|
العلامة المرجع السيِّد محمَّد حسين فضل الله
يقول الله تعالى على لسان نبيِّه: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ}[الأحقاف: 9]، فإنَّ رسالتي تتحرك في الخطّ الَّذي تحركت فيه رسالات الأنبياء السّابقين، كما أنَّ دوري هو دورهم في الدَّعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فليس لكم أن تفرضوا ما توحي به خيالاتكم وأوهامكم، من دورٍ للنَّبي وشخصيّته وقدرته على تغيير الواقع الكوني وحركة الكون ونظامه، فليس لذلك أيّ موقع في ساحة الحقيقة الرساليَّة، فلست ـ في ما أملكه من طاقة المعرفة ـ أعلم الغيب، لأنَّ للغيب أدواته وأسبابه ووسائله الَّتي لا أملكها بصفتي الذاتيَّة كإنسان، ولا بصفتي الرّسالية كنبيّ في ما تفرضه طبيعة الرسالة من دورٍ للرسول، لأنَّ الرسول يتحرك على ضوء التَّعليمات الإلهيَّة الَّتي ينزل بها الوحي عليه، مما يُلقي الله إليه من علمه، ومما يفتح عليه من غيبه، فإنَّ طاقاته محدودة بما يمنحه الله منها.
يقول تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ}[يونس: 15]، فالوحي هو الَّذي يحدّد لي خطّ الحركة، وهو الَّذي يحدّد لي الخطوات من البداية إلى النّهاية، {وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}[الأحقاف: 9]، أبلّغكم آيات الله وأثير في عقولكم معانيها، لتكون نذيراً لكم بين يدي عذاب شديد، وذلك هو كلّ شيءٍ في الدّور والحركة والهدف.
وقد نلاحظ في هذا الجوّ القرآني الَّذي يضع قدرات النَّبي الذاتيَّة في حدود بشريته، أنَّ ذلك لا يعني انتفاء علم الأنبياء بالغيب من خلال الوحي الَّذي يحمل إليهم بعض غيب الله، كما جاء في حديث القرآن عن عيسى(ع) ممّا كان يتحدَّث به مع بني إسرائيل: {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ}[آل عمران: 49]، وكما جاء في قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ}[الجن: 26،27]، فالوحي هو مصدر معرفة النَّبي في قضايا العقيدة والشَّريعة والحياة والدّار الآخرة، ضمن ما يريد الله له أن يعلمه لحاجة الرسالة إليه في ساحتها العامَّة والخاصَّة.
المصدر: تفسير من وحي القرآن
|