|
هاني عبدالله
بالأمس كنا نحاوره، حسبنا أن نلحق الركب في غباره، وأن نرصد الهدى على مناره... نملأ الأغلال من بيادره زرعاً وحصاداً، نقطف من السياسة معينها، ومن الأدب ماءً زُلالاً، ونلوذ بالتفسير وحياً مدراراً.. نسبر أغوار الإيمان من نبع يُفيض ماؤه من "بئر" في أعماق مسجد فسيح.. أميّةُ الغربة عن الدين تعبث بنا فنذهب إليه.. نعشو إلى ضوئه، ففي جعبته نورٌ ودعاء..
"ولو يـمّمتهم في الحشر تجدو لأعطوك الّذي صلّوا وصاموا"
|
التمسّك بخطّ الوعي:
في هذه الأيام، نستمع إلى صوته يخاطبنا من بعيد: ألم أكن جاراً لكم؟! بلى، لقد "جاوركم بدني أياماً".. ويلحّ علينا: ألم تقرأوا في كتاب علي(ع): "...ولو فقدتموني ونزلت بكم كرائه الأمور وحوازبُ الخطوب، لأطرق كثيرٌ من السائلين، وفشل كثيرٌ من المسؤولين".
وفي لحظات الألم والأمل، أحاول على طريقتي أن أتأمّل في الماضي القريب، وأتطلّع إلى المستقبل الآتي حاملاً في الجعبة الكثير من الأسئلة الّتي استمعت من "السيّد" إلى أجوبة عنها، عندما كان يُثير روح الأجوبة في الأسئلة الطوال.
ـ إنني أخاف على الإسلام، إنني أخشى أن يواصل جيش الخرافيين زحفهم على أصالة التشيّع، ونضارة خط أهل البيت(ع). |
كان سماحته يقول: أخشى أن يواصل جيش الخرافيّين زحفهم على أصالة التشيّع، ونضارة خطّ أهل البيت(ع) |
ـ كيف لا يتصدّى العلماء والواعون لكلّ هذه الأراجيف التي تتلوها علينا الفضائيات؟!
ـ لطالما خذلت الطلائع المثقّفة الواعية خط الوعي، فهي وإن لم تناصر الخرافيّين، إلا أنها آلت على نفسها أن تقف على الحياد، فخذلت الحقّ ولم تنصر الباطل، ولكنَّها أفقدت الحقّ قوّةً كان يمكن له أن يتقدَّم من خلالها إلى الأمام وإلى الواجهة.. والتجارب تترى في هذا الحياد القاتل؟!
ـ كيف أمكن لتكفيريّين من هنا ومكفّرين من هناك، أن يسدّوا الطريق على دعاة الوحدة الإسلاميَّة؟! وكيف تقدّم هؤلاء إلى الساحة وتراجعنا عن الميدان؟!.
ـ وكيف يمكن للوحدويّين أن يكرّروا التجربة، فيكونوا الأكثريَّة في الساحات والأقليّة تحت الرايات؟!...
ـ كيف يمكن للأصالة أن تتبع الوكالة، وكيف يمكن للعادة أن تهزم الدّين، وأنّى للتقليد أن يُهرق دم الحقيقة الّتي يضجّ بها القرآن الكريم، وتلاحقنا ـ من خلاله ـ أدعية الطاهرين من أهل بيت النبوّة ومعدن الرّسالة؟!
لا حياة بلا حوار:
لا تزال الأسئلة ـ الأجوبة تقتحم علينا صمتنا في وحشة الغياب المتجدّد روحاً وأدباً وديناً أصيلاً لا تمحوه السنون ولا تنال منه الأيّام...
في السياسة، يعود هذا الرهط كلّه إلى حصنك الحصين، ومعدنك الصافي، إلى القواعد التي أسست لها منذ رسمت خطاً عنوانه: "لا مقاطعة".. فلا سبيل للمقاطعة، لأنَّ من يقاطع إمّا أن يأخذ القرار بالعيش بعيداً عن الآخرين، وإمّا أن يستنكر لظلاماتهم فيقرّر أن "لا تعايش".. ولا حياة لهذا المنطق في دنيا الأوطان.
إذاً، ما هو البديل سيّد؟
إنّه في الخطاب، ألم يقل لكم الله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالّتي هي أحسن}، ومعناه أن لا مجال للدّخول في جدال معهم إلا بأفضل أساليب الجدال والحوار؛ فهل تكون القاعدة هي على غير هذا الهدي مع أهل القرآن؟!...
نعود إلى نقطة البداية إذاً، نقرّر أن لا حياة بلا حوار، تماماً كما هو الماء للحياة.. الحوار هو ماء الحياة أيضاً، والأرض تتّسع للجميع، وخطاب الاستئصال والاستبعاد يذهب، وتعود الخلايا العقلية "الحوارية" النائمة إلى العمل.. ونعود إلى جولات جديدة نقرر فيها أن نجتثّ منطق المقاطعة، فنعود توّاً إليك.
وفي الدين، نلوذ بمنطق الرحمة، ونرفض أساليب السباب واتهامات السّوء، وحكايات الخفض لمكانات الآخرين حتّى نرتفع، وشكايات التظلّم منهم حتى نسمو، والعبث بالتراث حتى نكبر.. فلا مجال للسموّ من خلال تعطيلنا لما عند الآخرين، ولا سبيل للدنوّ إذا كنّا نتطلَّع إلى الرّحمة الإلهية من أبواب التّراشق "بالخرابيط" من هنا وهناك.
إذاً نعود إليك، ونسمو بين يديك، تعود "الفتوى" إلى حيث أصّلت، ويعود الكلام من حيث نطقت، ويعود الرّكب إلى القاعدة الَّتي أسَّست وبنيت، وأنت لم تبنِ في الفراغ: "فالحسن من كلّ أحد حسن ومنك أحسن، لأنّك تُنسب إلينا، والقبيح من كلّ أحد قبيح ومنك أقبح، لأنّك تُنسب إلينا"، قالها أهل البيت(ع).
|
تعجّل إلينا نهجاً:
وماذا بعد..؟
في هدأة السّنتين، في دويّ كل تلك الشهور الماضية، قامت الدنيا ولم تقعد في عالمنا العربي.. والكلّ يصرخ: حذارِ الفتنة السنية ـ الشيعية.. ومن بحوزته أسلحة سياسية استخدمها "لوأد هذه الفتنة".. وكلمات، وخطابات، ووسائل متبادلة من هنا وهناك.. وصوتٌ يأتي من الأعماق.. وكلماتٌ يصدحُ بها ضيفٌ كريمٌ من على منبر فضائية إسلامية: لو أنّنا سرنا على نهج السيّد فضل الله سُنّة وشيعة، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه.. |
حاربت الفتنة في الأصل والجذور، وعرفت أنَّ أقصر الطّرق لحماية الوحدة هو باجتثاث الخرافة |
الكلّ عمل على مواجهة الفتنة بالمسكّنات وبالمواقف السياسيّة، ولكنّك حاربتها في الأصل وفي الجذور، وعرفت مسبقاً أنَّ أقصر الطّرق لحماية الوحدة الإسلاميَّة، هو باجتثاث الخرافة من كلّ المواقع، وتنبّأت بأنّ الأيام السود قادمة إن لم نغادر أساليبنا في كلّ هذه المجاملات التي تعيشها مؤتمراتنا الوحدويّة، ومحاولاتنا التقريبيّة.. ألم تقل لهم في بعض هذه المؤتمرات: لماذا تصرّون على إخفاء كلّ هذه الخناجر المذهبيّة وراء ظهوركم وأنتم تتحدّثون عن الوحدة؟! لماذا لا تتكاشفون؟ لماذا تصرّون على كلّ كلمات المجاملة والتقريب، ثم يعود كلّ واحدٍ منكم إلى قواعده المذهبية سالماً؟
|
لقد أبصروا إليها وبصرت بها.. وتكلّمت بلغة الأحفاد الآتين، ونظروا بعين "المياومين".. والآن الآن، من يأتي ليحمل كلَّ هذا الحمل، من يذود عن خطّ الوحدة..
بعد كلّ هذا الانكشاف، إنّه طيفك أيّها الحاضر في دنيا الغائبين.. إنّه نهجك أيّها الآتي على صهوة المحبّة إلى عالم المستوحشين..
إذا ترحّلت عن قومٍ وقد قدروا أن لا تفارقهم فالرّاحلون همُ
وماذا بعد؟.. هل نطرح الاسم وما بعده في دنيا "المستحدثات"؟ لا يزال الفراغ حيث هو، يسأل عنك حتى تملأ جوانبه.. فهو يلاحق السّاحات كلّها.. ويعود إلى تراثك ليتلو عليهم آيات الخلاص، ويثير فيهم دماً جديداً.
أيّها الآتي إلينا بمعول الهدم للتخلف وشاقول البناء لأمّتك، لا تكفّ عن منطق الهدم كلّما ارتفع بناء على حساب الدين، ولا تبخل علينا بإعلاء البنيان، فنحن محتاجون إليك في كلّ هذا السراب السياسيّ والفكريّ، وفي كلّ هذا التيه الّذي يلبس لبوس الدّين.
تعجّل إلينا نهجاً.. فنهجك الحقيقة وسبيلك الحياة.. |
نحتاج إليك في كلّ هذا السراب السياسيّ والفكريّ، وفي كلّ هذا التيه الّذي يلبس لبوس الدّين |
|