|
العلامة السيد عبد الله الغريفي
تتشكّل العلاقة مع القرآن في شكلها الأمثل والأكمل من خلال العناصر التالية؛ العنصر الأول هو التواصل الدائم مع القرآن تلاوةً وحفظًا وتجويدًا، وقد جاء في خطبة النبيّ(ص) المعروفة حول شهر رمضان: "ومن تلا فيه آيةً من القرآن؛ كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشّهور".
الانصهار مع القرآن:
والعنصر الثاني هو الانصهار الوجداني مع القرآن، بأن نرتقي في علاقتنا مع القرآن إلى مستوى الحبِّ والعشق والانصهار الروحيّ، فالقرآن كلام الله تعالى، وعظمته مستمدّةٌ من عظمة الله، وقداسته من قداسة الله، وهيبته من هيبة الله، ورهبته من رهبة الله.
وهنا نتساءل: كيف نعيش الخشوع والانصهار مع القرآن؟
لكي نعيش حالات الخشوع والانصهار والذّوبان مع القرآن؛ نحتاج إلى مجموعةٍ من الاستعدادات، أبرزها:
ـ طهارة القلب ونقاؤه وصفاؤه، فالقلوب الملوّثة تُصاب بالتكلّس والقسوة والجمود، وتُصاب بالغَبَش والعمه والرّين، فتموت في داخلها إشراقات النور الربّانيّ، وتتعتّم الرؤية، وتتيه البصيرة، وعندها لا تملك هذه القلوب القدرة لتنفتح على كلام الله، ولتخشع بين يدي كتاب الله، أما القلوب الطّاهرة النقيّة الصّافية، فهي مهيَّأة لعيش العروج الروحيّ مع آيات الله، وللانفتاح على كلام الله، وللخشوع والانصهار والذّوبان مع القرآن العظيم.
|
ـ حضور القلب، فالقلوب الغافلة لا تسمع كلام الله، ولا تنفتح على كتاب الله، ولا تخشع لذكر الله، ثمّ إنّ القلوب الغافلة لا ينظر إليها الله سبحانه، ولا تشملها فيوضاته ورحمته وعطاءاته الربّانية.
ـ اجتناب أكل الحرام، لأنَّ أكل الحرام له آثاره الكبيرة على القلب، فلقمة حرامٍ أو شربة حرامٍ تعمل عملها الخطير على القلب وعلى الروح، حيث يصاب القلب بالظلمة والاسوداد، وتصاب الروح بالجفاف والركود والجمود، وعندها يموت الخشوع في داخل الإنسان.
ـ الإقلاع عن المعاصي والذّنوب، فارتكاب المعاصي والذّنوب من أخطر الأسباب التي تصادر الرّوحانيّة والخشوع والانصهار والذّوبان مع الصّلاة والدّعاء والتلاوة.
فإذا كنا نطمع في لقاء روحاني خاشع مع كتاب الله، فلنطهِّر أنفسنا من المعاصي والآثام، ولنبتعد كلّ الابتعاد عن المخالفة والعصيان، ولنحذر الذّنوب في السرِّ والعلن. |
إذا كنا نطمع في لقاء روحاني خاشع مع كتاب الله، فلنطهِّر أنفسنا من المعاصي، ولنحذر الذّنوب في السرِّ والعلن |
التدبر القرآني:
أما العنصر الثالث، فهو التدبر القرآني، بأن نفتح عقولنا على القرآن، تأملًا وتفكّراً وتدبّراً في معاني آياته، وهناك نمطان لتلاوة القرآن:
ـ التلاوة الصمّاء الرّاكدة الجامدة، وهي تلاوةٌ تتعامل مع الحروف والكلمات فقط، ولا تستنطق المعاني والدّلالات، تلاوةٌ تعيش مع الشّكل ولا تبحث عن المضمون.
ـ التلاوة المتدبّرة الواعية، وهي تلاوةٌ تتعامل مع المعاني والدّلالات، ولا تتجمّد عند الحروف والألفاظ والكلمات، تلاوةٌ تبحث عن المضامين والأفكار.
ولكي يتوفّر لدينا "فهم قرآني" يُعيننا على "تدبّر آيات الله" نحتاج إلى:
ـ قراءة في كتب التفسير، بحيث يختار القارئ كتاباً من كتب التفسير يتناسب مع مستواه الذّهني والفكري، ولو باعتماد أحد التفاسير المبسّطة والمختصرة.
ـ حضور الدّروس القرآنيّة التي تنمِّي الفهم القرآنيّ، وتصوغ الذهنيّة القرآنيّة، وبمقدار ما ينمو هذا الفهم، وتتشكّل هذه الذهنيّة، تقوى القدرة عند قارئ القرآن على التدبّر والتأمّل في آيات الله.
ـ القراءة المتأنِّية، وتعني عدم الإسراع والعجلة في القراءة، لأنّ القراءة المتأنِّية تهيِّئ الفرصة للتأمّل والتفكّر والتدبّر في معاني القرآن، أمّا القراءة المستعجلة، فلا تسمح للذّهن بأن يتأمّل ويتفكّر ويتدبّر في المعاني والأفكار التي يختزنها كتاب الله وتحملها آياته.
|
التطبيق والتجسيد:
والعنصر الرابع هو التمثّل القرآني، أي "التطبيق والتجسيد"، وذلك بأن نعيش القرآن فكراً وعاطفةً وسلوكاً.. فأن نعيش القرآن فكراً، معناه أن نصوغ فكرنا وثقافتنا ورؤانا من خلال فكر القرآن وثقافته ورؤاه، وأن نتمثّل عمليّاً هذا الفكر القرآني، وهذه الثّقافة والرؤى القرآنيّة.
من المفاهيم القرآنيّة: المفاهيم التي تتحدّث عن الله سبحانه، عن الأنبياء والأولياء، الآخرة، الإمامة، الإنسان، الكون، الحياة، الأخلاق، القيم الاجتماعيّة، الرّؤى الاقتصاديّة والسّياسيّة... وأن نعيش القرآن عاطفةً، معناه أن نصوغ عواطفنا ومشاعرنا الوجدانيّة من خلال رؤى القرآن وتوجيهاته العاطفيّة والوجدانيّة، وأن تتحوّل عواطفنا ومشاعرنا الوجدانيّة عمليًّا إلى "عواطف ومشاعر قرآنيّة".
من أمثلة العواطف القرآنيّة: الحبّ في الله والبغض لله، حبّ الطّاعة وبغض المعصية، الغضبّ لله، الفرح بما يرضي الله.
وأن نعيش القرآن سلوكاً، يعني أن نصوغ سلوكنا وجميع ممارساتنا العمليّة من خلال مدرسة القرآن وتعاليمه وأحكامه، والسّلوك يمتدّ إلى كلّ المساحات الفرديّة والأسريّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة..
هكذا نعيش التمثّل القرآني تطبيقاً وتجسيداً على مستوى الفكر والعاطفة والسّلوك، والقيمة الكبرى للتّعاطي مع القرآن هو بأن نملك هذا البعد؛ بعد التطبيق والتجسيد، وإلّا فلا قيمة لكلّ الأبعاد الأخرى إذا لم تنتج لنا تمثّلاً عمليّاً للقرآن. |
القيمة الكبرى للتّعاطي مع القرآن هو أن نطبقه ونجسده، وإلّا فلا قيمة لكلّ الأبعاد الأخرى إذا لم تنتج لنا تمثّلاً عمليّاً للقرآن |
|
تحريك القرآن في الواقع:
أما العنصر الخامس، فيتمثل بتحريك القرآن في كلّ الواقع الروحيّ والثقافيّ والأخلاقيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والسّياسيّ، بمعنى أن نحوّل القرآن من حالةٍ تعيش في "داخل الفرد" إلى حالةٍ تعيش في "داخل المجتمع"، وبذلك نكون "دعاةً قرآنيّين"، ويتمّ ذلك من خلال "تنشيط الفاعليات القرآنيّة". |
علينا أن نحوّل القرآن من حالةٍ تعيش في "داخل الفرد" إلى حالةٍ تعيش في "داخل المجتمع"، وبذلك نكون "دعاةً قرآنيّين" |
ومن هذه الفاعليات القرآنيّة: الدروس القرآنيّة (الحفظ، التلاوة، التجويد، التفسير، العلوم القرآنيّة)، المحاضرات القرآنيّة، الندوات القرآنية، المسابقات القرآنيّة، المؤتمرات القرآنيّة، المواسم القرآنيّة، الدِّراسات القرآنيّة، المراكز والجمعيّات والمؤسّسات القرآنيّة، الدورات القرآنيّة، المدارس والمعاهد القرآنيّة، اعتماد الوسائل الحديثة والمتطوِّرة في تفعيل حركة القرآن في كلّ أبعاد الواقع.
|