|
الشيخ علي حسن غلوم*
بعيداً عن الغوص في دهاليز التنظير والبحث الفلسفي حول موقع الشَّجاعة من منظومة الأخلاق عند الإنسان، عاش الفقيه المجدّد والمفكِّر المبدع السيّد محمَّد حسين فضل الله(ره) الشجاعة فكراً فاعلاً بعمق، وقولاً حاسماً ببلاغة، وموقفاً حاضراً بقوة، سواء في مواجهة التعاطي السياسي الظالم مع الشعوب المقهورة، أو في مواجهة العدوان الاستكباري والصهيوني على الأمة الإسلامية، أو في مواجهة الفكر اللاديني أو المنحرف أو المتخلّف، أو في الاجتهاد الفقهي والأصولي، استنباطاً وتشخيصاً موضوعياً وإفتاءً.
الشجاعة في خدمة الله:
قال المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
فإذا اجتمعا لنفس مرة بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه بالرأي قبل تطاعن الأقران
انطلقت شجاعة المرجع فضل الله(ره) عن وعي لأهميَّة هذا العنصر في تركيبة الشخصيَّة الرساليَّة بما يمكّنها من أداء دورها لا في حالات الرخاء فقط، بل أن تتجلى كلمة الحق وينبلج الموقف الحاسم عند الشدة دون تردد أو تلكّؤ قد يلجأ إليه البعض بذريعة التوقف عند الشبهات، أو الهروب من الفتنة، أو الخوف على المصلحة العامة، وما إلى ذلك من عناوين تُزخرَف بها مواقف النكوص عن تأدية الواجب، أو التخلي عن مسؤولية (القائد) تجاه قواعده حين تلتف الساق بالساق، أو الرضا بالجهل بالموضوع هرباً من تشخيص التكليف.
كتب سماحته ضمن حديثه عن أمير المؤمنين(ع): "كان كلّ شيء في شخصيته(ع) في خدمة الله، وهكذا كان سيفه وبطولته وشجاعته، لا في خدمة الذات، وإنما في خدمة الله. لم تكن الشجاعة والبطولة عنده حالة ذاتية، ولم يكن السلاح ملكاً شخصياً له، فهو يعتبر ذلك ملكاً لله، لهذا كان لا يحرك سلاحه إلا في المواقع التي تريد منه أن يحرك سلاحه فيها، كان ينتظر أمر الله، وينتظر المعركة التي يشعر أنّ الله يرضى بها، ولا يسمح لنفسه أن يدخل في أية معركة يمكن أن لا تكون في رضا الله، أو يمكن أن تسيء إلى الإسلام". وبمثل هذه الرؤية لشجاعة علي(ع) انطلق السيد في حياته ليكون الشجاع لا في خدمة الذات وإنما في خدمة الله.
وكتب في أهميَّة توافر عنصر الشَّجاعة فيمن يقود المسلمين من الفقهاء فكراً وعملاً: "يشترط في المجتهد المتصدي للقضاء أو للقيادة العامة جميع ما ذكر للمرجع المفتي من شروط ما عدا الأعلمية.. إضافةً إلى ذلك يشترط في الفقيه المتصدي للقيادة العامة أمران؛ الأول، الشجاعة المعنوية المتمثّلة في الجرأة والثبات على الموقف، والثاني، المعرفة بشؤون زمانه وعصره بالنحو الذي يساعده على الأداء السياسي الحكيم والإدارة الرشيدة"، وهكذا عرفناه(ره).
|
مقاومة فكرية:
كان السيد يدرك تمام الإدراك المعنى الحقيقي للشجاعة وانعكاساتها على الإنسان، وأنها ليست مجرد ادعاءات تتبخَّر عند الشَّدائد، بل هي كما عُرِّفت تمثّل: "الإقدام على المكاره والمهالك عند الحاجة إلى ذلك، وثبات الجأش عند المخاوف مع الاستهانة بالموت".. وليس الموت الجسدي وحده هو التحدّي الَّذي يقابل الثبات، بل قد يكون التهديد بالموت المعنوي الذي يبقى معه الإنسان حياً جسداً إلا أنه يفقد حرية التفكير وحرية الكلمة وحرية الموقف، ليكون خاضعاً لهذا الشخص أو لتلك الجهة خضوعاً ذليلاً. |
كان السيد(ره) القائد الشجاع الَّذي لم يهب موت الجسد كما لم يهب كل التهديدات بالقتل المعنوي التي وجِّهت إليه |
وقد كان السيد بحق الفقيه والمفكر والسياسي والقائد الشجاع الَّذي لم يهب موت الجسد كما لم يهب كل التهديدات بالقتل المعنوي التي وجِّهت إليه وسُعي لتحقيقها بأخبث الوسائل، وهو ما كرره في أكثر من موقف: "هذا ما أتحدث به دائماً. ولهذا، في كل مسيرتي لن أجامل أحداً.. قلت لهم عندما ترونني لا أمثل قناعاتي، فلن أكون موجوداً.. لن أجامل الخرافيين.. لن أجامل المتخلّفين"، وغير ذلك من كلماته الَّتي ترجمها على أرض الواقع، بل وطالب الآخرين بأن يعالجوا مشكلة التردد والخوف عندهم كي يكونوا في مستوى المسؤوليَّة، ومثال ذلك ما جاء في كلمته التي ألقاها في حفل إفطار النبطية العام 1425هـ: "لنكن مقاومةً في الفكر تواجه كلَّ الظالمين والمستكبرين، مقاومة تحاول أن تنتج عناصر القوّة من داخل الأمة، تنتج عناصر القوّة حتى نتواصى بالحق فلا يسقط الحق بيننا، ونتواصى بالصبر فلا نسقط أمام الجزع. تعجبني كلمة قالها رسول الله(ص) عندما أرسل شخصاً ورجع يُجبّن أصحابه ويجبّنونه في وقعة خيبر، وأرسل شخصاً ثانياً ورجع يجبّن أصحابه ويجبّنونه، قال: "لأعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبُّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله كرّار غير فرار" لنكن هذا الرجل، حتى نشجِّع أصحابنا ويشجّعونا، ولنتحدّث عن الشجاعة ولا نتحدّث عن الضعف".
شهادات في شجاعته:
هذه الحقيقة ـ أعني الشَّجاعة في الفكر والقول والعمل ـ أدركها بوضوح كلّ من صاحب السيد أو تعامل معه أو تتلمذ عليه أو درس شخصيته وسيرته، وبذلك نطقت أقلامهم وهم يكتبون عنه في حياته وبعد وفاته، وهذه نبذة من تلك الشهادات:
ـ كتب السيد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الفلسطينية، معزياً بوفاة السيد: "لقد كان الفقيد العزيز قامةً من قامات الأمة الكبيرة، والمتميز بعلمه وفضله، واعتداله ووسطيته وتسامحه وانفتاحه على الآخرين، فضلاً عن مواقفه الأصيلة الشجاعة تجاه قضايا الأمة، وخصوصاً تجاه قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني، حيث كان رحمه الله من أكبر الرموز والعلماء المدافعين عن خيار المقاومة والجهاد ضد الاحتلال، والمؤيدين للنضال الفلسطيني وحق شعبنا في الحرية والتحرر والتحرير".
ـ وكتب السيد إبراهيم الأمين رئيس تحرير جريدة الأخبار اللبنانية: "السيّد محمد حسين فضل الله شخصيّة إسلاميّة نادرة جداً في عالم الضّياع الكبير للواقع الإسلاميّ والعربيّ بوجه الخصوص، وتتميّز هذه الشّخصيّة بالانفتاح العقليّ. العالم العربيّ بحاجةٍ إلى شخصيّة تعيش الواقع بانفتاح، وبذلك نستطيع أن نغيّر الواقع السيّئ إلى واقع أفضل، ولكن لديّ شكّ كبير بأن يكون لدى علماء الدّين تلك الشّجاعة والجرأة التي يتميّز بها السيّد محمّد حسين فضل الله".
كتب علي البغدادي العام 1425هـ تحت عنوان: "فضل الله ـ مرجعية الانفتاح وملامسة الواقع": "مرجعية لم نجدها تعمل بالتقيّة يوماً، بل ديدنها الشجاعة والصراحة والتحدّي لا تأخذها في الله لومة لائم، مرجعيّة حاربها الكثيرون وبكل الوسائل والسبل، فزادتها تلك الحرب تصميماً وثباتاً، مرجعيّة يسجّل لها التأريخ بأحرف من نور موقفها بالأمس دفاعاً عن عاصمة التشيّع النجف الأشرف بما تعنيه النجف من قدسيّة واحترام، مرجعيّة أطلقت صرختها محذّرة من المساس بمقدساتنا في وقت صمتت فيه معظم المرجعيات وتلاشت عن الأنظار، هذه هي مرجعيّة آية الله السيد محمد حسين فضل الله؛ المرجعيّة التي نريد في زمن الصمت والسكوت والهروب؛ زمن الضعف والهوان".
ـ وكتب سماحة الشيخ حيدر حب الله بعد رحيله المرجع فضل الله: "قد نجد عالماً أو مفكّراً يعيش الفكر في رحابته وخصائصه وعمقه ودقّته، لكن من الصّعب أن نجد مثل هذا ونجد معه حركيّته وفاعليّته في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة... إنّ ممارسة العمل السياسيّ والاجتماعيّ وتكوين مرجعيّة التّواصل والحضور لا مرجعيّة الغيبة والاختفاء، لهو امتيازٌ حقيقيٌّ يعطي العلم والفقه في الحياة حضوراً حقيقيّاً، كما يعطي الحياة ومتطلّباتها حضورها في العلم نفسه، فتُحدث الحياة وعياً حركيّاً للنّصوص، ويتمّ اكتشاف العلاقة الجدليّة الحقيقيّة بين النصّ والواقع. إنّ الاجتهاد نفسه هذه المرّة يتَّخذ المزيد من عناصر السّلامة، وإنْ كان هذا الطّريق محفوفاً بمخاطر الإسقاط، عنيتُ الإسقاط على النّصّ. لقد طرح الفكر الشّيعيّ منذ الستّينات فكرة إضافة شروط جديدة لمرجع التقليد أو إمام المسلمين، وحذف شروطٍ سابقة. كان شرطُ الشجاعة حاضراً بقوّة في أدبيّات الإسلام الثوريّ؛ لأنّهم ما عادوا يطيقون المرجع السّاكت الصّامت الخائف الوَجِل تحت اسم الاحتياط أو غيره".
ثبات في مواجهة العدو:
لم يهب السيد كل محاولات الاغتيال والصَّواريخ والمتفجرات التي استهدفته شخصياً، والتي راح ضحيتها المئات من الأبرياء، واشتركت فيها دول استكبارية وجهات استخبارية عديدة كانت ترى فيه الأب الروحي لكل العمل الإسلامي المقاوم، فأرادت أن تسكت ذلك الصوت، ولكنهم لم يعرفوا من هو محمد حسين فضل الله.. حسبوا أن رصاصتهم التي "إن لم تصب ستُدْوش"، ستزعج السيد وتفقد توازنه، ليقبع بعدها في زاوية حجرته، مفضلاً الدور التقليدي للمرجعية، (فالباب الذي يأتي منه الريح سدّه واستريح).. ولكن كيدهم عاد إلى نحورهم، وفي كل مرة ينطلق السيد من جديد في ميدان المواجهة مع العدو كجده حيدرة(ع) أسداً هصوراً ازداد قوة إلى قوته وعزيمة إلى عزيمته. وهكذا أثبت شجاعته في الميدان حين أصر على البقاء في الضاحية في مسجد الحسنين إبان العدوان الصهيوني على لبنان العام 2006، والصواريخ تنهمر ليلاً نهاراً، والمباني السكنية تنهار الواحد تلو الأخر بصواريخ تخرق الأرض عمقاً بعد أن تدمّر ما حولها.
| ومن عرف السيد منذ أمد بعيد يعرف فيه تلك الشجاعة التي جعلته يعيش في منطقة (النبعة)، والتي تقع جغرافياً على تخوم مناطق من طوائف أخرى تختلف عنها بالعقيدة والتقاليد ومستوى المعيشة. وعن تلك الأيام يقول السيد في لقاء أجرته معه مجلة "الأفكار" العام 2006: "وهكذا بقيت في النبعة إلى ما بعد سقوطها العام 1976، وقد تعرضت لأكثر من خطر هناك، وكنت أنتقل من زاوية إلى زاوية في البيت الذي أسكنه، حتى إنّني كنت أكتب بعض مؤلفاتي في ضوء الشموع. وأذكر في هذا المجال أنني بعد سقوط النبعة وخروجي منها إلى الضاحية، كنت قادماً من إيران في العام 1982م، وفي الطريق بين البقاع وبيروت، تعرّضت للخطف، وكنت مع أحد مرافقيّ وأحد أولادي.. ومن ثم عشت في الضاحية أثناء الحصار الإسرائيلي العام 1982، وكنّا نعيش في الملاجئ وفي ظلّ أوضاع صعبة، وخصوصاً في منطقة بئر العبد، ومع ذلك، كنت لا أترك المسجد وكنت أصلي مع الناس.. كنت في الغبيري على كتف الحرش، وأُطلق صاروخ على بيتي وتجاوز غرفة نومي.. ومن ثم انتقلنا إلى بئر العبد، وواجهنا متفجّرة بئر العبد التي دبّرتها المخابرات الأمريكية حسب مذكرات "وليم كايسي"، والتي كانت في ذلك الوقت بالتنسيق مع بعض الجهات العربية واللبنانية. كما إنّني تعرضت لأكثر من محاولة اغتيال آنذاك، وخصوصاً من البعث العراقي، وعشت في ما بعد فترة الخطر أيام حملة "تصفية الحساب" وعناقيد الغضب العام 1993 و1996، ومع ذلك ظلّت علاقتي مع الناس كما هي، وبقي التواصل معهم، ولم أخرج من بيروت في كل هذه المراحل". |
لم يؤطّر نفسه في حدود لبنان، بل كانت حركته السياسية ذات شمولية واسعة على امتداد العالم الإسلامي |
|
مواقف سياسية راسخة:
عاش السيد في لبنان؛ ذلك البلد الذي لم يذق طعم الراحة منذ أمد بعيد، في أجواء الحرب الأهلية والاحتلال الصهيوني والنزاعات الطائفية والحزبية، وفي ظل التدخلات الإقليمية وكل الخروقات الأمنية وأجواء الصراع، عاش السيد في عمق الحدث، فكانت تحليلاته الدقيقة تسبق الحدث، وكانت توجيهاته الأبوية تفرض احترامها على القريب والبعيد، لا يداهن في ما يقول، ولا يجامل على حساب المصلحة العامة، ولذا عرف الجميع في موقفه السياسي الإخلاص والصدق والبصيرة والشجاعة. كما أنه لم يؤطّر نفسه في حدود لبنان، بل كانت حركته السياسية فكراً وتفاعلاً وإحاطةً وتربيةً وتوجيهاً ذات شمولية واسعة، فقصدته الوفود الدولية والشخصيات من ذوي الاهتمام السياسي لينهلوا من عطائه الذي لا يعرف المجاملة السياسية. وأحسبه وهو يتحدث عن شجاعة الإمام الخميني(ره) السياسية، ينطلق من إدراكه العميق لمعنى ذلك وأهميته ومصاديقه، ومِن تمثُّل ذلك في شخصيته هو، قال: "لقد كان الإمام الخميني(قده) عرفانياً ومؤمناً بحركته الإسلامية، وكان يرى أنّها تكليفه الشرعي تماماً كما الصلاة والصوم، ولذلك كان يريد أن يوصل المسألة إلى حافة الهاوية ولم تكن ثمة مشكلة في أن يتجاوز الحافة، ولذا فإن هذه العناصر التي تمثّل عمق وعيه لمسؤوليته وتكليفه الشرعي، كانت السبب في شجاعته وصلابته في المواقف، بحيث كان لا يحسب حساباً للاحتمالات السلبية التي يفكّر فيها السياسيون عادة، وكان لا يوافق على أنصاف الحلول، كما كان لصلابة شخصيته في عناصرها الذاتية التي انضمت إلى كل ذلك الدور الكبير في شجاعته السياسية التي انطلق فيها متوكلاً على الله ومستمداً القوّة منه، على طريقة قول المولى تعالى للنبي(ص) {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التوبة: 40]. ومن دلائل شجاعته(قده) أنّه كان يثق بالشعب، وإنّي لأتذكره في أحد خطاباته وقد اجتمع لديه أركان الدولة كلها حيث قال: "كل ما عندنا من الله، وإذا كان هناك شيء فهو من الأمة، وليس لي شيء في ذلك"، فالإمام(قده) كان يؤمن بالشعب ويؤمن بطهارته وإخلاصه وإيمانه، وربّما كان يعتقد أنّ سلبيات الشعب قد تكون منطلقة من نقاط الضعف في القيادة من جهة، ومن الواقع المحيط من جهة أخرى، لكنّه رأى من خلال حركته كيف وقف الشعب معه، ولذلك فإنّه لم يفقد ثقته به، وكان لا يحمّله المسؤولية عن أيّ إخفاق، إنّما كان يحملها للذين وقفوا ضد الثورة ممن لا يملثون الأكثرية الشعبية، سواء الذين هم في مراكز القيادة أو بعض الأحزاب والتجمعات وغيرها". إنها في الوقت ذاته الذي تمثّل فيه وصفاً للإمام الخميني بكلمات السيد، تمثّل وصفاً لواقع حال السيد في شجاعته السياسية. |
لم يداهن سماحته في ما يقول، ولم يجامل على حساب المصلحة العامة، ولذا عرف الجميع في موقفه السياسي البصيرة والشجاعة |
شجاعة التعبير عن الرأي:
تجلَّت شجاعته العلميَّة في المجال الفقهي والتفسيري والعقدي والتاريخي وغيرها، وقد عبّر عن ذلك بنفسه(ره) حين حاورته جريدة "الرأي العام" العام 2003 حول فتواه في الاستنساخ فقال: "لـم يكن عندي خوفٌ من المعارضة للرأي، لأنَّني أعتقد أنَّ على الإنسان أن يقول كلمته بغضّ النظر عن ردود الفعل طالما أنه يؤمن بأنَّ كلمته تمثِّل الحقيقة، على الأقل من وجهة نظري، وقد قلت إنَّني لا أدّعي العصمة لنفسي، ولكن هذا ما انتهيت إليه في أبحاثي. وإذا كانت هناك أيّة وجهة نظر أخرى، فأنا مستعد لأن أدخل في الحوار معها، فإذا اكتشفت الخطأ فإنَّ لديّ الشجاعة للتراجع عن رأيي. أمّا قضية الخوف من الأخطار المستقبلية، فإنَّني لـم أطلق الرأي بشكلٍ مطلق، وإنَّما أطلقته مع التحفّظات، ما يعني أنَّ أمامنا الكثير من الدراسات للسلبيات والإيجابيات لنتابع إعطاء الفتوى، سواء بالطريقة السلبية أو الإيجابية، فالأمر مرتبط بنتائج الدراسات".. امتلك السيد شجاعة في إطلاق الفتوى، وشجاعة في الحوار، وشجاعة في التراجع إن قام الدليل على وقوع الخطأ.. شجاعة تترجمت إلى الإفتاء بما قام عليه الدليل ولو خالف فتاوى الفقهاء على مدى قرون.. وشجاعة قللت كثيراً من "الاحتياط الوجوبي" غير المبرَّر الذي يعقّد المكلّفين.. وشجاعة دفعت إلى الأخذ بالمعطيات العلمية اليقينية في التشخيص الموضوعي لكبريات المسائل الفقهية ولم تكتفِ بفرض (إن كان كذا فكذا، وإن لم يكن فلا)، فقدّمت للناس الفتوى عن علم ودراية وتشخيص خارجي للمسألة.. شجاعة علمية في مواجهة ردود الفعل العنيفة من أقرب الناس، وبكل الكلمات "المضلِّلة والمضلَّلة" التي تراكمت بحجم الجبال فلم يأبه بها، وتحوّلت عنده إلى هباء منثور.
إنَّ هذه الأسطر القليلة لا تكفي لسرد المواقف الكثيرة التي ترجم من خلالها سماحة السيد(ره) عنصر الشجاعة في شخصيته إلى واقع على مستوى الفكر والقول والعمل، فضلاً عن تقديم دراسة متكاملة فيها.. عذرٌ لا أحسبه يغفر لنا عند فقيدنا الغالي تقصيرنا في دراسة شخصية عظيمة قلّ أن ينجب الدهر مثلها.
*إمام مسجد سيد هاشم بهبهاني بدولة الكويت
|