربك المسيرة الإسلامية التي اصطدمت في
بعض نماذج قياداتها بهذا اللون من التفكير، ما جمّد حركتها، وأبعدها عن
مواقع التحديات.
وربما عاش بعض هؤلاء الاستغراق في الجانب الغيـبي
المطلق، بحيث تحوَّلت حركة الحياة لديهم إلى حالة غيب، وذلك من خلال
التأكيد أن "الإيمان بالغيب" يمثِّل قاعدةً مهمةً من قواعد الإيمان
الإسلامي. ولذلك كانت الأجواء الغيبية هي الأجواء الغالبة لديهم في تفسير
التاريخ والواقع، وفي تحريك الخطوات نحو المستقبل. ولكننا نلاحظ، في هذا
المجال، أنَّ الله _ سبحانه _ قد سنّ للحياة سنناً تحكم حركتها، وخطّط
للإنسان، في حياته الفردية والمجتمعية، قوانين عامة في طبيعة علاقته
بالوجود من حوله، بحيث أراد للحياة والإنسان، أن يتحركا في دائرة السنن
الكونيّة المحدودة، من دون إغفال دور القدرة الإلهية في أن تتدخل في بعض
الحالات، لتجمد قانوناً كونياً أو مجتمعياً لمصلحة قضية حيوية تتصل
بالمسار الكوني والإنساني، في دائرة الإعجاز أو نحوه.
بين السنن
الكونية والغيب
ولذلك، فلن يكون التفسير الطبيعي للأحداث والتطورات
والأوضاع العامة، خروجاً عن الإيمان بالغيب، واستغراقاً في الاتجاه
المادي؛ لأن حيثيات الطبيعة في دائرة السنن الكونية، والقوانين الطبيعية،
هي من غيب الله الذي لا نعرف عمق أسراره، فإذا كانت السببية المادية هي
قانون الحركة في الحياة والإنسان، فإن ذلك لا يلغي جانب الغيب فيها،
باعتبار أن سرّ السببية في عمق الوجود مما لا نعرف حقيقته، ليبقى غيباً
في علم الله.
|
ليس التفسير الطبيعي للأحداث والتطورات والأوضاع
العامة، خروجاً عن الإيمان بالغيب، واستغراقاً في الاتجاه المادي
|
إن مثل هؤلاء يغفلون عن حقيقة إيمانية حاسمة، وهي
أنَّ الله أطلق إرادته في حركة الكون والإنسان، في ما يملك الإنسان رؤيته
ووعيه وحركته، وهو الجانب المادي من الوجود، كما أطلقها في ما لا يملك
الإنسان سرّه وشهوده وتحركه بإرادته، فهما _ معاً _ مرتبطان بالله، فلا
يكون الانفتاح على أحدهما دون الآخر، وذلك انطلاقاً من حقيقة الإيمان
التي تفرض على المؤمن الأخذ بهما معاً، بحيث تكون للحياة ماديتها
الوجودية، وروحيتها الغيبية. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإنَّ الاستغراق الغيـبي في الشخصيات
القدسية، التي يتحوّل أصحابها إلى مخلوقات غيبية، لا علاقة لهم بالوجود
الحسي المادي إلاّ من حيث الشكل، بالدرجة التي قد تتحوّل القضية معها إلى
ما يشبه التصوّر الغيـبي لكل ما يحيط بهم، قد يساهم في إبعاد الناس عن
الانفتاح على حياتهم من الموقع الإنساني الطبيعي، لأنّ صورتهم ليست صورةً
إنسانيةً في ملامحها وتطلّعاتها وحركيتها.
وربما كان السرُّ في هذا الاتجاه، هو فقدان المنهج
التوثيقي للتراث الإسلامي، في "الحديث" الذي عاش الكثير من الإرباك في
السند والمتن، ما جعل البحث العلمي ضرورياً في توثيق الفكرة في مصدرها
ومضمونها، لنستطيع أن نحصل على التكامل الفكري بين خطِّ القرآن وخط
السنة، كما هو العمق في الواقع الإسلامي.
وقد تأثَّرت النظرة الاجتماعية والسياسية بالكثير من
هذه الأجواء، بحيث ابتعد الكثيرون من هؤلاء الذين يملكون مواقع إسلامية
متقدمة، عن وعي الذهنية المعاصرة، فلم يستطيعوا أن ينفذوا إلى عمق
الإنسان المعاصر، الأمر الذي أدى إلى حدوث المزيد من الفواصل بينهم وبين
الواقع.
وهذا هو الذي يزال الحديث مستمراً عنه، لجهة الهوَّة
القائمة بين الحوزة والجامعة، أو بين الوسط الديني والوسط العصري _ إذا
صحّ التعبير _ ما يعمل الداعون من العاملين والقياديين على معالجته
بالطرق الواقعية، التي تحاول تقريب المفاهيم المختلّفة، والأساليب
المتنوّعة لدى كلٍ منهما.
الخطاب التقليدي
وقد نلاحظ _ في هذا الخطّ _ أن الذين ينطلقون فيه،
قد يملكون عناوين سياسية كبيرة، تنفتح في شعاراتها على أجواء في مفرداته
وحاجاته، وعلى اللغة المعاصرة في طريقة التحرك، وقد يتحرَّكون في الخط
الجهادي بالمستوى الذي يتقدمون فيه كلَّ التيارات السياسية الموجودة في
الساحة، ما يوحي بأنهم قد يملكون الموقع القيادي في المسألة السياسية.
ولكننا قد نجد _ إلى جانب ذلك _ ضياعاً في المسألة
الفكرية على مستوى تحديد الخطِّ والمنهج والمفردات بشكلٍ واضح، على مستوى
المشروع الإسلامي الثقافي، لفقدان الوحدة الفكرية في هذا المجال،
واستغراق الحركة في الجو السياسي والجهادي، ما يفرض على قادتها أن
يواجهوا تحديات المستقبل، بالتخطيط الدقيق للخطاب الثقافي الذي يمثل
قاعدة الخطاب السياسي، وينفتح بشمولية وامتداد على المشروع الحضاري
الإسلامي، الذي يكفل للمسلم المعاصر الحصول على التصوّر الواضح للخطِّ
الإسلامي الحركي في مواجهة الخطوط الأخرى.
مشكلة الخط التقليدي، أنّه يعاني حالةً من الضياع
والتمزّق، لأنّه يفكر بطريقة مغايرة للطريقة التي يفكر فيها الإنسان
المعاصر. ولذلك فإن التجديد الذي أثاره بعض هؤلاء، كان تجديداً في الشكل
لا في الحركة الثقافية، ما جعل دخول الحركة الإسلامية التي تتبناه في
الواقع المعاصر، مشكلةً تبحث عن حلّ، لأن خطابها لا يتناسب _ غالباً _ مع
تكوين ذهنية الإنسان العامة.
|
إن التجديد الذي أثاره بعض يعيشون الخطاب التقليدي،
كان في الشكل
|
الاتجاه الثاني: الخطّ التوفيقي بين المضمون الإسلامي
والمضمون العصري _ إذا صحَّ التعبير، وهو الذي ينتهجه المثقفون
الإسلاميون في انفتاحهم على الخطوط الثقافية المعاصرة المتأثّرة بالتفكير
الغربي، في اتجاهاته المتنوعة، في الدوائر السياسية والاقتصادية
والاجتماعية، التي استطاعت التأثير في المجتمعات الإسلامية، بفعل السيطرة
الاستعمارية على الواقع الإسلامي كلّه، ما جعل الكثيرين من المسلمين
خاضعين لتأثيرات مفاهيمه وطريقته في الحياة ونظرته إلى الأمور، بحيث وجد
الإسلاميون المعاصرون، أن الطريقة الفضلى لاجتذاب هؤلاء المسلمين من جهة،
ولإقناع العالم الغربي بواقعية الإسلام، وانفتاحه على تطورات العصر،
وقدرته على مواجهة المتغيرات في حركة الحياة، من جهة أخرى، هي في
الانسجام مع العناوين الكبرى المطروحة في الساحة المعاصرة الغربية،
كالديمقراطية، أو الاشتراكية، أو الاقتصاد الحر، أو قضايا الحريات، وما
إلى ذلك من العناوين التي تخضع لقواعد فكرية تختلف مع القاعدة الفكرية
الإسلامية، لأنهم لاحظوا إمكانية إخضاع بعض التشريعات الإسلامية لها، أو
التوفيق بينها وبين الإسلام.
|
المنهج التوفيقي: الطريقة الفضلى هي في الانسجام مع
العناوين الكبرى المطروحة في الساحة المعاصرة الغربية: كالديمقراطية، أو
الاشتراكية
|
وربما حاول بعض هؤلاء _ أمام ضغط الواقع السياسي
المضادّ، الذي قد يجعل من طرح الإسلام كعنوان سياسي للواقع، مشكلة صعبة،
و طرحاً غير عملي _ أن يطلقوا شعار دولة بلا دين "الدولة المدنية"، أو
"رفض الجمهورية الإسلامية" في المجتمع المتنوّع الذي تتنوع مذاهبه
وطوائفه، على أساس مصلحة المسلمين أو الناس الموجودين داخل هذا المجتمع
في ذلك، بحيث يتحوّل هذا إلى طرح إسلامي في عمق "قاعدة التزاحم" في
المنهج الاجتهادي الأصولي _ في نظر هؤلاء _، ليبقى الإسلام حركة في
الدائرة الإيمانية للإنسان المؤمن، بعيداً عن حركة الواقع السياسي
الملتزم الذي قد يتحوّل إلى متاهات من الطروحات الخيالية التي قد تقود
الناس إلى الضياع.
مشاكل المنهج
التوفيقي
وقد تكون المشكلة في خطاب هؤلاء، أنَّهم وقعوا تحت
ضغط الواقع الصعب الذي يمثِّله المنهج المعاصر في تأثيره على الذهنية
العامة، ولا سيما في المجتمع المسلم الخاضع للسيطرة الغربية بشكل مباشر
أو غير مباشر، ما جعل استعارة العناوين التي تملك "الشعبية" الواسعة،
حركةً في المناورة، وأسلوباً في المرونة، ووسيلةً من وسائل قبول الناس
للحركة الإسلامية، أو للواقع الإسلامي الذي يمثلونه أو يتحركون فيه.
وربما يزداد الضغط الخارجي، عندما تطرح الدول
المستكبرة على هذه الحركة الإسلامية المعارضة أو تلك، أن تتبنى، في
برنامجها، الأخذ بالديمقراطية كشرطٍ لقبولها في المستقبل السياسي لهذا
البلد أو ذاك، الذي تملك هذه الدول _ أو بعضها _ القوة في التأثير على
حاضره ومستقبله، الأمر الذي يجعل الحركة الإسلاميّة محكومةً للظروف
السياسية الضاغطة، التي تفرض عليها الانسجام مع الطروحات المذكورة، أو
اختيار العزلة عن الساحة، ليسيطر عليها الآخرون من غير الإسلاميين. وفي
هذا المجال، ربما ينطلق البعض من الغرب لاستقطاب الجهات العلمانية
المثقفة، من خلال الطروحات العامة التي تتجاوز الصفة الإسلامية في
المسألة السياسية، أو تعارض طرح هذه الصفة من قبيل الحركة الإسلامية.
وربما كان من الضروري التأكيد، أنّ الشخصيات
الإسلامية التي قد تأخذ بالأساليب التوفيقية، تختلف في درجة انسجامها مع
هذا الخط، سواء من حيث تأثر بعضها بالمضمون الغربي من خلال الاستغراق
فيه، أو انفتاح البعض على الأسلوب من باب المرونة، أو تحرّك بعضهم من باب
التقية السياسية، أو نحو ذلك مما يتصل بالانفعال بالتيار الفكري أو
السياسي الضاغط في هذا الموقع أو ذاك.
إنَّ القضية التي نريد أن نعالجها في هذه المداخلة
السريعة، هي أنّه من الضروري للحركات الإسلامية، أن تستند إلى مشروع
إسلامي شامل ينطلق منه الخطاب الراهن، بحيث يملك القائمون عليه وضوح رؤية
الواقع والأشياء، فلا تكون الحركة في حالة طارئة تحت تأثير ضغطٍ معين
لمواجهة عنوان سياسي ضاغطٍ، ما قد يهيئ للتحرك ظروفاً ملائمة للحركة
تقودها إلى الانتصار الذي يحقق لها النجاح الكبير قبل أن تستكمل مشروعها،
أو تخطط للبرنامج الفكري والعملي الذي تتحرك من خلاله، لأن مشكلة النجاح
قبل تثبيت المشروع، وتأكيد المنهج، تجعل الخطاب ارتجالياً سريعاً،
وانفعالياً ضعيفاً، وتؤدي إلى حركةٍ ساذجةٍ تملك انتفاخ الشكل وفقر
المضمون.
|
من الضروري الإستناد إلى مشروع إسلامي ينطلق منه
الخطاب ، بحيث يملك القائمون عليه وضوح رؤية الواقع والأشياء
|
نقد
المنهجين التقليدي والتوفيقي:
1- المنهج التقليدي:
أما ملاحظتنا على الاتجاه التقليدي الذي يتمظهر في
أكثر في شكل، فهي أنه لا يكلف نفسه عناء التفكير في القضايا المطروحة على
صعيد الاجتهاد الجديد، الذي قد يكتشف بعض الأخطاء في آراء القدامى من
السلف الصالح، الذين قد يكونون خاضعين في اجتهادهم لثقافةٍ ظرفيةٍ
محددةٍ، أو تجربةٍ فقهيةٍ معينةٍ، بحيث كان لهذه المؤثرات دور كبير في
النتائج، إذ قد تبعد الإنسان عن الاستقلال الفكري في نظرته إلى النص أو
القاعدة، الأمر الذي يتيح الفرصة لإعادة نظر المجتهدين المحدثين في
المسألة بشكل أكثر عمقاً، وأوسع أفقاً، وأكثر أصالةً، وقد تطرأ بعض
العناوين الثانوية التي تغير الموضوع، فيتغيّر الحكم تبعاً له، وقد تتغير
الوسائل التي كانت تحقِّق بعض النتائج السلبية والإيجابية، ليكون سلبياً
الآن ما كان إيجابياً في الماضي، وبالعكس، كما في مثال حرية الفكر
المضادّ في مستوى العقيدة والحركة والحياة، فقد كان الموقف الإسلامي
سلبياً بالمطلق، حيث انطلق التحريم لأيِّ قولٍ أو فعلٍ أو موقف يتحدث عن
فكر الكفر والضلال أو اتجاهات الانحراف السياسي، حتى إنَّ الفقهاء أجمعوا
على تحريم حفظ كتب الضلال بأية وسيلة من الوسائل، وكانت الضغوط العملية
الواقعية تتكامل مع الضغوط التشريعية. أما الآن، فقد نلتقي ببعض
التحفّظات الواقعية التي قد يتحوّل فيها اضطهاد الفكر الآخر إلى سبب من
أسباب حصوله على العطف الشعبي، ما قد يشارك في قوته لديهم، وإثارة
التساؤل عنه عندهم، بحيث تنطلق المبادرة في عملية بحثٍ عنه، ودراسةٍ له،
وإعجابٍ به، وتفاعل معه، من خلال أنه الفكر المضطهد الذي يثير عطف الناس
من حوله، كأي حالة من حالات الاضطهاد.
ومن ناحية أخرى، فإنَّ وسائل الإعلام من جهة، وحركة
الضغط السياسية والاقتصادية والإعلامية والأمنية من جهة أخرى، من قبل
الدول المستكبرة والكافرة التي تترك تأثيرها في الرأي العالمي الإسلامي
بشكل خاص، قد تجعل الموقف الإسلامي في اضطهاد الفكر الآخر ضعيفاً، وتساهم
في تقوية هذا الفكر بالمستوى الذي قد يهدّد فيه الكيان الإسلامي، بينما
نجد أن إعطاء هذا الفكر حريته في نطاق الواقع المتوازن في خط النظام
العام، وتحريك الفكر الإسلامي في اتجاهه، في عملية توعية وحوار وحركة،
يمنح الموقف الإسلامي القوة على صعيد المواجهة الحضارية لأصحاب هذا
الفكر، ما يساعد في إقناعهم أو إبطال حجتهم أمام الرأي العام الإسلامي
والعالمي، كما يضعف الموقف لدى الآخر، وبذلك لا تكون حرية الفكر الباطل
وسيلةً من وسائل تقويته، بل قد تكون _ من خلال الخطة الحكيمة _ من وسائل
إضعافه، كما قد يكون الاضطهاد سبباً من أسباب تقويته.
ومثال آخر، قد يعيش المسلمون في بعض البلدان التي لا
يحكمها الإسلام، أو يحكمها غير المسلمين، أو ينطلق فيها الحكم في وضع
مختلط بين المسلمين وغيرهم حسب القانون العام، فقد نلاحظ أن الفتوى
المعروفة لدى بعض الفقهاء من الأقدمين، حرّمت الدخول في الوظائف العامة،
ولا سيما المتصلة بالجانب العسكري والأمني ونحوها، لحرمة إعانة الظالم
وتقويته. لكنّ هذا الأساس في الاستدلال، قد خضع _ في طبيعته _ لنوعية
الحكم ونظامه، من خلال شخصية الرجل الواحد المتمثل بالأمير أو الخليفة أو
نحو ذلك، بينما نجد الحكم _ في هذه المراحل _ جماعياً، متمثلاً بالمؤسسات
التي يشارك فيها جميع المواطنين، ليكون لكل فريق منهم حصة في الحكم. وإذا
كانت مشاركة الناس في الحكم _ سابقاً _ تؤدي إلى تقوية الحكم الجائر،
فإنها _ في التجربة الحاضرة _ قد تقوي الموقع الإسلامي، أو الخط الإسلامي
الحركي الذي يملك أكثر من فرصة لتأكيد مفاهيمه ونشرها وتحريكها في الساحة
العامة، بينما تؤدي المقاطعة _ في أكثر حالاتها _ إلى ضعف المسلمين
وعجزهم عن تقوية المواقع وتهيئة الظروف الواقعية لمستقبل الحكم الإسلامي،
أو للقوة الكبرى في البلد.
|
تؤدي المقاطعة إعتماداً على المنهج التقليدي إلى ضعف
المسلمين وعجزهم عن تقوية المواقع وتهيئة الظروف الواقعية لمستقبل الحكم
الإسلامي
|
الإسلاميّون
والعمل السياسيّ
وربما يتصل بهذا الموضوع، دخول الإسلاميين إلى
المجالس النيابية القائمة على أساس النظام الديمقراطي الذي يختلف معه
النظام الإسلامي في خلفيته الفكرية وفي بعض مرتكزاته، فقد كانت الفتوى
حرمة المشاركة فيها، سواء بالتصويت للمرشحين، أو بالترشّح لدخولها، لأنها
مجالس تشريعية لتشريع الأحكام والقوانين المخالفة للإسلام. وربما كانت
الظروف الماضية لا تسمح بأية إيجابية لمصلحة الإسلام في المشاركة في هذه
المجالس تصويتاً ودخولاً، لانعدام الفرصة أمام الإسلاميين للتأثير
الإيجابي، بل كانت المسألة سلبيةً على الإسلام، من خلال سيطرة الاستعمار
والقوى اللاإسلامية على هذه المجالس، ما يجعل نتائجها التشريعية على نقيض
القوانين الإسلامية.
|
دخول الإسلاميين إلى المجالس النيابية والمشاركة في
التصويت بين المواقف الإيجابية والسلبية
|
أما في المراحل الحاضرة، فإن دخول الإسلاميين يمثل
فرصة جيدة للإسلام ليؤكد بعض قوانينه، أو ليمنع بعض القوانين المضادّة،
أو ليساعد في بعض القرارات والمشاريع السياسية، في خطِّ المصلحة
الإسلامية العامة، أو ليمنع بعض العلاقات الدولية المخالفة لمصالح
المسلمين والمستضعفين، كما أن المجلس النيابي يمثِّل منبراً إعلامياً
للأصوات الإسلامية في إعلان المواقف الإسلامية، ما قد يجلب لها التأييد
على صعيد المجلس أو الرأي العام بما لا يتوفر في موقع آخر.
وإذا كانت حركة التغيير صعبة التحقق على مستوى أسلوب
الثورة، فإنّ من الممكن التخطيط المدروس، ولو على مستوى المستقبل، للحصول
على الفرص من خلال المؤسسات السياسية، كالمجلس النيابي ونحوه.
وإذا كان البعض يقول: إن المشاركة هنا تعني الاعتراف
بشرعية النظام الذي لا شرعية له، فإننا نقول: إنه ليس من الضروري أن تكون
القضية بهذا الشكل، لأنّ من الممكن للمسلمين الحديث عن تفسير مشاركتهم في
نطاق النقاط التي ذكرناها آنفاً.
وهكذا نلاحظ أن الكثير من القضايا العامة التي اجتهد
الفقهاء السابقون فيها، قد تختلف في عناوينها الجديدة، بما يبرر تغيير
الاجتهاد فيها على ذلك الأساس. ولهذا، لا بد للتقليديين من الانفتاح على
قضايا العصر بروح جديدة، وفهم جديد لمواكبة المتغيرات السياسية
والاجتماعية، ليتخذوا منها المواقف التي تتناسب مع طبيعة هذا الموقع أو
ذاك.
|
الكثير من القضايا العامة التي اجتهد الفقهاء
السابقون فيها، قد تختلف في عناوينها الجديدة
|
وهناك نقطة أخرى لا بدَّ للاتجاه التقليدي من
دراستها، وهي أنّ صورة الإسلام الإجمالية والتفصيلية التي تقدَّم للناس،
لا بد فيها من الانطلاق من الدراسة العلمية الموضوعية التي تدخل في
استقراء النصوص الدالة على مفاهيم الإسلام في العقيدة والشريعة والمنهج
والحياة، بطريقة دقيقةٍ، على أساس القواعد الصحيحة في التوثيق
والاستدلال... ثم المقارنة بينها في حالة التعارض واختلاف المدلولات،
للوصول إلى نتيجة حاسمة في التصور الصحيح، حتى لا نأخذ بالأحاديث
المخالفة للكتاب في مفهومه الأصيل للحقيقة الدينية، لنؤوّله لحساب هذا
الحديث أو ذاك، ولا نخضع لما يخالف العقل من ذلك، أو الحقائق الأساسية
للإسلام، لأن المشكلة، أنَّ هناك ركاماً من الأحاديث الموضوعة التي وضعها
الغلاة والزنادقة والكذابون، بما يشوِّه الصورة الإسلامية، ويسيء إلى
حيوية الإسلام في مفاهيمه، فلا بد من اكتشافه بالوسائل العلمية قبل الأخذ
بهذا الحديث أو ذاك كأساس للحكم الإسلامي.
2- المنهج التوفيقي:
أمَّا ملاحظتنا على المنهج التوفيقيّ في الخطاب
الإسلامي، فهي في استعارة هذا الاتجاه لعناوين أخرى، مما استحدثه الغرب
من تيَّارات متنوّعة لا تخدم أصالة الإسلام من قريب أو بعيد، بل يفتح
الذهنية الإسلامية على تلك التيارات من خلال عناوينها التي تأخذ من
الإسلام عنوانه، ليجد النَّاس فيها القيمة السياسية التي تمنح الإسلام
قيمته، بحيث يخيَّل للمسلمين أنّها تمثِّل أصالة القيمة التي لا بد من
تأويل المفهوم الإسلامي لمصلحة مفهومها الذاتي. هذا، مع ملاحظة أخرى: وهي
أن لهذه العناوين أبعاداً تتجاوز الأبعاد الإسلامية في تفاصيلها الدقيقة،
كما تبتعد عن روحية الإسلام في خلفياته العقائدية، مما لا يمكن للمسلم أن
يلتزم به، الأمر الذي يفرض على المستفيدين منها، أن يدخلوا عليها بعض
التعديلات والقيود والأجواء التي تخفِّف من تأثيراتها السلبية على واقع
التفكير الإسلامي. وفي هذه الحال، قد يواجهون ردود الفعل التي تتّهمهم
بخروجهم عن الحدود التي يفرضها هذا المصطلح أو ذاك.
|
الملاحظة على المنهج التوفيقيّ في الخطاب الإسلامي، فهي في
استعارة هذا الاتجاه لعناوين أخرى لا تخدم أصالة الإسلام من قريب
أو بعيد |
إن الانسحاب من عنوان الإسلام، هنا وهناك، من أجل
الضغوط السياسية أو الطائفية التي تفرض التغيير على الإسلاميين في
شعاراتهم وفي برامجهم للحصول على رضا الآخرين، يؤدي إلى الدخول في سلسلة
تراجعات فكرية وسياسية، لحساب الآخرين، إذا انطلقت الظروف لتفرض أوضاعاً
جديدة تجتذب منّا شعارات جديدة في اتجاه إسقاطات عملية للتيار الإسلامي.
ولن يصدّقنا الآخرون الذين يقارنون بين التزامنا
بالإسلام ديناً وبين تنازلاتنا عن بعض مفرداته لحساب الأوضاع العامة
لديهم، الأمر الذي يجعلهم في حالة شعور بأن خطابنا ليس جدياً، بل هو خطاب
ترضية للمجتمع الذي لا يتقبَّل الإيديولوجية الإسلامية لأنها تثير
الأحاسيس الطائفية السلبية، فيكون أكثر حذراً من هؤلاء، لأنهم يتحدثون
بطريقة لا تنسجم مع التزاماتهم الانتمائية الدينية.
ولعلَّ أفضل تعبير عن هذا الأسلوب التوفيقي الذي
يتحرك _ على خلاف خط الالتزام _ لإرضاء الآخرين، هو قوله تعالى: {وَلَنْ
تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ
مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى}(البقرة/120)، وقد
ذكر اليهود والنصارى كنموذج للفئات المضادَّة، فيمكن لنا أن نضع أي عنوان
من عناوين التيارات الأخرى المخالفة للإسلام في قاعدتها وامتداداتها
الفكرية والعملية.
وإذا كان هؤلاء يتحدثون _ في مجال الدفاع عن أسلوبهم
_ عن المرونة والتقية السياسية والاجتماعية، فإن هناك أكثر من طريقة لا
تبتعد عن العنوان الإسلامي، بل تبقى في أسلوبها منفتحة عليه، مع التجديد
في الكلمة والجوّ والإيحاء والحركة والتحديث الواعي في الواقع بتطوراته
ومتغيراته.
واقع الخطاب
الإسلامي وأفقه:
والآن، ما هي سلبيَّات الخطاب الإسلامي؟ وما هي
تطلّعاته؟
1- إنَّ هناك الكثير من مفردات هذا الخطاب يثير
إشكالات الماضي في قضاياه ومشكلاته، ويعمل على تحريك نزاعاته وخلافاته،
لإشغال الساحة بالأوضاع السلبية التي لا علاقة لها بالواقع من قريب أو
بعيد، بل قد نجد أنهم يخلقون لنا أكثر من مشكلة أو فتنة قد تعطِّل على
الحركة الإسلامية خططها وبرامجها وتحالفاتها مع أكثر من حركة إسلامية أو
أي مجتمع إسلامي آخر.
2- إنَّ بعض الإسلاميين يثيرون في خطابهم بين وقت
وآخر، قضايا هامشية أمام تحديات الكفر والاستكبار المتَّصلة بالقضايا
المصيرية الكبرى، ما يضعف من اندفاع التحدي في ساحة الصراع، ليتضاءل
ويضعف تحت تأثير القضايا الصغيرة، وبذلك تدخل الحركة في متاهات الجزئيّات
التي تأكل الكليات.
3- إنَّ العنف المسلَّح الذي تأخذ به بعض الحركات
الإسلامية كوسيلةٍ وحيدة للوصول إلى النتائج السياسية الحاسمة، قد يدفع
بالحركة إلى التطورات السلبية لوسائل العنف، بحيث قد يدفعها الآخرون، من
الأنظمة التي تقف ضد الإسلاميين من الداخل، أو من القوى الكبرى المستبدة
في الخارج، إلى القيام بأعمال لا تتناسب مع الصورة الأخلاقية العامة
للمنهج الأخلاقي الإسلامي، ونلاحظ ذلك في خطف الأبرياء أو قتل الأجانب،
أو الاعتداء على المثقفين، ونحو ذلك من الأساليب التي قد تكون لها
مبرراتها أمام الضغوط القاسية التي تطبق على الحركة الإسلامية، بحيث لا
يكون لها مناص إلا القيام بها للدفاع عن مواقعها وأشخاصها، ولكنَّ
النتائج السلبية التي قد تترتَّب على ذلك، لا سيما في دائرة الإعلام
السلبي، ربما تشوّه صورة الحركة الإسلامية، حتى لدى الناس الذي يتعاطفون
معها.
إنَّنا نؤمن بأنَّ العنف الذي يقوم به الإسلاميون في
أكثر من موقع، كان ردّ فعل على عنف الأنظمة المحلية في البلاد الإسلامية
التي خنقت الحريات، ولم تسمح لمواطنيها بالتحرك السياسي والإعلامي، أو
ردّ فعل على خطط القوى المستكبرة التي تحرك أجهزتها الاستخباراتية لإرباك
الواقع الإسلامي، ولكن هذه الجهات تعمل على إيقاع الإسلاميين في بعض
الأخطاء الكبيرة في ممارساتهم السلبية، بحيث تعزلهم عن الرأي العام في
الداخل، وتشوّه صورتهم في الخارج. لذلك، لا بد من دراسة حركة الفعل وردِّ
الفعل في خطِّ المواجهة بين الحركة وأعدائها، بحيث تبتعد عن الوقوع في
الأخطاء التي تفرض عليها، لتنطلق في خطّتها المرسومة من دون أخطاء ولا
مشاكل.
4- إن "البعض" من الإسلاميين لا يزال يأخذ بأساليب
الانفعال التي تتحرك في عناوين غير مدروسة، في الوقت الذي تجاوزت المرحلة
هذا اللون من الخطاب الانفعالي، لأنّ لكل مرحلة أسلوبها تبعاً لنوعية
التحديات التي تمرّ بها، وهذا مما قد يسيء إلى القضايا المصيرية المطروحة
في وجدان الرأي العام، الذي يحتاج إلى أسلوب جديد يتميز بالموضوعية
والتعقّل والحسابات الدقيقة. إنَّنا لا نقول بعدم حاجة الخطاب إلى جرعة
من الحماس الوجداني، والتوتّر الروحي، الذي يمنح الواقع الشعبي حالة من
الإثارة، ولكنّنا نتصوّر أنّ الموقف الانفعالي يحتاج إلى الكثير من
الحساب العقلي، والنظرة الموضوعية، ليتوازن الخطاب في دائرة العقل
والانفعال، حتى لا يغرقنا هذا الانفعال في الخيال، ولا يجمّدنا العقل أو
الموضوعية في الأرض الباردة.
5- إنّ هناك قضايا جديدة لا بد للخطاب الإسلامي من
أن يتحدث عنها بقوة وإثارة وتركيز، كقضية الحريات الإنسانية، وحقوق
الإنسان والتنمية والنمو السكاني والإرهاب والتخلّف، وما يسمى بالنظام
العالمي الجديد، حتى لا يضيع المسلمون في متاهات الطروحات والإثارة
الإعلامية، والاهتزازات الواقعية المتحركة في هذه المفردات، ولنكون في
موقع الفعل الذي يؤكّد مفاهيمه في القضايا، بدلاً من موقع ردّ الفعل الذي
يمثِّل خط الدفاع أمام اتهامات الآخرين، فنكون صدىً لهم وللطريقة التي
يعالجون بها الأمور، فإنّ ذلك هو الذي يؤكِّد أصالتنا الفكرية والواقعية.
6- إنَّ التحديات التي تواجه الإسلاميين _ والمسلمين
جميعاً _ في قضايا الصهيونية والاستكبار العالمي، والظلم الداخلي، تتحرك
_ بأجمعها _ في الخط العسكري والأمني والسياسي، الأمر الذي جعل هذا
الجانب من الواقع الإسلامي في ساحة الصراع، هو الشغل الشاغل للحركات
الإسلامية، بحيث ابتعدت كثيراً عن الجانب الثقافي الذي يمثل التكوين
الداخلي الذاتي للحركة الإسلاميّة، كما يقدم صورة الإسلام المشرقة
للعالم، ويحرّك الأفكار الإسلامية في مواجهة الأفكار الأخرى الّتي تعمل
على إطلاق التحديات في وجه الإسلام.
إننا نعتقد أنَّ التوازن في الخطاب الإسلامي، بين ما
هو عسكري وسياسي، وما هو فكري وثقافي، هو الذي يضع هذا الخطاب في إطاره
الصحيح، ويحقّق له الكثير من النتائج الإيجابية على صعيد الحاضر
والمستقبل في ساحة الصراع الفكري والسياسي والأمني، لأنَّ التحرك الخارجي
لا ينطلق بقوة إذا لم يكن البناء الداخلي في الحركة الإسلامية والواقع
الإسلامي قوياً في مضمونه، منفتحاً في آفاقه، متوازناً في مواقعه
وتطلّعاته وحاجاته وأهدافه، فلا يطغى جانب على جانب، ولا يقوى موقع على
حساب إضعاف آخر، إلا في حالات الضرورة.
|
الكثير من مفردات هذا الخطاب يثير إشكالات الماضي في
قضاياه ومشكلاته
إثارة بعض الإسلاميين في خطابهم قضايا هامشية أمام
تحديات الكفر والاستكبار يضعف القضايا المصيرية الكبرى
العنف المسلَّح الذي يأخذ به البعض كوسيلةٍ قد يدفع
بالحركة إلى التطورات السلبية لوسائل العنف
لقد تجاوزت المرحلة الخطاب الانفعالي ، لأنّ لكل
مرحلة أسلوبها
لا بد من أن يركز الخطاب الإسلامي على القضايا
الإنسانية العامة
ابتعدت الحركات الإسلامية عن الجانب الثقافي الذي
يقدم صورة الإسلام المشرقة للعالم
|
الإسلام وتحديات
العصر
إننا نواجه تحديات كبرى في حجم العالم، لأننا نتعرض
_ كمسلمين وكإسلاميين _ لحرب عالمية ثقافية وسياسية وأمنية واقتصادية،
فلا بد من أن ندرس مواقع التحدي وأساليبه وأولوياته وخلفياته ونتاجه،
لنكون على بصيرة من أمرنا، ووضوح من أفكارنا، وثباتٍ في مواقعنا
ومواقفنا، وانفتاح متحرك على الآخرين، في حركة الحوار مع الشعوب، واحترام
أمنها، والعمل على التفريق بينها وبين حكومتها، فإننا إذا لم نستطع أن
نتفادى عدوان الحكومات، وتبديل ذلك بعلاقات الصداقة القائمة على احترام
حقوقنا في مقابل احترام حقوق الآخرين، فإنّ علينا أن نعمل على الوصول إلى
علاقات صداقةٍ مع الشعوب، وربما استطعنا من خلال ذلك أن نحقِّق اختراقاً
إسلامياً في داخل تلك الدول، الأمر الذي قد يحقق لنا الكثير من النتائج
الجيدة لمصلحة قضايانا. وفي ضوء ذلك، قد يكون من الحكمة ومن المصلحة، أن
نمتنع عن الخطاب الإسلامي الذي يتضمن التهديد العدواني للشعوب لمجرد أن
حكوماتها تضطهدنا، وعن القيام بعمل سلبي ضد بعض مواطنيها الأبرياء، لأنّ
ذلك قد يسيء _ بطريقة وبأخرى _ إلى النظرة إلى الإسلام الذي ننتمي إليه،
ونتكلم باسمه فضلاً عن مشكلة شرعية في ما نقوم به.
|
علينا أن نعمل على الوصول إلى علاقات صداقةٍ مع
الشعوب
|
إننا نعرف أن البعض من مجموعات هذه الشعوب يشارك
حكوماته في العدوان علينا، وفي التخطيط المضادّ لمصالحنا، ولكننا نخشى أن
بعض الممارسات السلبية في الخطاب والممارسة، قد يساعد أجهزة الاستخبارات
الدولية التابعة لهذه الدول ضد مصالحنا، سواء في الإعلام أو في الخطط
العدوانية الموجهة ضدنا. وليس معنى ذلك أن نقف مكتوفي الأيدي أمام الحرب
المعلنة على الإسلاميين في العالم من خلال الاستكبار العالمي والصهيونية
العالمية وحلفائهما، فقد تفرض علينا الضرورة الأمنية القيام ببعض الأعمال
السلبية من أجل حماية مواقعنا وأهلنا ومجاهدينا، ليكون ذلك رادعاً
للعدوان في حركة التوازن الواقعي، ولكن لا بد من أن تكون المسألة مدروسة
بشكل دقيق جداً، يراقب الجزئيات حتى على مستوى الفواصل والأرقام، لأنّ
القضية ليست عرضاً لعضلات القوة، ولكنها قضية سلامة الإسلام والمسلمين
العامة، على مستوى الصورة والحركة والواقع والإنسان.
وأخيراً، إن شخصية المسلم الأخلاقية، وروحيته
وانفتاحه على الله، ومحبته للناس، هي القاعدة الأساس في عمق الخطاب
الإسلامي الذي هو خلاصة الشخصية الإسلامية في وجود الإنسان المسلم، لأنّ
المضمون الفكري أو الروحي أو السياسي، ينبغي أن ينطلق من إنسان مثقَّف
بالإسلام، وروحاني في الوجدان، وسياسي في خط التوازن، حتى يكون الخطاب
الإسلامي إنساناً ينفتح، ويكون الإنسان خطاباً يتجسد.
|
إن شخصية المسلم الأخلاقية، وروحيته وانفتاحه على
الله، ومحبته للناس، هي القاعدة الأساس في عمق الخطاب الإسلامي
|
وهذا هو الذي يحقِّق للحركة الاندماج بالإنسان
والاتّحاد به، ويدفع بالإنسان إلى أن يكون تجسيداً حياً للإسلام، حتى يرى
الناس في الإنسان الإسلام الحركي، ويبصر في الإسلام كل مفاهيم الإنسان
وتطلّعاته وتصوراته وحركته في الحياة.
وفي هذا الجو المتحرّك في أكثر من موقع، والمنفتح على أكثر من بعدٍ
وأوسع من أفق، ينطلق الخطاب الإسلامي لينقد ذاته وإنسانه وحركته، ويقوم
في عملية تجدد دائم، في قلق المعرفة لكل أسلوب جديد، ومستقبل كبير.
المنطلق، العدد:108-109، 1415هـ/1994م. |