|
هاني عبدالله
عنوانان في تموز يحمل أحدهما معنى العزة الَّتي تطل على الفرح، حيث سقط مشروع العدو، وتناثر "مخاض ولادة شرق أوسط جديد".. فيما يحمل العنوان الآخر معاني الوداع والرحيل لمن كانت بداية حياته كنهايتها، ولمن ناجى ربّه يافعاً: "واجعل أعمالي وأورادي كلها وِرْداً واحداً، وحالي في خدمتك سرمداً.."، فكان الختام للمسيرة الكبرى في تموز أيضاً، مع كلّ ما حملته بدايات هذا الشَّهر من آلام وأحزان، بعد أن توقف القلب الكبير الذي ملأ الدنيا عطاءً، وشغل الناس ـ ولا يزال ـ في سعيه إلى إلحاقهم بالمستقبل، وتطلعه إلى استشراف الآتي.
|
حضور متجدد:
فتموز هو محطة للعِبرة والعَبرة، والاعتبار لمن أراد قراءة الأحداث بموضوعيَّة، ولمن أطلّ بعد هذه الشّهور على ذكرى الرحيل؛ رحيل الفقيه المجدّد سماحة المرجع السيِّد محمَّد حسين فضل الله، الَّذي تأبى روحه الغياب، ويأبى فكره الرحيل، ولذلك يتجدَّد حضوره في أصعب المراحل وأخطرها على الأمَّة، وفي أعتى الأزمنة وأقساها؛ زمن الانقسام والتشظّي. |
تأبى روح السيد(ره) الغياب، ويأبى فكره الرحيل، ولذلك يتجدَّد حضوره في أصعب المراحل وأعتى الأزمنة |
ففي تموز، كان إعلان الحرب العالميَّة على المقاومة في لبنان، حيث أريد لعمليَّة الأسيرين أن تكون المكمن الَّذي تسقط فيه الحالة الإسلاميَّة المقاومة في لبنان، لتمتد العمليَّة بعدها إلى ما يتجاوز البلد الصَّغير، ولإنهاء نهضة أمّة وخنق تطلّعات الشّعوب العربيَّة والإسلاميَّة في مهدها، بعدما شكّل اندحار العدو عن لبنان في العام 2000 مصدر إلهام لهذه الشّعوب في العمل لمحاصرة الظّلم الصهيوني والخلاص من الظلم المقيم في بلادها على أكثر من مستوى.
وسرعان ما تضخّم الحدث التموزي، وجاءت التوقعات العالميَّة والإقليميَّة، وانطلق الضوء الأخضر العربي للعدو لكي "يأخذ وقته" في إنهاء الحالة المقاوِمة في لبنان التي ظلّ الكثيرون ينظرون إليها كحالة شاذة، وكنسيج مختلف يؤرّق حركتهم السياسيَّة.
وكان المطلوب أمريكياً وإسرائيلياً وعربياً وعالمياً، (مع بعض الاستثناءات الطَّفيفة) أن لا تبرز أصوات ذات مصداقية تدافع عن هذه الحالة المستهدفة، وتعمل لتبرير حركتها، ودعم خطّها، ولذلك كانت الأصوات المؤيدة معدودة على الأصابع، حتى إنَّ بعض المواقع الدينيَّة البارزة أطلقت موقفاً سريعاً في البدايات ثم تحفظت، فليس في "بروتوكولها" تكرار الموقف في شأن واحد!!
مرجعية المقاومة:
كانت المعركة؛ معركة التصدي للهجمة الصهيونية تحتاج إلى مشروعية، إلى قامة دينية كبرى تأخذ على عاتقها كل هذا الحمل وكل هذه المسؤولية التاريخية، بعيداً عن كل ما يُقال ويُكتب، وبعيداً حتى عن كلمات الشكر التي تأتي لاحقاً لهذا أو ذاك، ولقيادات وعناوين لها تاريخها البارز في التعبئة الشعبية ضد العدو، فكان السيد الذي يتطلع دائماً إلى رضا الله وإلى العمل وفق القواعد الإسلامية بعيداً عن كل الحسابات، لأن قدوته في ذلك كله رسول الله(ص).
بقي السيِّد ـ في ذلك الوقت ـ في قلب الضّاحية الجنوبيَّة إلى جانب من تبقى من المؤمنين والمستضعفين، فليس ديدنه أن يترك السّاحة ويلوذ بحماية الذات، وقالها لأقرب المقربين: "أنا لا أترك الناس.."، وقد عرفه الجميع، وفي كلّ الحروب والحصارات إلى جانبهم، من النبعة إلى الاجتياح الصهيوني إلى حصار الضاحية بعدها، إلى الحروب الإسرائيليَّة المتتالية في "تصفية الحسابات" و"عناقيد الغضب" وغيرها.
.
|
وكذلك، علم الكثيرون بملازمته لمسجد الإمامين الحسنين(ع) ـ حيث ضريحه الآن ـ عند سقوط كل الأبنية المجاورة، كما تابع الكثيرون مواقفه الصلبة القوية الداعمة للمقاومة في تلك الأيام التي عزّ فيها الناصر والمعين.
كانت مرجعيته هي العَلَم الأبرز في ثقافة المواجهة، وكانت كلماته هي المعين للمجاهدين، فقد كان يبعث إليهم "بزخّات" المواقف الإسلامية الثائرة، فيبعثوا بزخات صواريخهم إلى قلب العدو، وكان يناديهم: "أيها البدريون.. يا من صنعتم بدر الجديدة.."، وكانوا يتطلعون إلى نصر إسلامي يرفع رأس الأمة عالياً، ويؤسس لمرحلة جديدة، كما أسَّست بدر الكبرى لقوة إسلامية حاسمة في الجزيرة العربية |
كانت كلمات السيد هي المعين للمجاهدين، فقد كان يبعث إليهم "بزخّات" المواقف الإسلامية ، فيبعثوا بزخات صواريخهم إلى قلب العدو |
وعندما بدأت المؤسَّسات الَّتي أرسى سماحته دعائمها تتداعى بفعل الغارات الصهيونية الحاقدة، في معروب والخيام وغيرها، جاءه من يشير إليه بأنَّ كل موقف يصدر منك يُفضي إلى غارة على هذا الصرح التربوي أو ذاك، وكان رده: "أنا قبل كل شيء داعية إلى الله تعالى، ولا أتطلع إلا إلى رضا الله سبحانه"، ويتبع ذلك على طريقة علي(ع): "هذه المرجعية لا تساوي عندي هذا النعل إن لم أحقق رضا الله فيما أتخذه من مواقف".
|
المظلة الشرعية الميدانية:
كان السيد في تموز، وما بعد تموز في أيام الحرب الصهيونية، يتحرك على خطين؛ خطّ الدعم والتعبئة الإسلاميَّة وشرعنة المعركة للمجاهدين، وخط المواقف السياسيَّة التي كانت تنطلق في لقاءات تلفزيونية أو في كتابات ومقالات شبه يومية تتناول الصَّلف الأمريكي وتواطؤ الجامعة العربية، حيث دعا وقتها إلى إعلان قيام "جامعة الشعوب العربية" على أنقاض جامعة الأنظمة.
كان السيد هو المظلة الكبرى للمقاومة؛ المظلة الشرعية الميدانية، صحيح أنَّ المقاومة كانت تعمل تحت أكثر من مظلة إسلامية شرعيّة واقعيّة وحافظة، ولكنّها كانت تحتاج كثيراً إلى المظلة الإسلامية الشرعية الميدانية، ولذلك يعرف بعض الخلّص كيف أن قائد المقاومة نذر نذراً لله تعالى في حال انتصرت المقاومة، أن يذهب مع قادة المقاومة إلى سماحة السيد فضل الله لتقبيل يده شكراً لله على هذا النصر، وهو ما حصل. |
نذر قائد المقاومة في حال انتصرت المقاومة، أن يذهب مع قادتها إلى السيد فضل الله لتقبيل يده شكراً لله على النصر، وهو ما حصل |
تحديات الواقع:
سقط المشروع العالمي المعادي بين تموز وآب من العام 2006، وكرّت سُبحة الأيام، وأطل مشروع جديد؛ مشروع التدمير الذاتي، الفتنة المذهبية، الغارات الإعلامية المتلاحقة، الإنتاج شبه اليومي لحساسيات التاريخ، اللعب على الأوتار الطائفية، استدعاء "الحالقة"؛ حالقة الدين، وهنا برزت الحاجة الكبرى، ودقّ ناقوس الخطر الأكبر، وهنا كرّر الكثيرون ـ في تطلعهم إلى رحيل السيد ـ كلام علي(ع): "..ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائه الأمور وحوازب الخطوب، لأطرق كثيرٌ من السائلين وفشل كثير من المسؤولين".
يعود السيِّد إلينا، إلى السّاحة الإسلاميَّة الكبرى الَّتي هي في أمسّ الحاجة إلى فكره، إلى كلماته، إلى فتاواه التي كانت ترصد أصالة الإسلام كما كانت تتطلَّع إلى وحدة الأمة ومصير المسلمين بين الأمم.
يعود السيِّد حتى وإن لم تنطلق كلمة شكر من هنا وهناك.. حتى وإن نسي البعض تاريخاً تجاوز السنتين بقليل، في وقت يعمل الكثيرون لاستثارة تاريخ يربو على ألف عام؛ تاريخ يريدون استعادته بالحساسيات ليعيدوا الأمة إلى "عصور التخلف" كما كان يُعبّر السيّد.
يعود السيد بين تموز وآب، يرجع إلى القلب، إلى ميدان عمله الأكبر، إلى شهر رمضان، إلى أدعية وصلوات تترى، إلى مواقف تضيء على مدى الأيام، يعود ليتلو علينا وصيته الأولى.. الله الله في الإسلام، وليذكرنا بصوته وروحه بالمقاطع الزاخرة من أدعية الإمام زين العابدين(ع) في "البرنامج اليومي" للمسلم: ".. وحياطة الإسلام، وانتقاص الباطل وإذلاله، ونصرة الحق وإعزازه..".
|