فكر وثقافة> فكر وثقافة، 12 شوال 1429هـ/ 11 تشرين الأول 2008م، العدد:570
 

يتحدث سماحة آية الله العظمى، السيد محمد حسين فضل الله، (دام ظلّه)، في ندوته الأسبوعية، عن تجربة النبي إبراهيم(ع)، متناولاً الحديث عن شخصية الذبيح والآراء المختلفة الواردة في ذلك...

 

 

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطَّاهرين، وعلى أصحابه المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

النبوة الصالحة:

تتمةً لما سبق من حديث، نواصل حديثنا في جانب آخر، حيث اختلف المفسِّرون في شخصية "الذبيح" ـ حسب المصطلح في تجربة النبي إبراهيم(ع) وولده ـ على قولين، أحدهما: أنه إسحاق، وروي ذلك عن الإمام علي(ع) وابن مسعود وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة وعطاء والزهري والسدي والجبائي. وثانيهما: أنه إسماعيل، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيّب والحسن والشعبي ومجاهد والربيع بن أنس والكلبي ومحمد بن كعب القرضي. وقد جاء في مجمع البيان أن القولين رواهما الشيعة عن أئمتهم(ع). ولكن الأظهر في الروايات أنه إسماعيل، ويعضده قوله تعالى ـ بعد حديثه عن رؤيا إبراهيم وقيامه بمقدِّمات الذبح ـ: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات:112]. فالظاهر منه أن ولادة إسحاق بعد البشرى به كانت متأخرةً عن ذلك الحدث. وذكر بعضهم أن المراد بالآية هو البشرى بنبوّة إسحاق لا بولادته، ولكنه خلاف الظاهر.

ويُستفاد ذلك من قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود:71]، فكيف تأتي البشارة بذرية إسحاق، ثم يأمر بعد ذلك بذبحه؟! وقد صحّ عن النبي(ص) أنه قال: "أنا ابن الذبيحين"، ولا خلاف في أنه من ولد إسماعيل، والذبيح الآخر هو أبوه عبد الله.

وقد ذكر الّذين قالوا إنّه إسحاق، أن أهل الكتاب أجمعوا على ذلك، وأجيب عنه بأن إجماعهم ليس حجةً، وقولهم غير مقبول. وقد كان اليهود يؤكِّدون ذلك للفخر به، لأنهم من أولاد إسحاق. وقال الأصمعي: "سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، إسحاق أم إسماعيل؟ فقال: يا أصمعي، أين ذهب عنك عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان بمكة إسماعيل، وهو بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة لا شك فيه".

وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله جعفر الصادق(ع)، أنه سُئل عن صاحب الذبح، قال: هو إسماعيل. وعن زياد بن سوقة عن أبي جعفر محمد الباقر(ع) قال: سألته عن صاحب الذبح، قال: إسماعيل. وروى العياشي بإسناده عن بريد بن معاوية العجلي، قال: "قلت لأبي عبد الله(ع): كم كان بين بشارة إبراهيم بإسماعيل وبين بشارته بإسحاق؟ قال: كان بين البشارتين خمس سنين، قال الله سبحانه: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات:101] ، يعني إسماعيل، وهي أوّل بشارة بشّر الله بها إبراهيم في الولد".

ويؤيّد ذلك، أنّ إبراهيم(ع) دعا ربّه أن يهب له ولداً صالحاً، ما يدلّ على أنه لم يكن قد رزق الولد، فكان إسماعيل إجابة دعائه. وجاء في كتاب الفقيه للصدوق: "سُئِل الإمام الصادق(ع) عن الذبيح من كان؟ فقال(ع): إسماعيل، لأن الله ذكر قصته في كتابه، ثم قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ}" [الصافات:112].

وقد حاولنا عرض القولين من أجل المعرفة القرآنية، وليست المسألة خاضعةً لأية نتيجة عملية، فكلا الأخوين يمثِّل الموقع الصالح القريب من الله، والسائر في الخط الرسالي الإبراهيمي، ولا يختلف أحدهما عن الآخر في الاستجابة لله فيما أراده منه، حتى على مستوى استسلامه لأمر الله بالخضوع للذبح.

الهداية التوحيدية:

وقد تحدث الله عن إسحاق وولده يعقوب في موقع النبوة، كما جاء في قوله تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} [مريم:49-50]. وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:72-73].

ونستوحي من هذه الآيات، أن الله سبحانه أوحى إلى إسحاق ويعقوب بالقيام بدور الهداية التوحيدية في خط الرسالة، والانفتاح على منطق الصدق الأعلى الذي يمثل الحقيقة بكل معانيها وامتداداتها في حركة الإنسان الإيمانية، ليكونوا الأئمة الهداة في تبليغ الرسالة التي تتضمن الأمر بفعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأئمة في معنى الإخلاص الذاتي في عبادة الله.

وقد أكد القرآن في آيةٍ أخرى، أن الله جعل في ذرّيّتهما النبوة والكتاب، وقد يكون المقصود بالكتاب ما أنزل على إبراهيم، وربما يكون المقصود به التوراة التي أنزلت على موسى الذي هو من ذرية إسحاق ويعقوب. ولم يتحدث الله في القرآن عن نشاط إسحاق ويعقوب في حركة الدعوة، وفي دخولهما ساحة الصراع مع الوثنيين، كما تحدّث عن إبراهيم، غير أنّ إيحاءات الآيات تدل على ما تفرضه طبيعة النبوّة من أداءٍ للرسالة التوحيدية في مواجهة القوم الذين يعبدون الأصنام، وخصوصاً أن الإسلام المطلق لله الذي تحرك به إبراهيم وأعلنه في رسالته، يفرض على حمَلَة رسالة الإسلام أن يبلِّغوه للناس، ليبتعدوا عن خط الخضوع العبادي للصنم بعيداً عن عبادة الله.

أما إسماعيل، فلم يتحدث القرآن عنه بصفة النبوة بشكل صريح بالطريقة التي تحدث فيها عن إسحاق، ولكن قد نستفيد ذلك من الآية الكريمة: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:136]. ومن قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:140].

وقوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً *رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء:163-165].

وقد جاء هذا الذكر المتعدد في سياق الحديث عن الأنبياء الذين أوحى الله إليهم، والذين أراد للمسلمين أن يؤمنوا بهم كأساسٍ لعقيدة الإيمان بالرسل، مع لفتةٍ قرآنية، وهي أن الآيات ذكرت إسماعيل بعد إبراهيم قبل إسحاق، ما يوحي بأنه الولد الأول له، وهذا ما نستفيده فيما حكاه الله عن إبراهيم في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} [إبراهيم:39].

وقد ذكر بعض المفسرين، أن إسماعيل هو المقصود بإسماعيل "صادق الوعد" الذي ذكره الله في القرآن في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً} [مريم:54]. ولكن ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصادق(ع) أنه لم يكن إسماعيل بن إبراهيم، بل كان نبياً من الأنبياء بعثه الله عزّ وجلّ إلى قومه، فأخذوه وسلبوا فروة رأسه ووجهه. وفي تفسير القمي، أنه إسماعيل بن حزقيل، وقيل إن إسماعيل بن إبراهيم مات قبل أبيه إبراهيم.

وكان إسماعيل مساعداً لأبيه النبي إبراهيم(ع) في بناء البيت، وهذا ما تحدث به الله سبحانه في كتابه في قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [البقرة:127-129].

بيت العبادة العالمي:

فنحن نلاحظ أن إسماعيل كان في تلك الفترة يملك الروحانية والقوّة والقدرة على مشاركة أبيه في بناء البيت، ليكون أول بيت عالمي لعبادة الله فيما تحدث الله به في القرآن، إذ طلب من إبراهيم أن يدعو الناس إلى حجّ هذا البيت لعبادة الله، وذلك قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:27-29].

وقد كان إسماعيل شريكاً لأبيه في تطلعاته وتمنياته وابتهالاته ودعائه ونظرته الرسالية إلى مستقبل ذريته في التزامها بالإسلام، وخضوعها لله في روحية التوبة والرحمة، بالمستوى الانقيادي الذي يخضع فيه العبد لربه، حتى لو لم يكن قد قام بأي ذنب.

ثم نلتقي بالدعوة الإبراهيمية الإسماعيلية في أجواء التخطيط للمجتمع الذي سوف يسكن إلى جانب البيت الطاهر، ليطوفوا به، وليتعبدوا الله فيه، ليرسل الله إليهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آيات الله، ويعلمهم الكتاب الذي ينـزله عليه، والحكمة في ممارساتهم العامة في كل أمورهم وقضاياهم، بما يؤدي بهم إلى التوازن والاستقامة في الخط الحكيم، ويزكيهم في تطهير نفوسهم وتنمية روحانيتهم، ما يدلنا على أن الأب وولده كانا يفكران في مستقبل هذا المشروع الروحي العبادي في خط الرسالة والرسول.

وهذا ما نستوحيه من المستوى الرفيع الذي يتميز به إبراهيم(ع) وذريته، وأوّلهم ولداه إسماعيل وإسحاق، في موقع الرسالة والقدوة...

ويبقى الحديث عن يعقوب في حياته التي عاش بعض البلاء فيها في قصة ولده يوسف وأولاده الآخرين، وفي وصيته الرسالية في التزامات أولاده. وهذا ما نرجو أن نثير الحديث عنه في حلقة قادمة إن شاء الله...

والحمد لله ربِّ العالمين