قرآنيات > المنهج العلمي والعقلي في القرآن  

المنهج العلمي والعقلي في القرآن

المرجع الديني السيد محمد حسين فضل الله

عندما نريد أن نتحدَّث عن المنهج العلمي والعقلي في القرآن، فإن علينا قبل ذلك لنبرر هذا الحديث، أن ننفتح على كل هذا الجدل القائم الذي يستهلكه الكثيرون من الناس من مثقفين وغير مثقفين، استهلاكاً يحمل في داخله الكثير من الانفعال بدلاً من أن يحمل الكثير من الفكر.

ما هي قصة الدين؟ ما هي قصة الإيمان في الإنسان؟ هل هي شيء فوق العقل لينحني العقل أمامه فلا يحاول أن يقترب من أي مفردة من مفرداته أو من أي موقع من مواقعه؟ هل تطور العلم الذي انفتح الإنسان فيه على أسرار الكون، ليفتح المجال للصراع بين العلم وبين الدين على أساس أن الدين يمثل اللاعلم ليقف العلم إلى جانب فكرة اللادين. ولا نزال نتناقش ونتناظر حتى في المسألة السياسية بين العلمانية والدينية، فالدين، كما يدَّعون، هو شيء من الغيب، هو شيء لله، وكذلك فإن عليه أن لا يقحم نفسه في عالم الشهود والحضور وفي عالم الناس. وهذا ما تنطلق به الكلمة المعروفة التي نستهلكها كثيراً ((الدين لله والوطن للجميع))، ليكن له دينه هو أولى به، وليترك الله الوطن لنا ولا يتدخل في أموره من قريب أو بعيد.

بين العلم والدين

هناك اتجاه يقول: إن الإيمان فوق العقل، لأن الإيمان يرتبط بالغيب، والغيب شيء لا يملك العقل أي وسائل للنفاذ إليه، ولا تملك التجربة ـ وهي خط العلم ـ أية مقومات للانفتاح عليه. إذاً لا بد للإنسان الذي يريد أن ينفتح على الإيمان ـ كما يقولون ـ أن يعيش الإيمان بروحه وإحساسه، فالإحساس يجعلك تؤمن لا العقل، والروح تنفتح بك على آفاق الإيمان لا العلم. ولكن هل المسألة كذلك في الإسلام؟ وهل المسألة كذلك في القرآن؟.

وينفتح لنا ونحن نريد أن نقترب من الموضوع، أفق آخر، وهذا الأفق هو أن قصة الإنسان في الإسلام كيف هي صورته؟ هل أن صورة الإنسان في الإسلام هي صورة الإنسان العقلاني الذي لا يؤمن بشيء إلا بعد أن يتعقَّله، ولا يتحرك في شيء إلا بعد أن يعقلنه؟ ما هي صورة الإنسان في الحياة؟ هل هي صورته التي تبتعد عن حركة التجربة في الواقع؟ أم أن هناك شيئاً آخر؟.

ربما استهلكنا زمناً طويلاً من التخلف، كان يخيَّل للإنسان فيه أنه بمقدار ما يقترب من العقلانية أكثر فإنه يبتعد عن الدين أكثر، وبمقدار ما ينفتح على العلم أكثر فإنه يبتعد عن الغيب أكثر، وهذا هو الذي صنع مسألة الصراع بين العلم والدين، وهو الذي جعل الكثيرين من المتدينين يتنكرون للعلم وللعقل في أنفسهم وفي أولادهم، لأنه يخيل إليهم أنهم إذا فتحوا لأولادهم أبواب العلم وأبواب العقل، فمعنى ذلك أنهم سينحرفون عن الدين. هذه أفكار قد نحتاج أن نثيرها قبل أن ننفذ إلى الفكرة الأساسية.

الإيمان في المفهوم القرآني

إننا نريد أن نركز في البداية على الأساس الذي ينطلق منه الإيمان في مفهوم القرآن، فنلاحظ أن القرآن الكريم يؤكد أن علاقة الله بالناس في حركة المسؤولية التي يواجهونها أمامه هي حركة حجة من الله على خلقه {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}[الإسراء/15]، {لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها}[الطلاق/7]. فنحن في كل وجودنا المسؤول عندما نواجه مسؤولياتنا أمام الله فإن الله لا يحمِّلنا نتائج حركة المسؤولية في واقعنا إلا بعد أن يقيم الحجّة علينا، وإقامة الحجة علينا أن يعطينا عقلاً نستطيع من خلاله أن نفكر، وأن يبعث لنا رسلاً نستطيع من خلالهم أن ننفتح على كثير من المفردات ومن التفاصيل التي قد لا يستطيع العقل أن يلامسها ملامسة مباشرة. فإذا استطعنا أن نحرك العقل، وانفتحنا على الرسالات، وتمكّن العقل من أن يحتضن الدين بفكره، واستطاع أن يواجه كل علامات الاستفهام التي يثيرها أمام الرسالات أو التي تثيرها الرسالات أمامه، فإن الحجة حينها تقوم على الإنسان، هذا عقل استطاع أن يركز الخط وهذه رسالة استطاعت أن تنظم تفاصيل هذا الخط وكان هناك فكر وكان حوار وجدال وعلامات استفهام وأجوبة، بعد ذلك تقوم الحجة.

ومن هنا يقول المتكلمون إن الله لا يعاقب إنساناً لا يملك الوسيلة إلى المعرفة، ولا يعاقب إنساناً لا يملك أية إمكانات للاطلاع على الحقيقة، لأن الله لم يقم عليه الحجة، إنما يحاسبه على ما يستقل به عقله، باعتبار أن حركة العقل في كثير من مفردات الكون لا تحتاج إلى رسالات في الخطوط العامة، أما ما جاء به الرسل، أو ما اختلف فيه الناس، وما تأصلت به الأصول وتفرعت به الفروع، فهذا أمر لم تقم الحجة عليه فيه ولا يمكن أن يحاسب عليه.

إذاً في المسألة الإيمانية لا مسؤولية إلا من خلال حجة، أن يكون لله الحجة علينا، والحجة عقل ورسول؛ عقل يتحرك من خلال الحواس، ورسول يتحرك من خلال الرسالة. وقد ورد في بعض التعابير: ((إن العقل رسول من داخل والرسول عقلٌ من خارج))، بحيث إن هذا الحديث عندما يواجه الرسول فإنه يعقلن الرسول، لا يعتبر الرسول مجرد شخص يحرك كلمات ليس من حق الناس أن يسألوا عنها أو ليس من حق الناس أن يناقشوها. الرسول يأتي ليعطي عقلاً يتكامل مع العقل، حتى يستطيع العقل أن ينطلق في مسألة اكتشاف الحقيقة بمساعدة من الرسالة، والرسالة تفتح حركتها في الحياة بمساعدة من العقل، فليس هناك بين الرسالة وبين العقل أي تنافر وأية مشاكل فيما يمكن أن يدركه العقل مما جاءت به الرسالة.

الفكر هو أساس القناعة

وهناك نقطة ثانية، وهي أن الإسلام يرفض التقليد، فأنت تريد أن تعيش قناعاتك أو تكوِّن قناعاتك أو تحرك قناعاتك في الواقع، فلا بد لك من أن يكون الأساس في قناعاتك فكرك الذي تطلقه بما تملك من عناصره وتتحرك به مع الفكر الآخر في ما يملك من العناصر الأخرى لتكون القناعة منطلقة من ذاتك، لا من محاكاة الإنسان الآخر واتّباعه.

إننا نجد أن القرآن الكريم يحدِّث في أكثر من آية عن هؤلاء الذين يقولون: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}[الزخرف/23]، وهو يحاكمهم{قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم}[الزخرف/24]، {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً}[البقرة/170]. إنه يحدثهم عن السلبيات التي تنتج عندما نكوِّن قناعاتنا من خلال آبائنا أو من خلال الأجواء الانفعالية المحيطة بنا، لأن قصة تقليد الآباء هي قصة تمثل نموذجاً من مسألة التقليد العاطفي أو الانفعالي، حتى أننا نرى كثيراً من الناس يقلدون الأقوياء وكثيراً من الناس يقلدون الوجهاء أو الأغنياء، أو ما إلى ذلك مما استحدثه الناس من عوامل ضغط الواقع على الفكر.

إننا نجد في القرآن الكريم إلى جانب رفض تقليد الآباء والأجداد، حديثاً عن تقليد المستضعفين للمستكبرين {إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً} [النساء/97]. إن المسألة المطروحة في هذه الآية هي أن المستضعفين عندما يجدون أكثر من فرصة للانتفاض على ضعفهم وللتحرك بعيداً حيث يأخذون القوة ويحققون قناعاتهم من خلال القوة، فإنهم لن يكونوا معذورين أمام الله، لأن الضعف أمام الآخر لا يبرر لك أن تجعل فكرك ينحني أمام فكر الآخر، وأن تجعل إرادتك تسقط أمام إرادته، لأن الآخر بالنسبة إليك أستاذاً تحاول أن تستهلك علمه، أو محاوراً تحاول أن تدير معه حواراً، ولكن الآخر ليس عنصر ضغط يلغي لك فكرك أو عقلك.

مسؤولية الفكر

من هنا لاحظنا أن المسألة في القرآن تؤكد أن الإنسان يتحمل مسؤولية فكره من خلال أن الله يريد له أن يعيش أصالة فكره ويعيش حركية حرية فكره، حتى تنطلق المسؤولية من خلال حركة الذات في خط المسؤولية. حتى إننا نلاحظ في القرآن الكريم، إلى جانب مسألة المستضعفين والمستكبرين، أنّ الشيطان لا يتحمل مسؤولية إضلالنا، وإنما نحن الذين نتحمّل مسؤولية إضلال أنفسنا، وذلك هو منطق القرآن:{وبرزوا لله جميعاً فقال الضعفاء للذين استكبروا آنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا من عذاب لله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص}[إبراهيم/21]. لاحظوا {لو هدانا الله لهديناكم} إن المسألة ـ كما يقولون ـ أننا ضللنا بضلالتهم، وكأن هذا الإنسان المستضعف لا يملك فكره، إنه أسقط فكره من حيث أسقط إنسانيته وإرادته {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل}[إبراهيم/22].

كيف نفهم المسألة في هذا الاتجاه؟ إننا نفهم أن الشيطان يقول للإنسان: أيها الإنسان، إن لك عقلك الذي تستطيع أن تدرك به الحقائق، وإن لك عينيك اللتين تستطيع أن تبصر بهما الموجودات التي تؤدي بك إلى الحقائق، وإن لك أذنيك، ولك الواقع الذي يعرفك أن وعد الله حق، وأن وعد الشيطان باطل، فلماذا لم تدخل ـ أيها الإنسان ـ في عملية مقارنة بين ما هو الشيطان وما هو الله؟ بين ما هو الحق وما هو الباطل؟ إنك تقول إن الشيطان أضلني، والشيطان لم يفرض عليك الضلال، ولكنه هيّأ لك الأجواء، وأنت تملك أن تتمرد على هذه الأجواء فلماذا استسلمت له؟ إن مسألة مسؤولية الفكر لدى الإنسان هي مسألة أن الله يريد للإنسان أن يكون إنساناً في صلابة عقله وفي صلابة إرادته وفي صلابة موقفه، أن لا يكون الصدى، وأن لا يكون الظل، وأن لا يكون كمية مهملة لا معنى لها.

لا إكراه في الدين

ثم ننطلق في مرحلة أخرى في الطريق إلى الفكرة في الإسلام{لا إكراه في الدين}[البقرة/256]، إن المسالة هي أن الله لا يريد لنا أن نكره إنساناً على الالتزام بأية قناعة مصدرها الفكر. إن الله يريد أن يوحي إلينا أن مسألة الدين ليست من المسائل التي يمكن لإنسان أن يكره إنساناً عليها، وإن مسألة الإيمان ليست من المسائل التي يمكن أن تخضع للضغط، باعتبار أن قصة دينك فيما هو الفكر الديني هي قصة وجدانك في ما تختزنه من كل المفردات الدينية التي يتحرك بها العقل. وهكذا مسألة الإيمان. أنا قد أستطيع أن أضغط عليك، أن أحبسك في زنزانة، ولكني لا أستطيع أن أحرك أي مفصل من مفاصل عقلك لأضغط عليه بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر.

إن مسألة الإيمان هي مسألة تتصل بالإنسان نفسه، ولا يمكن لإنسان أن يكره إنساناً على إيمان أو كفر، ولهذا لاحظنا التعبير القرآني {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}[البقرة/256]. إن المسألة هي أنّ طريق الرشد واضح وطريق الغي واضح، وعلى الإنسان أن يواجه هذين الطريقين ليختار مصيره من خلال اختياره للخط الذي يتحرك فيه، {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً} [الإنسان/3] و{وهديناه النجدين} [البلد/10]. إن معنى ذلك، أن يقول إنسان لقد أكرهت على الكفر أو أكرهت على الإيمان هو منطق لا معنى له وقد خاطب الله رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس/99]. إنه لا يملك أن يكره الناس على الإيمان، ولا يملك أن يكره الناس على أي شيء، ولذلك أعفى الله نبيه من كل مسؤولية كفر الكافرين الذين دعاهم إلى الإيمان، والذين بلغهم رسالات الله، لأن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يملك عقل الناس، إنما يملك الكلمة التي تتحرك نحو العقل، ويملك الجوّ الذي يحيط بالعقل، ويملك العناصر التي يمكن أن تفتح آفاق العقل. أما العقل في ذاته فلا يملكه إلا خالقه، أما الأنبياء فإنهم لا يملكون عقول الناس بحيث يستطيعون أن يحولوها بعيداً عن الكلمة وبعيداً عن النظرة واللمسة والجو وما إلى ذلك من العناصر التي تترك تأثيرها على الإنسان.

إننا نلاحظ أن مسألة الإكراه في الدين ليست مسألة واردة في حساب الواقع بقطع النظر عن الجانب التشريعي، قد يقول قائل إننا نرى أن هناك ضغطاً على الناس لكي يسلموا، فالضغط بدء في صدر الدعوة الإسلامية، فقد جرى الضغط على الذين اسلموا أن لا يكفروا، أليس ذلك إكراهاً في الدين؟ هذا ليس إكراهاً في الدين، هذا إكراه في فرض النظام وإكراه في فرض السلطة، لأن أية قوة تريد إرساء قواعدها وفرض نظامها، فإن من الطبيعي أن تخضع كل الناس الذين يعيشون في دائرة هذا النظام لكل مفردات النظام.

ماذا تفعل كلّ الحكومات أمام المواطنين الذين يتمردون على النظام؟ إنها تواجههم بالعنف إذا لم ينفع الرفق، لتكرههم على ما لا يريدون، بل لتطبّق عليهم ما يصلح أمرهم وما يصلح الناس. فما يتحدّث عنه من عنف لإخضاع الإنسان للسلطة في الإسلام، إنما يمثل خطاً يتفق مع كل الخطوط الموجودة في العالم عندما يراد لسلطة فكر أن تنتشر، وعندما يراد لنظام أن يتركز، ولذلك فرق الإسلام بين الإسلام والإيمان، فاعتبر أن الإسلام هو الخضوع للنظام والخضوع للخط، بينما الإيمان هو القناعة الفكرية والروحية {قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات/14]. إنه لم يفرض عليهم الإيمان، لأن هذا مستحيل من جهته، ولكنه هيّأ الأجواء لينطلقوا ليكونوا المسلمين المنسجمين مع الخط العام والمنسجمين مع النظام العام.

إذاً إذا كان الله لا يقبل منا أن نسير وفق منهج تقليد الآباء، وإذا كان الإيمان لا يمكن أن يتم بالإكراه، فكيف نؤمن؟ لا بد من المنهج الذي يحرك الفكر نحو كل مفردات الإيمان.

مع العناوين القرآنية

وإذا ما حاولنا متابعة الآيات القرآنية في حركة الدعوة إلى الإيمان، فإننا نلاحظ أن القرآن الكريم ركز في بعض مفرداته قبل أن ندخل في التفاصيل على عناوين، فهناك عنوان البرهان، والبرهان كما نعرف، هو الدليل الذي يؤكد الفكر الذي يلتزمه هذا الإنسان إيجاباً أو سلباً، فالقرآن الكريم يتحدث بسلبية عن بعض لناس الذين يسيرون في الخطّ المناهض للإيمان، فهم يقولون: {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة/111] {أم اتخذوا من دونه آلهة} [الأنبياء/24]، هذه وجهة نظر، أن اتخذوا آلهة، لكن قل هاتوا برهانكم. فهو لا يرفض منهم أن يعيشوا التصور، ولكنه يرفض أن يعيشوا هذا التصور من دون أساس ومن دون دليل {أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}[النمل/64]، والبرهان مطلوب حتى في يوم القيامة، عندما يقوم الناس لربِّ العالمين، {ونزعنا من كلّ أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم} [القصص/75]، فعندما تقف بين يدي الله لتقدِّم حسابك على إيمانك أو على كفرك فإنه سيقال لك هات برهانك {ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه}[المؤمنون/117]. وما يلفت هنا، أن الله لا يحاسبه على أنه دعا من دون الله إلهاً آخر فقط، ولكنه يحاسبه أيضاً على أنه لم يقدم برهاناً على هذا الإله، إذ كيف يمكن أن تلتزم شيئاً لا برهان لك عليه، وحتى عندما يحرك القرآن الإسلام في وعي الناس {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم}[النساء/174].

إنَّ مسألة البرهان التي تعني الدليل الذي يسند الفكرة والذي ترتكز عليه الفكرة، تعتبر أساساً لرفض أي فكرٍ أو لقبول فكرٍ آخر. وعلينا أن نعرف حقيقة فكرية، وهي أن الإنسان الذي يرفض لا بد له من دليل على الرفض، تماماً كما هو الإنسان الذي يقبل لا بد له من دليل على القبول. ومن هنا نقول ليس هناك في العالم ملحدون من ناحية فكرية، بل هناك شاكّون، هناك فرق بين اللاأدريين وبين الملحدين. قد يقول إنسان كما هي طلاسم ((إيلي أبو ماضي)):

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت..

ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت...

وسأبقى سائراً شئت هذا أم أبيت...

كيف كنت كيف أبصرت طريقي لست أدري...

هناك ((لا أدري)) يقول: أنا لا أدري، لم أطّلع على الأفكار، لم أصعد إلى السماء، لم أبصر، إذاً أنا لا أعرف، فهؤلاء ينطلقون في حالتهم السلبية من واقع يعيشونه في فكرهم، على أساس أنهم لا يملكون دليلاً على ما يطرحه الفريق الآخر.

لقد احترم الإسلام حالة الشك عند الإنسان إذا كان موضوعياً في شكه ومخلصاً في حركته نحو الحقيقة، وهناك حديثان عن الإمام جعفر الصادق(ع) يقول في أحدهما: ((لو أن الناس إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا)) وسأله شخص قال له : رجل شك في الله؟ قال كافر، قال شك في رسول الله؟ قال: كافر، ثم عقب؛ إنما يكفر إذا جحد، يعني ما دام في دائرة الشك الذي يتحرك في اتجاه اليقين من خلال البحث فإنه ليس كافراً.

لذلك نقول إن الذين ينكرون وجود الله لا يملكون أساساً لهذا الإنكار، لأن الإنسان الذي ينكر وجود شيء لا بد له أن يملك الإحاطة بكل المواقع التي يمكن أن يكون هذا الشيء موجوداً فيها، حتى إذا افتقده في كل المواقع عند ذلك يمكن أن ينكر. أما إذا كان الإنسان محدوداً في إمكاناته، محدوداً في استقرائه، فكيف يمكن له أن ينكر.

إذاً الإسلام يركز عل أساس البرهان، ومن خلال البرهان تأتي كلمة الحجة وكلمة الدليل وما إلى ذلك من الأمور. إن الإسلام أيضاً في هذا المجال يستعمل دائماً كلمة الجدال، والجدال يراد به حركة الصراع الفكري، أن تدخل في جدال مع الآخر على أساس فكرة معينة. وقد تحدث الإسلام كثيراً عن الجدال، وتحدث كثيراً عن الحجاج، وطلب من المؤمنين أن يجادلوا أهل الكتاب وغير أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وتحدث عن الناس الذين يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وتحدث عن الناس الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، فلقد تحدث عن الجدال في أكثر من موقع، ولم ينكر للإنسان أن يجادل، بل أراد له أن يكون جداله من خلال الإيحاء بأن قصة الفكر المختلف هي قصة جدلية بين إنسان يثبت وبين إنسان ينفي.

ولذلك لا بد أن يعيش الإنسان حركة الجدل وحركية الحوار في إثبات هذا الفكر أو نفيه. ولكن لا بد أن يجادل الإنسان من موقع علم، ولا بد أن يجادل الإنسان من موقع هدى ومن موقع ثقافة، لا أن يجادل من موقع جهل، لأن الذين يجادلون من موقع جهل، لا يملكون أن يتحركوا أية حركة إيجابية في الاتجاه السليم، وهذا ما لاحظناه في الآية الكريمة التي عبرت عن الجدال بالحجاج: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم}[آل عمران/66]. إذاً لا بد من أن يكون للإنسان برهان على ما يعتقد عند نفسه، ولا بد أن يكون له برهان على ما ينفيه عن غيره، حتى يكون الفكر مركّزاً على قاعدة فكرة أساسية.

لطريق المعرفة خطان

في هذا المجال نطرح سؤالاً ندخل من خلاله في الموضوع، وهذا السؤال: إن طريق المعرفة يتحرك في خطين: الخط الأول هو الخط العقلي، وهو الذي ينطلق من خلال معطيات العقل وحركيته في الأفكار التي تمثل الأفكار العقلية الفطرية التي اختلف فيها الفلاسفة بين الطريقة الأفلاطونية التي تتحدث عن وجود مُثل كان الإنسان يعيشها عندما كان في عالم المثال ثم تذكرها بعد ذلك، أو ما يسميه العقلانيون الإسلاميون بالأفكار الأولية الفطرية التي لا تحتاج إلى أية مسبقات، لأن الإنسان يدركها بالفطرة، مثل (النقيضان لا يجتمعان))، ((الضدان لا يجتمعان))، ((الكل أعظم من الجزء)) وما إلى ذلك من الأحكام العقلية التي تعتبر أنها تموّل كل الأحكام الأخرى.

والطريقة العقلية هي الطريقة الفلسفية التي يحلق الإنسان فيها في عالم العقل من دون أن يلاحق مفردات الواقع، ولذلك يتحرك من موقع الفرضيات، وليس من الضروري أن تكون حركته من موقع الواقع. وأما الطريقة العلمية، فهي الطريقة التجريبية التي كان يعبر عنها المناطقة القدامى بالطريقة الاستقرائية، حيث تتعرف على الكثير من الأفكار الاجتماعية أو الأفكار الصحية أو الأوضاع الكونية أو ما إلى ذلك من خلال عملية استقراء لمفردات الظاهرة، لتنطلق من خلال ذلك مسألة التأمل التي تجمع كل مفردات الاستقراء وتجمع كل مفرداتها الظاهرة، ليكون الحكم منطلقاً من التحديق في الواقع، ومن التأمل في مفردات الواقع، وهذه هي الطريقة التجريبية التي هي أساس الطريقة العلمية التي أمكن لها أن تطور العالم من حيث اعتمادها على العلم.

وقد أخذ المسلمون بهاتين الطريقتين، لأن القرآن الكريم ركز على الطريقتين معاً ولم يجمد على طريقة واحدة. فنحن نلاحظ مثلاً بالنسبة إلى الطريقة العقلية، أن الله تحدث مع الناس الذين يشركون، فقد واجه الإسلام هذا المجتمع الذي كان ينظر إلى مسألة الشرك باعتبارها مسألة نفسية معقدة لا يستطيع الفكاك منها. ويمكن أن نلاحظ فارقاً كبيراً بين منطق المشركين في انفعالهم بالفكرة، وبين منطق الإسلام والقرآن في ذلك. لقد قال المشركون وهم يستنكرون على النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) دعوته؟{أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق}[ص/5-7]، لم يقولوا إن فكرنا يرفض المسألة، بل أثاروا علامات التعجب وقالوا إن المسألة هي مسألة الدفاع عن آلهتكم، ما سمعنا في آبائنا بهذا، والإنسان بهذا المنطق يهرب من ذاته، فهو لا يدافع عن فكر، ولكنه يدافع عن تراث وعن عادة ورثها.

هذا هو منطق الشرك فما هو منطق القرآن؟ {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون* لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}[الأنبياء/21-22]. إن التعددية تفرض إمكانية الاختلاف، فإذا كان هناك إلهان، وكل واحد منهما مطلق القدرة، وأراد هذا شيئاً وأراد ذاك شيئاً آخر، فإما أن يتغلب أحدٌ على الآخر فلا يكون المغلوب إلهاً، لأن الإله لا بد أن يكون كليّ القدرة، وإما أن لا يتغلب أحدهما على الآخر فلا يتحقق شيء في الكون، لأن هذا يريد شيئاً والآخر يرفضه، ولا يمكن أن يتحققا معاً، لأن النفي والإثبات لا يمكن أن يتحققا في صعيد واحد.

فالله تعالى يقول انظروا إلى الكون، فإنكم سترون أن هذا الكون منظّم يسير على قاعدة منظمة ليس فيها خلل أو أي اضطراب في كل مواقعه {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}[يس/40]. إذاً الدليل على نفي الشرك هو أن الشرك يستتبع الفساد في الكون، وحيث لا فساد في الكون إذاً لا شرك هناك في الإلهية. إنه انطلق من خلال المنطق العقلي ليردّ ذلك المنطق الانفعالي.

وفي آية أخرى{قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً}[الإسراء/ 42]. لو كان آلهة مع الله الذي هو رب العرش، لكان طبيعة اختلاف الآلهة وتعدد الآلهة يفرض عملية الصراع، ومن الطبيعي أن عملية الصراع تفرض أن ينطلق إله إلى موقع الآخر من أجل أن يتغلب عليه أو يحاربه وهذا أمر ليس له أثر في الكون، فإذا لم يكن له أثر في الكون فكيف تؤكدون وجوده في العقيدة.

وفي الآية الثالثة: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون}[المؤمنون/91]. لو كان هناك تعدد في الإله، فإما أن يتقاسما فيكون لكل إله قسم من الكون، وعند ذلك لا بد أن يختلف الكون في منطقة هذا الإله وفي منطقة ذاك الإله، ولا اختلاف في الكون، أو يعلو إله على إله فيتغلب عليه فلا يكون الآخر إلهاً، كما أن ذلك يؤدي إلى الفساد في الأرض أو في الكون.

القرآن ـ إذاً ـ ينطلق من خلال المنطق العقلي في هذا المجال. عندما تحدث القرآن عن مسألة (المعاد) الذي هو اليوم الآخر فإنه تناوله في خطين: الخط الأول: هل هو ممكن أو مستحيل؟ الخط الثاني: هل هو واقع أو ليس بواقع؟ فكرة أنه هل هو ممكن أو مستحيل كانت فكرة تلح على واقع الناس الذين كانوا في عهد الدعوة، وربما ما زالت تلح على أناس كثيرين الآن، لأن هناك خلطاً عندهم بين ما هو معقول وما هو مألوف، ما هو معقول هو الشيء الذي يحكم العقل بإمكانه، بحيث إن العقل لا يجد هناك أيّ مانع من الموانع العقلية في الفكر تحول بينه وبينه، أن لا يلزم وجود الشيء وعدمه في آن واحد، وهذا من الموانع العقلية. أما هو مألوف فأن يكون الشيء غريباً، أي لأننا لم نألف وجوده على اعتبار أننا لم نلاحظه في تجاربنا في الواقع رغم وجوده.

في هذا المجال، فإن القرآن الكريم يشجب نظرتهم إلى الشيء غير المألوف وتعبيرهم عنه بأنه غير معقول، يقول{ وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم}[يس/78]. لاحظوا كلمة {ونسي خلقه} تحدث في مسألة النهاية كيف يوجد الذي يموت بعد أن يكون عدماً ونسي البداية كيف انطلق الوجود من العدم، {ونسي خلقه} تختصر كل شيء {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}[76] إنه يؤكد المسألة من ناحية الإمكان.

أما هل هناك يوم آخر أو ليس هناك يوم آخر، هذا أمر يمكن أن ينطلق عقلياً{أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون/115]. فإذا كانت الدنيا لا تتبعها آخرة، فمعنى ذلك أن الله يعبث، ويتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، باعتبار أن الدنيا تكون تماماً كما هي الفقاعة التي تنتفخ ثم تنفجر دون أن تترك وراءها أي شيء. إذاً لا بد للدنيا من آخرة، على أساس أن الدنيا تمثل حركة المسؤولية والآخرة تمثل نتائج المسؤولية. ويمكن الرد على ذلك من خلال تصديقنا للنبوّات، فإن النبي المطّلع على الغيب أخبرنا بأن هناك دار آخرة، وهذه مسألة تنطلق من ذاتية تصديق النبي، والمفروض أننا نتحدث إسلامياً، فمعنى ذلك أننا نصدق النبي في ذلك.

وهكذا نجد أن الله أراد أن يركز الفكرة التوحيدية من خلال نقطتين؛ النقطة العقلية من جهة، والنقطة الحسية التي تدخل في الجانب التجريبي من جهة أخرى. فنلاحظ في المسألة العقلية أنه أثار سؤالاً أمام الإنسان، وهذا السؤال هو: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون}[الطور/35]. كيف؟ إنك تواجه واقعاً، ادرس نفسك هل أنت خُلِقْتَ من غير شيء؟ وخلقك لا يحمل في داخله بذوراً حتمية، فكيف وجدت من غير شيء؟

هل خلقت نفسك، إذا كنت عدماً فكيف تستطيع أن تؤكد الوجود؟ إذاً لا بد من خالق. ولا شك أن الذي يوجد من غير شيء هو الذي يحمل في داخله حتمية وجوده، بحيث لا يحتاج وجوده إلى شيء خارجي يعطيه الوجود، وهو الله الذي لا بد من وجوده في تبرير وجود الكون. أما أنا وأنت، فلو وجدنا لما كانت هناك مشكلة، ولو لم نوجد لما كان هناك مشكلة، إذاً الإنسان الذي يتساوى طرفا العدم والوجود في وجوده، هذا إنسان يحتاج إلى أن يستعير الوجود من الآخر، لأنه لا يحمل في داخله الوجود. لذلك فأن توجد من غير شيء ذلك ليس وارداً، وأن تخلق أنت نفسك فمعنى ذلك أنك وجدت قبل أن توجد، والإنسان لا يمكن أن يكون موجوداً في حال كونه معدوماً، ولذلك فإن المسألة من الناحية العقلية لا معنى لها.

وعندما نلاحظ أن القرآن الكريم يريد أن يدخل في المسألة التجريبية، ليركز المسألة الإيمانية التوحيدية من خلال حركة الواقع، على أساس أننا عندما نرصد الظاهرة فإننا نؤمن بنتائجها. كل الظواهر التي انطلقت من خلالها النظريات العلمية، تمثل وجوداً معيناً يدل على نتائج أخرى، فنرصد الظاهرة، ونرصد النتائج من خلال هذه الظاهرة، ونأخذ الفكرة، يقول تعالى: {إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابّة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون}[البقرة/164]. إن معنى ذلك أن الكون تحوّل إلى أن يكون كتاب الإيمان، فعندما تقرأ الظواهر الكونية، وتدرس ما في داخل هذه الظواهر من أسرار، وتستنتج كيف يمكن للأشياء الخاضعة لتنظيم دقيق، حتى في الأشياء الصغيرة الجزئية منها، لا يمكن أن تكون منفصلة عن قوة يمكن أن تنظم ويمكن أن ترعى هذا النظام.

وهكذا نتابع {إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون * فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم}[الأنعام/95-96]. إلى آخر هذه الآيات التي تركز على الإنسان أن يتابع دراسة الظواهر الكونية ليتحرك في خطين: خط ينتج له المسألة العلمية، وخط ينتج له المسألة العقلية. أما الخط الذي ينتج المسألة العلمية، فهو أن تدرس الظاهرة لتعرف أسرارها ولتستفيد منها؛ تدرس السحاب المسخر بين السماء والأرض، تدرس نزول المطر تدرس كيف رفعت السماء بغير عمد، تدرس ذلك حتى تعرف السر فيه، لتأخذ منه النتائج التي تستفيد منها في حياتك، من حيث إن الله سخّر لك هذا الكون لتنتفع به على أساس ما تستنتجه منه، ثم بعد أن تدرس الظاهرة تستنتج منها عقلياً أنه لا يمكن أن يكون الشيء المعقول من غير قوة عقل تجعله معقولاً، ولا يمكن أن يكون الشيء المنظم من غير قوة تنظمه، ولا يمكن أن يكون الشيء مستمراً ما دام لا يملك قوة تحفظ استمراره وترعاه، تماماً كما قالت تلك العجوز عندما سئلت كيف تستدلين على وجود الله وكان بيدها مغزل، فقالت: ((بهذا المغزل، إن حركته تحرك وإن سكنته سكن)).

يعني أن الدنيا لا بد لها عندما تريد أن تنطلق في حركتها وسكونها من قوة تنظم لها هذه الحركة وهذا السكون، ولذلك نجد أن هناك إلحاحاً على الجانب التجريبـي بالإضافة إلى الجانب العقلي.

{قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون}[يونس/101] تطلعوا في كل الظواهر الكونية لتدرسوها ولتحركوها ولتنطلقوا من خلالها من أجل أن تعطوا حياتكم فكراً جديداً، ومن أجل أن تطلعوا على منافع جديدة {ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار}[آل عمران/191]. إنك تستطيع أن تصل إلى الإيمان من خلال دراستك لنفسك، ولعقلك كيف يتحرك وكيف ينطلق، ولكل أجهزة جسمك في كل مجالاتها الصغيرة والكبيرة. إننا نلاحظ أن هناك تركيزاً على الجانب التجريـبي الذي يرصد الظاهرة ليستنتج منها، والجانب العقلي الذي يرصد الظاهرة من أجل أن يحاكمها ومن أجل أن يقارن بينها وبين فكر آخر حتى يستنتج منه.

وهكذا نجد إيحاءات المنهج التجريـبي في الآيات التي تتحدث عن العبرة {فاعتبروا يا أولي الأبصار}[الحشر/2]. ما هو معنى الاعتبار؟ أن تعمل على أساس أن ترصد ظاهرة لتأخذ منها درساً، أو لتأخذ منها فكرة{لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب}[يوسف/111]. عليك أن تعيش تجارب الآخرين، حتى تستطيع أن تستنتج من تجاربهم فكراً يمكن أن تتحرك من خلاله لاستنتاج فكر آخر أو لإغناء فكر آخر.

{يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار}[النور/44] وهكذا نجد عندما يتحدث عن التجربة التاريخية وكيف نستطيع أن نحصل منها على ما يهمنا من الأفكار{أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى}[طه/128]. {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشدّ منهم قوة}[الروم/9]{قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض}[آل عمران/137]{قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين}[الأنعام/11]. هذه كلها توحي لنا بمتابعة الظاهرة ومتابعة التجربة، سواء كان تجربة الإنسان الآخر أو كانت تجربتنا بالذات.

دور الحس في عملية المعرفة

إنا ننطلق في هذا المجال لنؤكد على النقطة الأساسية في المنهج عندما تحدث الله لنا عن الناس الذين لهم قلوب لا يعقلون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ولهم أعين لا يبصرون بها، إنه أراد للناس أن يستخدموا أعينهم كوسيلة من وسائل المعرفة من حيث هي وسائل الرصد، وأن يستعملوا آذانهم كوسيلة من وسائل المعرفة من خلال تجربة الآخر، كما يحركون عقولهم. معنى ذلك أن القرآن يعتبر أن للحس دوراً في عملية المعرفة، كما للعقل دوراً في هذه العملية، وبذلك يجمع بين المنهج العلمي الذي يرصد الظاهرة ليستنتج منها، وبين المنهج العقلي الذي يحرك الفكرة ليقارنها بفكرة أخرى أو ليحاكمها ليستنتج منها فكراً آخر.

ونحن عندما ندرس حركة الإسلام في حركة المسلمين، فإننا نجد أن المجتمع الإسلامي قد استطاع في مدى أقل من مئة سنة أن يأخذ بأسباب المعرفة وبأسباب العلم، وأن ينطلق في خط التجربة وفي خط الجدال، وبذلك رأينا أن الواقع الإسلامي انطلق إلى عدة تيارات عقلية على مستوى المسائل الفكرية العقدية أو على مستوى المسائل الفلسفية، ورأينا أن العلماء استطاعوا أن يستنتجوا الكثير من الظواهر، سواء على المستوى الفلكي أو على مستوى الطبي أو على مستوى الكيمياء أو ما إلى ذلك.

إن مجتمعنا كان قبل مجيء الإسلام مجتمعاً بدائياً جاهلياً، فتحوّل إلى مجتمع حضاري يعطي الحضارة للآخرين. وكان سر هذا المجتمع هو القرآن والإسلام، وعندما كففنا _نحن المسلمين ـ أن نحرك عقولنا وأن نوظف حواسنا في مسألة المعرفة، عندها انطلق الآخرون من خلال ما أخذوه منا ليبدعوا، وانطلقنا لنرجع إلى بدائيتنا من أجل أن نزداد تخلفاً.. تلك هي القصة بين ما هم فيه وبين ما نحن فيه، أصبح القرآن عندنا قرآناً للبركة، قرآناً لاستخلاص الحظ، قرآناً للاستخارة، قرآناً لشيء أي شيء، ولكنه ليس قرآناً للمعرفة، هذا القرآن لا يستطيع أن يقدم لنا شيئاً، لأن قصة القرآن هي قصة إنسان القرآن، ليكن إنساننا إنسان القرآن، وخذوا تقدماً وتطوراً ورقياً وحضارة، ولا يزال القرآن يقول: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}[التوبة/105].


أسئلة حول البحث

تحدثتم حول فرض النظام على غير المسلمين بأنه ضرورة من ضرورات فرض النظام وليس إكراهاً في الدين. أين تقع إذاً إشكالية قمع الدول الكبرى للدول الصغيرة أو للأقليات إذا كانت حركة القمع تنطلق من قناعات تتعلق بالفكر الذي يحملونه أو يؤمنون به ويريدون الحفاظ على وجوده وعلى النظام المتعلق به؟.

المسألة هي أن الدول الكبرى أو غير الكبرى التي تتحرك من خلال القمع، تنطلق من خلال ذاتيتها في مسألة القمع. إنها تريد أن تسيطر على ثروات الآخرين، وتريد أن تسيطر على الآخرين وتضطهدهم، ولكن الإسلام يعمل مع الآخرين على أساس التكامل، فإذا كان الآخرون يريدون سلماً فإن الإسلام يعقد معهم معاهدات على أساس السلم. وبالمناسبة، ليس نظام الذمة هو النظام الوحيد في علاقة المسلمين بغير المسلمين، بل هناك نظام المعاهدة الذي بدأه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في وثيقة العهد الذي كتبه اليهود وكتبه بين المسلمين أنفسهم، لذلك فإن المسألة تتحرك في هذا الاتجاه. أما من لا يريد سلماً ولا يريد ميثاقاً ولا يريد عهداً، فمعنى ذلك أنه محارب، وعندما يكون محارباً تكون المسألة مسألة أن سلطة تريد أن تدافع عن نفسها في مواجهة سلطة تريد أن تتغلب عليها، ولذلك نقول إن المسألة كانت تتعلق بالسيادة الإسلامية، ولم تكن تتعلق بالإكراه أو بالاضطهاد أو بالقمع أو بمحاولة الاستيلاء على ثروات الآخرين لحساب المسلمين.

يقف العقل عاجزاً أمام تفسير الكثير من التشريعات الإسلامية، فلا يجد أمامه إلا منطق الآية {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}[الأحزاب/36]. أليس هذا المنطق هو تعطيل لحركة العقل عندما تفرض الكثير من التشريعات على أنها مسلَّمات لا يمكن الجدال حولها؟.

الواقع أن هذه الآية تعنى اتّباع النظام الذي يؤمن به، وأن عليه أن لا يتمرد عليه. أما أن يحاول الإنسان فهم الحكم الشرعي أو مناقشة الحكم الشرعي على أساس الدخول في جدل: هل هذا حكم الله أو ليس حكم الله؟ إن من حق هذا الإنسان أن يطرح تساؤلاته ومن حقه على العلماء الواعين أن يجيبوه على هذه التساؤلات عندما تكون القضية قضية حكم يريد أن يفهمه أو يريد أن يناقشه.

هناك أحكام عبادية موجودة في الإسلام تماماً كما هناك أحكام تنظيمية موجودة في الأنظمة الأخرى، هذه أمور لا يمكن الدخول في جدل حولها، لماذا كانت الصلاة ركعتين صباحاً، لماذا كانت أربع ركعات ظهراً وعصراً وعشاءً؟ وهكذا.. إنك لو أردت أن تأتي بأيّ رقم فإن (اللّماذا) تواجهك دائماً. هذه تعتبر من الأمور التنظيمية التي تنطلق الفكرة العامة فيها من سر وتنطلق التفاصيل من خلال علم الله.

أما بالنسبة إلى القضايا الأخرى، سواء في المعاملات أو ما إلى ذلك، فإننا نجد الكثير في تراثنا ما يسمى علل التشريع وما يسمى علل الأحكام، حتى أن القرآن الكريم قدم لنا الصلاة من موقع أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. أعتقد أن الجدل حر حتى في هذه المسائل، ولكن الإنسان الذي يؤمن بالله إذا لم يفهم حكماً شرعياً وعرف أنه صادر من الله فلا بد أن يتعبد به، تماماً كما هي الأحكام التي تنطلق من خلال الأطباء في ما نريد أن نتطبب به، فقد نحاول مناقشة الطبيب لنفهم ذلك، ولكننا إذا لم نفهم وعرفنا أنه طبيب خبير بطبه فإننا نسلم له ذلك.

ما رأيكم بمن يفسر بعض الآيات القرآنية على أساس النظريات العلمية؟

أنا لا أوافق على ذلك، لأن النظريات العلمية متحركة ومتغيرة. هناك فرق بين الحقائق العلمية مثل الحقائق الرياضية(واحد زائد واحد يساوي اثنين) هذه لا مانع من أن نستنطق القرآن حولها لأنها لا تتغير. أما النظريات العلمية، فإن نظرية تنطلق اليوم لنأول القرآن على أساسها، ثم يثبت بطلان النظرية غداً، فكيف نواجه المسألة ما دمنا قد أخضعنا القرآن للنظرية الأولى؟ إن القرآن ليس كتاب نظريات، في القرآن إيحاءات ربما ترتبط ببعض النظريات، هناك إيحاءات قرآنية علمية.

الإسلام بشرعه الحنيف أوجب عدم التقليد في المعتقد، وشجع على حرية الاعتقاد، ولكن لو وصل المسلم إلى قناعة تخالف المعتقد فارتد عن دينه فيجب قتله. هل هناك تناقض بين الأمرين؟

هناك فرق بين الارتداد عن الدين وبين الشك في الدين، فالشك في الدين لا يجعله مرتداً، ولكن أن يرتد بأن ينكر الذي لا يملك حجة على إنكاره، تلك هي المسألة، مسألة الارتداد تتصل بالجانب التنظيمي للمجتمع ولا تتصل بجانب حرية الفكر في المجتمع في ما نعلم.

هناك حديث عن الإمام الصادق(ع) يقول: ((ومن زعم أنه يعتبر بالصفة فقد أحال على غائب، إن معرفة عين الشاهد قبل صفته))؟

يعني عليك أن تؤمن بوجود الله قبل أن تتحدث عن صفاته. ربما كان الحديث يؤكد على هذه النقطة.

الملاحظ أن معنى الحديث أنه يجب أن يعرف الله من خلال معرفته بذاته لا بالآثار؟

إن المسألة أن الله هو الذي حدثنا في القرآن أن نعرفه من خلال خلقه ولا نستطيع أن نعرفه من خلال ذاته.

المعارج الأعداد 28/31

آب ـ أيلول ـ تشرين 1997