نسخة للطباعة

موضوعات العدد #Cal_JournalNumber# > أرشيف القضايا الإسلامية

شهر الورع والعودة إلى الله

التاريخ: 8 رمضان 1433 هـ  الموافق: 27/07/2012 م

الشيخ ياسر عودة

قال تعالى في محكم كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183]. لا بدَّ للمسلم من أن يدخل شهر رمضان نقيّ القلب، زكيّ الروح، نظيف العقل، يُخرج من قلبه كلّ غلٍ وحقدٍ وبغضاء على الَّذين آمنوا، ليتكامل معهم في محبَّة الله والانفتاح عليه سبحانه وعلى آياته ودلائله.

كما لا بدَّ من أن يزكّي روحه من دنس المعاصي ورذائل الأخلاق، ليتسامى في طهارة الروح وارتفاعها، وينظّف عقله من شوائب الشرك، وعادات التخلّف، والأفكار المنحرفة، والغلوّ المخترع، والمقدّس المصطنع، وما أدخل في الدين من بدع...

الانفتاح على القيم والأخلاق:

فإذا وفَّقنا الله سبحانه لذلك، استطعنا أن ندخل شهر رمضان بقلوبٍ طاهرةٍ وعقولٍ نظيفةٍ وأرواحٍ زكية، وهذا ما أكَّده رسول الله(ص) عند استقباله شهر الله تعالى، إذ قال: "فاسألوا ربكم بنياتٍ صادقة، وقلوبٍ طاهرة، أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإنَّ الشقي من حُرِم غفران الله في هذا الشَّهر الشَّريف".

فلا يمكن لإنسان يضمر الشّر في نفسه لأخيه المسلم أو يحوك له المكائد ليسقطه، أو يتربّص به الدوائر ليوقعه، أن يكون ذا نية سليمة صادقة، لأنَّ من يحمل الغلّ في قلبه على أخيه الإنسان ليس صادق النية، ومن يعش الأحقاد والضغائن لمجرد الاختلاف في المذهب أو الرأي أو الأديان، ليس صاحب قلب طاهر، لأنَّ طهارة القلب تعني أن تعذر الآخر وتتقبّله، وأن تحترمه وتحاوره وتجادله بالتي هي أحسن، وأن ترجع أنت وهو فيما اختلفتم فيه إلى الله والرسول، كما أمر ربنا تعالى في كتابه {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[النساء: 59]، ولذلك ما وصل إليه حال المسلمين في هذا الزمن من التباغض والتحاقد والتَّضليل والتَّكفير وما إلى ذلك لا يبشّر بخير ولا يدلّ على طهارة القلوب ونقاوتها.

شهر الله تعالى هو فرصة عظيمة للرجوع إلى الأصول الشرعيَّة والآيات القرآنيَّة التي توحّد ولا تفرق، وتأمر بالصّدق والعدل والأخذ بتعاليم الرسول(ص) {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}[الحشر: 7]، وقد نهانا عن سفك الدم وتكفير الأخير، وإعلانه(ص) في حجة الوداع جلي: "لا تعودوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"...

ولا يسع المقام للتَّفصيل أكثر لأقول: يجب على المسلم أن يدخل شهر الله تعالى وقد فتح قلبه وعقله على كتاب الله الَّذي منه العقيدة والأخلاق والتشريع والمعارف، ومن خلاله يمكن أن نصحِّح ما اختلفنا عليه، ويمكن أن نعرف العقائد الفاسدة مما أنتجه فكر الرجال لا فكر القرآن.

على المسلم أن يدخل شهر رمضان وقد فتح قلبه وعقله على كتاب الله الَّذي منه العقيدة والتّشريع، ومن خلاله يمكن أن نصحِّح ما اختلفنا عليه

الورع أفضل الأعمال:

إنَّ شهر رمضان منطلق أساسي للتوحيد في الخلق والرزق والاستعانة والإحياء والإماتة وكل ما يرجع إليه سبحانه، لأنَّ بيده مقاليد كلّ شيء وإليه يُرجع في كل شيء، فلا نستعين بغيره ولا نتوكَّل إلا عليه ولا نطلب إلا منه، فهو ولي كل نعمة وقاضي كل حاجة ومنتهى كل رغبة، وأنبياؤه وأولياؤه صلوات الله عليهم هم أدلاّء عليه وعلى أحكامه وتشريعاته، لا شركاء معه في صفاته...

ثم نذهب إلى الأمر الأساس الَّذي ركّز عليه رسول الله(ص) في هذا الشهر عندما سأله في نهاية كلامه الإمام علي(ع): ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ ـ لم يقُل(ص) كثرة الذكر والصَّلاة والدعاء وإن كان أمر بذلك وهو حسن، بل رأس ذلك كلّه الورع والخوف من الله سبحانه ـ قال(ص): الورع عن محارم الله"، لأنَّ العمل الَّذي ليس فيه ورع، لا قيمة فيه ولا وزن له...

في هذا الشهر الشريف، لا بدَّ لنا من أن نخاف الله في الحرام فنبتعد عن المعاصي، وأن نرعى حرمة شهر رمضان فنبتعد عن مظاهر التفلّت الَّتي استحدثت في هذا الزمن، وأن نخاف الله ونرعاه في توقير الكبار ورحمة الصّغار، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، وحرمة الناس في أنفسهم وأهلهم وأموالهم، وأن نبتعد عن تأييد الظّلمة الَّذين يظلمون النّاس في حقوقهم وطبابتهم وكهربائهم ومياههم وحقهم في حياة كريمة...

لا بد لنا من أن نخاف الله في الحرام فنبتعد عنه، وأن نرعى حرمة شهر رمضان، فنبتعد عن مظاهر التفلّت الَّتي استحدثت في هذا الزمن

الدّخول إلى شهر الله هو دخول إلى رحمته الواسعة وعطاياه الفاضلة وكرمه الّذي لا حدّ له، فهل نكون ضيوفاً للرحمن في هذا الشَّهر لنستحق الضّيافة، أو نكون من الكاذبين المخادعين، نظهر خلاف ما نُبطن، ونتصرَّف بما لا يرضي الله ونحن صائمون؟

أيها الأحبَّة، إنَّ الله لا يتقبَّل إلا من المتقين...

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: