|
د.مصطفى بزي
كان إصدار سماحة العلامة المرجع السيِّد محمد حسين فضل الله(ره) كتابه "المسائل الفقهية"، إستجابةً لطلبات قطاع واسع من المؤمنين، الذين كانوا يرجعون إليه في استفتاءاتهم ومسائلهم، حيث أصبح سماحته في عداد المرجعيات الفقهيَّة على مستوى المجتمع الشيعي بأسره، إذ إن الكتاب يحتوي على حوالى ألف ومئتي مسألة في شتى أبواب الفقه، تركزت معظمها على أمور الصَّلاة والخمس والتّجارة والزواج، وأمور أخرى عديدة، ويمكن القول إن المؤلَّف تحول إلى ما يشبه الرسالة العلميَّة التي يتوجه بها المرجع إلى مقلديه انطلاقاً من أسئلتهم التي تصله من الأقطار الإسلامية كافة أو التي تتواجد فيها جاليات إسلامية.
التصدي للمرجعية:
والواقع أنَّ خطوة السيّد هذه جاءت بعد أن فقدت السّاحة الشيعيَّة الكبرى بعض كبار رجالاتها المجتهدين الأعلام، الَّذي كانت لهم آثار هامة، كالسيد الخوئي، والسيد الكالبايكاني، والسيد الآراكي وغيرهم..
ويقول السيّد إنَّ الأمر الَّذي اتخذه لم يكن نتيجة مبادرة فرديَّة، وإنما كان نتيجة ضغط من أكثر من جماعة في كل أنحاء العالم لإصدار هذه الرسالة.
لقد تعامل السيّد من خلال رسالته ومرجعيَّة التعامل مع الواقع؛ هذا الواقع المتحرك في حركة مستمرة لا تهدأ، ومن هنا كانت فتاويه منسجمة مع هذا الشكل غير الجامد لحركة الإنسان والمجتمع..
وقد تميزت فتاويه ببساطة العبارة، والإجابة عن الأسئلة المستقاة من تساؤلات واقعية الناس، وهي ليست افتراضية أو نتيجة تأملات ذهنية، وهذا شكّل خروجاً عن الطريقة المألوفة، كما تميزت فتاويه بمخالفة المشهور في كثير من المسائل الفقهيَّة.
لقد تعدَّدت الآراء وكثرت حول مرجعيَّة السيّد محمَّد حسين فضل الله، وأثارت آراؤه المهمة والمميزة نقاشات مهمة في كلّ الأوساط الدينيَّة والسياسيَّة والفقهيَّة، وبغض النظر عن بعض الآراء المنتقدة، والتي كانت تأتي في معظمها بعيدة عن النقاش الموضوعي والعلمي الصحيح والسليم، وهي أقرب إلى النقد للنقد ليس إلا، وتشويه الصورة وأخذ جزء من كلام السيد بمعزل عن أجزاء أخرى، بهدف الإساءة فقط، فإننا ننقل ما يقوله حول المرجعية، سماحة الشيخ جعفر الشاخوري البحراني:
|
"كانت السلوكيَّة ـ وإبقاء الوضع كما كان ـ هي سمة الوضع العام في الحوزات الشيعية، سواء في المادة الفقهية التي تنتجها الحوزات بأسلوبها القديم، أو بإعادة الحركة في العمل الإسلامي.
وفجأة تخترق هذا السكون ـ على مراحل ـ انفجارات فكرية قوية تمثلت في: اقتصادنا، وفلسفتنا، والإسلام ومنطلق القوة، والحوار في القرآن...
ولا تجد دراسة تتحدث عن الأصولية إلا وتجد فيها اسم "الصدر" و"فضل الله" كواجهة للفكر الشيعي الذي وصلت طلائعه إلى مختلف بقاع الأرض...
وقد استطاع هذا الثنائي ـ الذي اتجه أحدهما نحو بلورة التصور الإسلامي الفلسفي والاقتصادي، واتجه الآخر نحو بلورة التطور المفاهيمي السياسي الحركي للإسلام ـ صناعة مرجعية إسلامية عامة لسنوات طويلة، قبل أن يدخلا في إطار المرجعية الدينية الخاصة ـ مرجعية الرسالة العلمية ـ وتحوّلت أفكارها إلى أنهار من الدماء والدموع والآلام والانتصارات والهزائم لتحكي قصة الشهادة. |
مما لا شكَّ فيه أن المقاومة وقادتها استلهموا من السيّد فكره المميز، وانطلاقته المباركة، وحركته المستمرة، وعداءه المطلق لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكيَّة |
استهداف معنوي وجسدي:
وحول موضوع مرجعية السيد فضل الله يقول: إنَّ مرجعية السيد فضل الله كانت تمارس مرجعيّة حركية منذ ما يقارب الأربعين عاماً في أوساط الإسلاميين الشيعة وغيرهم، في مختلف نقاط العالم الإسلامي، والتي تحولت أفكارها إلى برنامج عملي لكثير من الحركات الإسلامية، فكان المرجع الذي يفزع إليه الحركيون..
هذا وفي الوقت الذي لاقت هذه المرجعية صدًى واسعاً في العالم، كانت هناك عدة جهات متضررة من هذا الامتداد.. وعلى رأس هذه الجهات، الاستكبار العالمي المتمثل أساساً في الولايات المتحدة الأمريكية، التي حاولت اغتيال السيد في عمل إرهابي كبير في منطقة بئر العبد، حيث نجا السيد، بينما أودى الانفجار بحياة ثمانين شهيداً ومئتي جريح، وحدث تدمير هائل في الأبنية والمؤسَّسات والسيارات والمحلات وغير ذلك...
وليست هي المرة الأولى التي تجري فيها مثل هذه المحاولة، فهناك محاولات أخرى استهدفت السيد، لكن العناية الإلهية تقف دائماً في وجه المستكبرين الظالمين في هذا العالم، وكانت محاولة الاغتيال هذه في 8 آذار سنة 1985م.
|
إنَّ السيد نفسه يرى من خلال نظرته إلى مسألة الاجتهاد والتقليد، ومن خلال ما ورد في "مسائله الفقهيَّة" أن واجب الفقيه أن ينخرط في مجالات الحياة العامَّة، وهذه دعوة واضحة إلى ضرورة فهم الواقع فهماً صحيحاً سليماً من جميع جوانبه، حتى تأتي معالجة كل المشاكل والمسائل التي تطرح، سليمة وواقعية.
في كل حال، يمكن القول إن السيد(ره) لم يترك مجالاً من مجالات الحياة السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة إلا وتحدَّث عنها، وله آراء وجيهة ومهمَّة جداً فيها، نشرت في كتبه وفي العديد من المجلات والصحف والدوريات، فتحدث عن الإسلام والعروبة، عن الحوار المسيحي الإسلامي، عن المرأة وكل الجوانب المتعلقة بها، عن الإرث، عن حقوق غير المسلم في الدولة الإسلامية، عن الجزية، والمساواة، عن الأمة ومبدأ الشورى، عن الإسلام وعن مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي، وعن لبنان والمقاومة، إلى ما هنالك من مواضيع أخرى... |
عند انطلاق المقاومة الإسلامية، اعتبر السيد مرشدها الأول، وقائدها الفكري، والأب الروحي لها |
إنَّ السيِّد(ره) من خلال إعلانه لمرجعيته، طرح للناس نظرته إلى المرجعية ورؤيته التطويرية، بل التنويرية لها، لجعلها أكثر فعالية، ولربطها أكثر فأكثر بحياة الإنسان الشيعي، وخصوصاً جيل الشباب، وباختصار أراد السيد أن "يحرر المرجعيَّة من كثير من الجمادات التي أحاطتها طوال القرون الماضية، وينقلها إلى طور المؤسَّسة الفاعلة على غرار الفاتيكان".
يبقى أن نشير بالنسبة إلى السيد إلى عدة مسائل مهمة، أولاها مجال التأليف الذي برع فيه بشكل مميز، فله عدد كبير من المؤلفات، في جميع المواضيع، القرآنية، الفقهية، الفلسفية، الاجتماعية، الاقتصادية، الأدبية وغيرها، ولا يسعنا هنا أن نذكر مؤلفاته، لكن الواقع أنها قد تصل إلى حوالى تسعين مؤلفاً أو أكثر...
كما أن سماحته، وهو الإنسان الشديد الاهتمام بالتعليم وبرعاية أبناء الشهداء والفقراء، فإنه أسس الكثير من المبرات الاجتماعيَّة التعليميَّة والصحيَّة في البقاع والجنوب وبيروت، ومبراته تضم أكثر من خمسة آلاف طالب وطالبة، يرعاهم رعاية كاملة، ويتابع ذلك عبر "جمعية المبرات الخيرية".
|
مرشد المقاومة الأول:
أما موقفه من المقاومة، فهو من أهم المواقف التي يقفها عالمٌ دينيٌ كبير في عالمنا الإسلامي، طبعاً إلى جانب مواقف المرجعيات الدينيَّة الكبيرة في إيران والعراق وغيرهما.. فقد اعتبر السيد منذ انطلقت المقاومة الإسلامية أنه مرشدها الأول، وقائدها الفكري، والأب والمرشد الروحي لها، وبالرغم من أنَّ السيد نفى أن يكون كذلك، لكن مما لا شكَّ فيه أن هذه المقاومة وقادتها استلهموا من السيّد فكره المميز، وانطلاقته المباركة، وحركته المستمرة، وعداءه المطلق لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكيَّة...
وكان السيد(ره) والمقاومة في صف واحد وفي معترك واحد ومصير واحد، ولذلك كان مستهدفاً باستمرار، لكن هذا الاستهداف لم يجعله يوماً يتراجع أو يستنكف، أو يغير من موقفه، بل كان دوماً يجاهر بآرائه ومواقفه، عبر خطب الجمعة وعبر المحاضرات والندوات والأسئلة والأجوبة الَّتي تطرح عليه والمقابلات وغير ذلك... |
كان السيد(ره) والمقاومة في صف واحد وفي معترك واحد ومصير واحد، ولذلك كان مستهدفاً باستمرار، لكن هذا الاستهداف لم يجعله يتراجع يوماً |
لقد كان لمواقف السيّد هذه، الأثر الكبير في دعم الاتجاه المقاوم والخيار الَّذي لا يرضى الاستسلام والخضوع للأجنبي الَّذي سار فيه معظم الحكّام العرب، بمعزل عن شعوبهم...
الإيمان المطلق بالوحدة:
والأمر المهم لدى السيّد هو إيمانه المطلق بالوحدة الإسلاميَّة التي كان يدعو إليها باستمرار، وهو يتألم لما يجري في العراق، ويدعو الشعب هناك لأخذ الدروس والعبر، والاتحاد في وجه المحتل، وهو يبارك أيّ تحرك يؤدي إلى وحدة المسلمين والتخلص من الاستكبار العالمي والاستعمار...
وهو من خلال إنشائه المؤسَّسات وإعداد الكادر الديني والثقافي، فإنه يسعى "لتأسيس قاعدة قويَّة ينطلق منها للعمل العام".
وبينما اتخذ الشَّيخ محمَّد مهدي شمس الدين شعاراً أعلنه في عاشوراء 1983 بالمقاومة المدعية الشاملة، التي تقوم على تحريم التعامل مع إسرائيل حرمة مطلقة لا رخصة فيها لأحد ونبذ المتعاملين، فإنَّ السيد فضل الله اتخذ في الذكرى نفسها موقفاً أكثر شمولاً عندما ناشد الجنوبيين ملاحقة الإسرائيليين في كل مكان وبكل الأساليب، في الرصاص والحجارة وبكل ما يستطيعون، ليخلقوا لهم في كل منزل أزمة سياسية واقتصادية.
وكانت مشاركة العلامة المرجع فضل الله(ره) في المناسبات الجنوبيَّة، تتم عبر رسائل أو نداءات وبيانات تُتلى في الاعتصامات وفي خلال التظاهرات، فضلاً عن تأمين كل مستلزمات الدّعم المالي الَّذي يتجمَّع من أموال الخمس والصدقات، أو من تبرعات المتمولين، وهي مشاركة صارت أكثر اتساعاً مع الانسحاب الإسرائيلي الأول إلى حدود صيدا، ومع حرية الحركة التي صار يتمتع بها العلماء المقيمون في الضّاحية الجنوبيَّة، وخصوصاً العلامة المرجع فضل الله، إذ بات أكثر صلة علانية بالتجمعات العلمائيّة في الجنوب أو بيروت أو في البقاع...
وهكذا تحول الجنوب إلى الساحة الوحيدة للانتفاضة في وجه الاحتلال، التي كانت تشتد مع اشتداد حملاته ضد القرى أو محاولاته عزل الجنوب، وما الاستهداف التدميري الشامل لمؤسسات المرجع السيد فضل الله في خلال حرب تموز، ولمنزله، إلا دليل قوي وواضح على مواقف السيد ورد الفعل الإسرائيلي والأمريكي عليه...
************
(1) محمد هادي الأميني: "آل فضل الله" مجلة المرشد، العددان 3-4، سنة 1995، ص: 211.
(2) المرجع نفسه، ص:211.
(3) مجلة المرشد: "ذكريات وأحلام العلامة السيد محمد حسين فضل الله في طفولته"، المرجع السابق، ص:54.
(4) المرجع نفسه، ص: 54.
(5) المرجع نفسه، ص: 59-60.
(6) المرجع نفسه، ص: 60-62.. راجع: مصطفى بزي، "بنت جبيل حاضرة جبل عامل"، ط1، دار الأمير، بيروت، سنة 1998، ص: 922-925.
(7) سوسن الأسطح: "السيد فضل الله ينشر رسالته العملية..."، مجلة "المجلة"، العدد 814، تاريخ 17/9/1995.
(8) مجلة المرشد، المرجع السابق، ص: 300، راجع بزي: "المرجع السابق، ص:928-929.
(9) وجيه قانصو: النهار 19/7/1995.
(10) جعفر الشاخوري البحراني: "التعددية الاجتهادية... أم الرأي الواحد، مرجعية المرحلة وغبار التغيير"، ط2، دار الرسول الأكرم، دار الأمير، بيروت 1998، المقدمة.
(11) المرجع نفسه، ص:41.
(12) النهار والمرجع السابق.
(13) إبراهيم بيروم: "العلامة فضل الله أشهر مرجعيته وأصدر رسالته العملية"، جريدة السفير، 27 تموز 1995.. وحول آراء السيد راجع أيضاً: مجلة المستقبل العربي، عدد 216 شباط 1997، ص: 22-27، ومجلة شؤون الوسط 24 آب 1992، (حوار مع السيد).
(14) حسن فضل الله: "حرب الإرادات، صراع المقاومة والاحتلال الإسرائيلي في لبنان"، دار الهادي 1998، ص:41.
(15) السفير 18/10/1983.
(16) السفير 20/10/1983.
(17) فضل الله "المرجع السابق" ص: 110-111.
|