نسخة للطباعة

موضوعات العدد #Cal_JournalNumber# > أرشيف القضايا الإسلامية

في أجواء شهر رمضان المبارك:
لماذا ضيقنا دائرة التقوى؟

التاريخ: 8 رمضان 1433 هـ  الموافق: 27/07/2012 م

الشَّيخ علي حسن غلوم

نستقبل شهر رمضان المبارك، الذي اعتبر الله فيه الصيام من عوامل تحقق التقوى لو أحسن الإنسان الاستفادة من هذا الشهر، ولا سيَّما بلحاظ كلّ العوامل الاستثنائية المساعدة الَّتي يقدمها الله لعباده فيه، ويُفترض بها أن تساعد المسلم على تحقيق هذه الغاية المهمَّة.

اجتناب سوء الظن:

وعلى الرغم من سعة مفهوم التقوى ودلالاته، إلا أننا عادةً ما نعمل على تضييقه، إما رعايةً لمصالح شخصيَّة تستدعي تصويره بما نشاء، وإما قصوراً في فهم حقيقة التقوى، فعندما نأتي إلى آية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[البقرة:278] أو آية {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}[المائدة: 96]، أو ما روي عن النبي(ص) أنه قال: "اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ"، تجد أحدنا يتوقف ملياً في التفكير في كيفيَّة تفعيل التقوى في هذه العناوين.

وفي المقابل، عندما نأتي إلى مثل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}، تجد سوء الظنّ حاضراً بقوة في تفسير الأمور، فالأصل عندنا سوء نية الآخر، بينما يفترض أن يكون الأصل هو البناء على حسن النية، فعلى الرغم من أنَّ بعض الظن إثم، إلا أنه يجب علينا أن نجتنب كثيراً من سوء الظن، فهذا جزء من فاعلية التقوى، ومنه تقوى الصيام.

وهكذا عندما نأتي إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا، فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}[الطلاق:1-2]، تغيب التقوى مجدداً، فتجد كل شيء من سُبابٍ وبهتانٍ ومنع حقوق وهتك حرمات وغيبة وفتن.. إلا التقوى، لأن التقوى عند البعض محبوسة في دائرة النجاسة والطهارة ومخارج الحروف وما شابه.

علينا أن نبني على حسن النية، وأن نجتنب كثيراً من سوء الظن، فهذا جزء من فاعلية التقوى

 الإصلاح والقول السديد:

وعندما نأتي إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[الحجرات: 10]، نجد أنَّ السعي إلى الإصلاح جزء من التقوى، فهل فعلاً ننظر إلى هذا الأمر من هذه الزاوية أو نعتبره أمراً كمالياً يعتمد على المزاج الشخصي؟ وعندما تتحدَّث الآية عن المؤمنين، هل تقصد أتباع المذهب الذي أومن به، أو كل مسلم بغض النظر عن الانتماء المذهبي؟

لقد كان أمير المؤمنين علي(ع) واضحاً وصريحاً ودقيقاً حين قال للأشتر: "الناس صنفان، إمّا أخ لك في الدّين أو نظير لك في الخلق"، فكل مسلم هو أخوك في الدين.

ثم هل يخص هذا الإصلاح التخاصمات في الدوائر المحدودة كخصومة بين زوجين أو صديقين؟ أليس السعي إلى التقريب بين المذاهب ورفع أسباب الخصومات بين أتباعها جزءاً رئيسياً من هذا الإصلاح إن لم يكن من أهمه؟ فما بال الكثيرين منا اليوم لا همّ لهم إلا البحث عن موارد الخصومة والشقاق وبث ذلك؟ لماذا نتحول إلى أداة في يد الصهاينة والاستكبار وفي يد أعدائنا؟ لماذا نذبح الإسلام كل يوم مرات ومرات باسم التعصب المذهبي؟ هل إثارة النزاع من القول السَّديد؟ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا}[الأحزاب:70]، فعندما لا يكون القول سديداً، فلا تقوى إذاً. السعي إلى التقريب بين المذاهب جزء رئيسي من الإصلاح بين المسلمين إن لم يكن من أهمه

الحذر من الفتنة المذهبية:

لماذا لا يتوقف الشيعي مرات ومرات أمام هذه الآية قبل أن ينشر مقطع فيديو أو نصاً ما، يعمّق فيه الكراهية بين المسلمين، بمقدار ما يقف أمام حديث أثر عدم التحرز من البول؟ ولماذا لا يتوقف السني مرات ومرات أمام هذه الآية قبل أن يشتم الشيعة ويقذفهم في أعراضهم أو ينشر كلماتٍ يخرج بها إخوانه من الدين، بمقدار ما يتوقف أمام آية الربا؟

إنَّ القلب ليتمزق ونحن نشاهد كل هذا العدد الكبير من العلماء الصامتين عندنا وعند إخواننا من أهل السنة، فضلاً عن أولئك الذين يصبون الزيت على النار.

فأين أنتم يا علماء الإسلام من كل هذا الانجراف نحو هاوية فتنةٍ عمياء يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير؟ ألم تُلق عليكم الحجة إلى الآن؟ ونعوذ بالله أن نصل الى ما وصفته الآية {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}[النمل: 80].

 أذكّركم أخيراً بما قاله الصحفي الأمريكي المطّلع سيمور هيرش في العام 2007 عن العمل على قدم وساق من أجل إشعال نار الحرب الباردة بين السنة والشيعة، وهذا الوصف ورد على لسان السفير الأمريكي السابق لدى الكيان الصهيوني مارتن إنديك، وذلك من خلال التعبئة الإعلامية حول فكرة الخطر "الشيعي"، والَّذي في تعبير الكاتب المصري الأستاذ فهمي هويدي تمثَّل تارة فيما سمي بإقامة "هلال شيعي"، وطوراً بالتخويف من التوسع الشّيعي في بلاد السنة، وتارة أخرى بتوجيه إساءاتٍ إلى صحابة الرسول(ص) وإلى السيدة عائشة، وكيف وظفت الكتب والقنوات الفضائية المأجورة والتجمعات المتعصبة لتحقيق ذلك كله.

إن كان شهر رمضان هو شهر التقوى، فمن أعظم التقوى الإصلاح بين المسلمين، ومن أعظم التقوى حسن الظن ببعضنا بعضاً، ومن أعظم التقوى القول السديد.

من أعظم التقوى الإصلاح بين المسلمين، ومن أعظم التقوى حسن الظن ببعضنا بعضاً، ومن أعظم التقوى القول السديد

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: