الزهراء القدوة-  الفصـل الثالث    

الزهراء(ع) في كلام الله تعالى

لقد جاء ذكر أهل البيت(ع) في القرآن الكريم في أكثر من آية من آياته المباركة، ونحن نشير إلى ثلاث آيات تحدثت عنهم فشملت فيما شملت سيدتنا الزهراء سلام الله عليها.

وهي قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً* إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً* إنّا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريراً* فوقاهم الله شرّ ذلك اليوم ولقّاهم نضرة وسروراً* وجزاهم بما صبروا جنّة وحريراً} [الإنسان:8_1].

{ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} فهم يعيشون روحية العطاء في أجواء الحرمان الذي يصيب بعض الفئات الاجتماعية المحرومة الخاضعة لبعض الظروف الضاغطة عليهم، كما هي حال اليتم في اليتيم، والفقر في المسكين، والأسر في الأسير، فيعانون الجوع في كثير من الحالات، لكنهم يجدون لدى الأبرار والخيّرين انفتاحاً على حاجاتهم الغذائية، فيقدمون لهم الطعام في لمسة تعبيرية رائعة، في الوقت الذي قد يكونون محتاجين إليه في حياتهم الخاصة. ولعل هذا هو معنى "على حبّه"، أي مع توق النفس إلى الطعام لشدة الحاجة، وهذا هو ما نستوحيه من قوله تعالى:{لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبّون}[آل عمران:92]، وهذا التفسير مبنيّ على إرجاع الضمير (هاء) في "حبه" إلى الطعام، وهناك تفسير آخر يُرجع الضمير إلى"الله”سبحانه، أي يطعمون الطعام على حب الله وتقرّباً إليه.

{إنما نطعمكم لوجه الله} حيث الرغبة في القرب إليه، فهم يقدّمونه لله ويضعونه بيد الله عندما يقدمونه للمحتاجين ابتغاء مرضاته بعيداً عن النوازع الذاتية {لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً} لأننا نعمل من أجل رضا الله ومحبته ورضوانه، لا ابتغاء تعويض مادي أو معنوي، فهي الرحمة العميقة في القلب المنفتح على الناس من خلال انفتاحه على الله، وهي الروح التي تعيش العطاء كرسالة روحية تتحسّس حاجات الآخرين وآلامهم، ولذا فإنها تبذل وتبذل، وتتدفّق بالخير كله، تماماً كما هو الينبوع عندما يتدفّق بالماء إلى الأرض العطشى، وكما هي الشمس تبذل النور إلى كل الآفاق المظلمة التي تتطلع إلى رحاب الشروق.

بين سموّ العطاء والخوف من الله:

وهذا ما تنطلق فيه التربية الإسلامية للشخصية الإنسانية من أجل أن يكون العطاء عنصراً ذاتياً في الإنسان، بحيث يتحرك في ذاته بشكل عفوي، وبحيث يكون الدافع الأساس في ذلك كله هو ابتغاء وجه الله، حيث ينفتح على الله وعلى الله وحده، فهو الوجود كله ولا وجود لغيره، وهو الغاية في كل شيء ولا قيمة لسواه، فتكبر الأشياء لديه إذا ارتبطت بالله، وتصغر الأمور عنده إذا انفصلت عن الله، وتتلوّن حياته بهذا اللون السماويّ المشبع بالصفاء، فلا معنى للحياة إلاّ إذا التقت بالله في مواقع الحياة.

وإذا كان الهدف هو ابتغاء وجه الله في عمق المحبة، فإن الخوف منه قد يؤكّد الارتباط الروحي من جهة أخرى، فهؤلاء الناس الذين يتمثّلون بهذا النموذج الإنساني، يتطلعون إلى اليوم الآخر في أهواله ومشاهده العابسة المرعبة، فيدفعهم الخوف منه إلى الوقوف في خط المسؤولية، فيقدمون كل شيء لديهم من أجل أن يتخلصوا من عذاب الله في ذلك اليوم.

{إنّا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريراً} أي صعباً شديداً، وذلك ما يريد الله أن يثيره في وعي الإنسان، من أجل أن يربي نفسه على الانضباط في الالتزام بأوامره ونواهيه، على أساس التطلع إلى يوم القيامة حيث يواجه نتائج عمله في عذاب الله. وهذا هو الهاجس الذي عاشه هؤلاء الأبرار عندما كانوا يطعمون الطعام وهم بأشدّ الحاجة إليه طلباً لمرضاة الله واتّقاءً لعذابه، والطعام هو نموذج لكلّ العطاءات والخدمات التي يحتاجها الآخرون، فنطعمكم لوجه الله تعني أننا نقضي حاجاتكم لوجه الله، ونعلّمكم لوجه الله، وندافع عنكم لوجه الله، وندخل السرور إلى قلوبكم لوجه الله ومخافة ذلك اليوم العبوس القمطرير، وهكذا جاءتهم الجائزة{فوقاهم الله شرّ ذلك اليوم ولقّاهم نضرة وسروراً *وجزاهم بما صبروا جنّةً وحريراً}.

قصة الآية في حياة أهل البيت(ع):

يذكر المفسرون من مختلف الفرق الإسلامية أن هذه الآية الشريفة نزلت في علي وفاطمة وولديهما الحسن والحسين(ع)، فقد جاء في تفسير الكشّاف عن ابن عباس، أن الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول الله في ناسٍ معه، فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة ـ جارية لهما ـ إن برئا أن يصوموا ثلاثة أيام. فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض عليّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صياماً، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك.

فلما أصبحوا أخذ علي رضي الله عنه بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله(ص)، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبريل وقال : خذها يا محمد، هنّاك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة"[1].

هذا وقد أورد الرواية القمي في تفسيره بصيغة أخرى عن أبيه عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله عليه السلام. قال: كان عند فاطمة(ع) شعير فجعلوه عصيدة شعير يُلتّ بالسمن ويطبخ، فلما أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال: مسكين رحمكم الله، فقام علي(ع) فأعطاه ثلثاً، فلم يلبث أن جاء يتيم فقال: يتيم رحمكم الله فأعطاه(ع) الثلث، ثم جاء أسير فقال: أسيرٌ رحمكم الله فأعطاه(ع) الثلث، وما ذاقوها، فأنزل الله سبحانه الآيات فيهم، وهي جارية في كل مؤمن فعل ذلك لله عز وجل[2].

هذا هو سر أهل البيت(ع)، أنهم يتحركون في كل نشاطاتهم في الحياة لوجه الله، لا يريدون جزاءً ولا شكوراً، وتلك هي القيمة الإنسانية، أن يعطي الإنسان كل ما يملكه لمن يحتاجه من دون انتظار أي مقابل منه، وإنما ينتظر رحمة الله. وتلك هي قيمة أهل البيت ومنهم سيدتنا فاطمة(ع)، فقد عاشوا روحية العطاء والبذل، عطاء العلم والمال والجاه والقوة والروح والدم، كل ذلك لوجه الله وفي سبيله. وتلك هي روحية وروحانية أهل البيت(ع)، روحية تنفتح على الله ولكنها لا تغيب عن الواقع، فإن هناك روحانية تستغرق في الله فتنسى الحياة، وتذوب فيه فتنسى عباده، وهذه ليست هي الروحانية التي يريدها الله، لأن ما يريده الله سبحانه أن ينطلق إيماننا ليحرّك حياتنا في خط المسؤولية، ويريدنا أن نحبّه لنحبّ الناس من خلال حبّه، وأن نحبّه ونتقرب إليه من أجل أن يفجّر في عقولنا كل طاقات الحق لتكون عقولنا حركة في سبيل الحق، ومن أجل أن يفجّر في قلوبنا كل عواطف الحق لتكون قلوبنا نابضة بالحق في كل عواطفها، وليفجّر طاقاتنا في الحياة لتكون حركتنا حقاً كلها، ولهذا فإن معنى أن تحب هو أن يتحول حبك إلى مسؤولية اتجاه الآخرين {قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران:31]، اتبعوني في كل تعاليمي التي تؤكد على خدمة الإنسان واحترامه والإحسان إليه ورفع الظلم عنه، فإنّ حبَّ الله هو الذي يُترجم إلى عمل، وليس مجرد ترديد كلمات مثل ما يردده بعض المتصوّفة من قولهم: "الله حي... الله حي" أو تغزّلهم في الله:

شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكَرْم

بل قضية الحب هي أن تنزل إلى الواقع وتتحرك مع الإنسان وتنطلق مع رسول الله في كل ما شرّع وعمل وهدى ودعا وحارب وسالم.

وهي قوله تعالى: {فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}[آل عمران :61 ].

معاني المفردات:

((تعالوا)): أصله من العلوّ، يقال: تعاليت أتعالى، أي جئت وأصله المجيء إلى ارتفاع، إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار بمعنى هلمّ، كما ذكر صاحب مجمع البيان[3].

((أبناءنا)): الذين ولدوا منا، طبّقها النبي(ص) على الحسن والحسين(ع)، باعتبار أنهما ابناه. وقال أبو بكر الرازي: هذه الآية دالة على أن الحسن والحسين(ع) ابنا رسول الله(ص)، وأن ولد الابنة ابن في الحقيقة[4]، وقال الفخر الرازي:هذه الآية دالة على أن الحسن والحسين(ع) كانا ابني رسول الله(ص) وعد أن يدعو أبناءه فدعا الحسن والحسين، فوجب أن يكونا ابنيه. ومما يؤكد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام: {ومن ذريته داود وسليمان}[الأنعام:84] إلى قوله:{وزكريا ويحيى وعيسى}[الأنعام:85] ومعلوم أن عيسى(ع) إنما انتسب إلى إبراهيم(ع) بالأم لا بالأب، فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابناً والله أعلم[5].

((ونساءنا)): اللاتي ينتسبن إلينا، وقد أراد بها رسول الله(ص) من الناحية التطبيقية فاطمة الزهراء(ع) باتفاق المفسرين.

((وأنفسنا)): والمقصود بالكلمة : الذين يجسّدون الذات في معنى التمثل الحي لكل ما يمثله النبيّ من صفات روحية وأخلاقية وعمليّة، بحيث تكون الذات هي الذات، حتى لتكاد تكون هي في المعنى والصورة من الداخل، وقد طبّق النبي(ص) الأنفس على علي بن أبي طالب(ع)، فلا أحد يدّعي دخول غيره مع زوجته وولديه.

(( نبتهل)): نتضرّع ونجتهد ويخلص كل منا في الدعاء إلى الله أن يلعن الكاذب منا.

مناسبة النزول:

ورد في قصة الحوار الذي أداره النبي محمد(ص) مع بعض النصارى من أهل الكتاب، أن النبيّ قد سلك مسلكاً جديداً في معالجة الموقف معهم بعد وصول الحوار إلى الطريق المسدود، وهو أسلوب المباهلة الذي حدثتنا عنه هذه الآية الكريمة.

وقصة هذه الآية تشرحها لنا عدة روايات قد تختلف في طولها وقصرها، ولكنها تتفق في الفكرة العامة التي نريد أن نستخلصها منها، ولذا فإننا سنكتفي بذكر واحدة منها، وهي رواية المحدث الجليل علي بن إبراهيم القمي التي رواها في تفسيره عن الإمام جعفر الصادق(ع)، قال:

"إن نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله، وكان سيدهم الأهتم والعاقب والسيد، وحضرت صلواتهم، فأقبلوا يضربون الناقوس وصلّوا، فقال أصحاب رسول الله(ص): يا رسول الله هذا في مسجدك؟ فقال: دعوهم، فلما فرغوا دنوا من رسول الله(ص) فقالوا: إلام تدعو؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأن عيسى(ع) عبدٌ مخلوق يأكل ويشرب ويُحْدِثُ، قالوا: فمن أبوه؟ فنزل الوحي على رسول الله(ص) فقال: قل لهم ما تقولون في آدم، أكان عبداً مخلوقاً يأكل ويشرب ويُحْدِث وينكح؟ فسألهم النبي(ص) فقالوا نعم، فقال: من أبوه، فبهتوا. فأنزل الله: {إن ّمثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} [آل عمران:59] وقوله: {فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم ـ إلى قوله ـ فنجعل لعنة الله على الكاذبين}فقال رسول الله: فباهلوني، فإن كُنْتُ صادقاً أنزلت اللعنة عليكم، وإن كنت كاذباً أنزلت عليّ، فقالوا أنصفت.

فتواعدوا للمباهلة، فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيد والعاقب والأهتم، إن باهلنا بقومه باهلناه فإنه ليس نبياً، وإن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله، فإنه لا يقدّم أهل بيته إلا وهو صادق. فلمّا أصبحوا جاءوا إلى رسول الله(ص) ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين(ع)، فقال النصارى: من هؤلاء؟ فقيل لهم هذا ابن عمه ووصيه وختنه علي بن أبي طالب، وهذه ابنته فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين، ففرقوا (فزعوا) فقالوا لرسول الله(ص): نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول الله(ص) على الجزية وانصرفوا"[6].

شرح الآية :

{فمن حاجّك فيه}، في عيسى في أنه "هو الله "وأنه " ابن الله" وأن "الله ثالث ثلاثة"، ولم يبلغ الحوار نهايته الفكرية في قناعتهم الوجدانية، أو أنه عبد الله ورسوله، وأن الله لا إله إلا هو الأحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد {من بعد ما جاءك من العلم} الذي قدّمته إليهم من القرآن والآيات البيّنات على الحق، فليكن للمحاججة أسلوب آخر حاسم تنطلق فيه من موقع التحدي الكبير الذي يقف فيه الإنسان بين يدي الله في مواجهته للإنسان الآخر في قضية العقيدة المرتبطة بقضية الإيمان بالله في مضمونه التوحيدي الحقيقي، وهو الأسلوب الذي أخلص الإنسان في الأخذ به والاستعداد لنتائجه السلبية التي قد تمثل الخطر عليه وعلى من يتصل به ممن يقدّمهم أمامه من أهله ليكونوا طرفاً في المباهلة، فهذا ما يمثل النهاية الحاسمة التي تتمثل في الواقع الإيجابي المنفتح لصاحب الحق، والواقع السلبي المنغلق في حياة المضادّ للحق.

{فقل تعالوا} يا نصارى نجران، هلمّوا إلى موقف آخر يتمثل فيه العمق العميق للرأي القوي والعزيمة الحازمة .

{ندع أبناءنا} الذين يجسِّدون أعمق علاقة حميمة يعيشها الإنسان في علاقته بالناس، بحيث تتصل حياته بامتداد حياتهم، وعاطفته بالمعنى العميق لوجودهم، فيتعب ليرتاحوا، ويجوع ليشبعوا، ويظمأ ليرتووا، ويضحّي بحياته ليعيشوا بعده ..وها أنا أقدم بين يديّ للمباهلة ولديّ الحسن والحسين اللذيْن يمثلان كل حبّي في العاطفة وكلّ شعوري في المحبّة وأملي بمستقبل الرسالة، فهما سيدا شباب أهل الجنة وريحانتاي في الدنيا.

قال صاحب مجمع البيان: "أجمع المفسرون على أن المراد بـ " أبناءنا " الحسن والحسين(ع)، قال أبو بكر الرازي: هذا يدل على أن الحسن والحسين ابنا رسول الله(ص)، وأنّ ولد الابنة ابن في الحقيقة. وقال ابن أبي علاّن، وهو أحد أئمة المعتزلة: هذا يدل على أنّ الحسن والحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز الاّ مع البالغين، وقال أصحابنا إن صغر السن ونقصانها عن حدّ بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل، وإنما جعل بلوغ الحلم حداً لتعلق الأحكام الشرعية، وقد كانت سنهما في تلك الحال سناً لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل. على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمّة ويخصّهم بما لا يشركهم فيه غيرهم. فلو صح أن كمال العقل غير معتادٍ في تلك السن، لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمّن سواهم، ودلالةً على مكانهم من الله تعالى واختصاصهم، ومما يؤيده من الأخبار قول النبي(ص): "ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا"[7].

ونلاحظ على هذا الحديث حول البلوغ وكمال العقل كشرط للمباهلة، أن مثل هذا الحديث في الجدل الدائر فيه ـ من هذه الجهة لا من جهة الإيمان بكمال عقلهما(ع) ـ يتوقف على أن يكون الحسنان(ع) طرفين مستقلين في المباهلة، كما لو كانا هما اللذان يتوليانها في مقابل نظائرهما من الآخرين ليباهل الرجال الرجال، والنساء النساء، والأبناء الأبناء، ولكن يمكن أن تكون المسألة واردة على أساس أن يُقدِّم النبي(ص) ـ وهو واثق بأن الحق معه وأن النتيجة الحاسمة الإيجابية ستكون له ـ ابنيه وابنته وابن عمه ليكونوا طرفاً في الابتهال وفريقاً في النتائج الحاسمة الأخيرة، بعيداً عما إذا كانوا مشاركين في التحدي، والله العالم.

{وأبناءكم} ممن تختارون منهم للحضور والابتهال في هذا الموقف الصعب.

{ونساءنا} اللاتي يمثّلن أقرب موقع للانتماء الإنساني الروحي من النساء في حياتنا الخاصة، وها أنا أقدم بين يديّ ابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين، التي "هي بضعة مني، يريبني ما رابها" ويغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها"[8]، لأن غضبها في مواقع غضب الله ورضاها في مواقع رضاه. إنني أقدمها في هذا التحدي الكبير للدلالة على أنني على يقين من صدق دعوتي، لأن الإنسان لا يقدّم أحب الناس إليه في مواقع احتمال الخطر إلا إذا كان واثقاً من النجاة.

{ونساءكم} ممن تختارون من النساء في مجتمعكم الخاص.

{وأنفسنا} ممن هم في موقع النفس من حيث المنزلة والمحبة والإعزاز، وهو علي(ع)، لأنه يمثل الصورة الحيّة الصادقة لكل الكمالات والتطلعات والسلوكيات والملكات التي أمثّلها، لأنني ربّيته وأنشأته منذ طفولته على صورتي في أخلاقي وروحياتي وأقوالي وأفعالي، فكان مني بمنزلة النفس من النفس والذات من الذات والروح من الروح والعقل من العقل.. وليس هناك غير علي(ع)، فإنه عاش معي كما لم يعش أحد غيره معي، وكان مني " بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"[9].

{وأنفسكم} ممن يمثلون وجودكم وذواتكم في حياتكم الخاصة.

{ ثم نبتهل} وندعو الله ونجتهد في الإخلاص والخضوع بين يديه.

{فنجعل لعنة الله على الكاذبين} منا ومنكم، فذلك هو الذي ينتهي بالأمور إلى نهاياتها الأخيرة من دون نزاع ولا خصام.

وجاء في تفسير الكشاف للزمخشري: " وعن عائشة (رض)، أن رسول الله(ص) خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال:{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت}[الأحزاب:33].

فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضمّ الأبناء والنساء؟ قلت:ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحبّ الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه، حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمّت المباهلة، وخصّ الأبناء والنساء لأنهم أعزّ الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمّون الذّادة عنهم بأرواحهم حماة الحقائق. وقدّمهم في الذكر على الأنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدّمون على الأنفس مفدون بها. وفيها دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء(ع). وفيه برهان واضح على صحة نبوّة النبي(ص)، لأنه لم يروِ أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك" [10].

وقال صاحب التفسير الكبير الفخر الرازي: "واعلم أن هذه الرواية ـ أي رواية المباهلة ـ كالمتّفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث[11].

شبهة واهية :

وقد أثار بعض المفسرين علامة استفهام حول نزول الآية في أهل البيت(ع)، بلحاظ صيغة الجمع الواردة في ((أبناءنا)) و((نساءنا)) و((أنفسنا)) التي لا تصدق إلا على ما زاد على اثنين، فكيف تنطبق الأولى على الحسن والحسين(ع)، والثانية على سيدتنا فاطمة الزهراء(ع)، والثالثة على أمير المؤمنين علي(ع)؟

والجواب: إن القيمة التكريمية المميزة لأهل البيت التي تستفاد من هذه الآية كانت من خلال تطبيق الجمع على هؤلاء واقتصاره عليهم في الوقت الذي يمكن للكلمة ـ في ذاتها ـ أن تنطبق على أكثر من ذلك، فلم تكن الكلمات المذكورة واردة في هؤلاء على نحو اختصاص المضمون اللغوي بهم، بل من خلال اختصاص الاختيار النبوي ـ بوحي الله ـ بهم، وهذا أمر وارد في أكثر من آية، حيث تأتي الآية بصيغة الجمع لتأكيد المبدأ العام الشامل لكل الأفراد من حيث القاعدة، مع أن المصداق واحد، كما ورد ذلك في قوله تعالى:{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم}[آل عمران:173]. فقد ذكر فريق من المفسرين[12] أن القائل هو نعيم بن مسعود الأشجعي، لأنه كان قد أخذ أمراً من أبي سفيان لتخويف المسلمين من المشركين، وقوله تعالى:{لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء}[آل عمران:181]فقد ذكر في كلام المفسرين[13] أن القائل هو حيي بن أخطب أو فنحاص اليهودي، وذلك باعتبار أن اليهود الآخرين يتفقون معه في هذا القول أو يرضون به، ما يجعل قوله قولهم، ونحو ذلك من الآيات والكلمات المرويّة عن كلام العرب التي تنطلق في موقع الفرد الواحد ليتحدث عنها بصيغة الجمع، من أجل الإيحاء بأن المسألة لا تقتصر عليه بل تتعداه ـ من خلال الذهنية المشتركة بينه وبين فريقه ـ إلى الفريق كُلِّه.

أما في هذه الآية، فإن النبي(ص) ـ بتوجيه من الله تعالى له ـ أراد أن يؤكّد المباهلة في خط التحدي الكبير في موقع الاستعداد لتعريض أعزّ الناس عليه للخطر الآتي من النتائج السلبيّة المطروحة في ساحة المباهلة بهلاك الكاذب، وأطلق الحديث عن الأبناء والنساء والأنفس ممن يختص به لإطلاق المبدأ في هذه العناوين، فكأنه يريد أن يقول لهم إنه على استعداد لدعوة هؤلاء بكل ما يمثّلونه من عمقٍ عاطفي في نفسه إلى المباهلة، للتدليل على صدق دعوته من دون التحديد في عنوان الدعوة، ولكنهم كانوا محدّدين في نفسه بأشخاص معينين، لأنهم هم المفضّلون لديه، القريبون إليه، الأثيرون عنده، ورسول الله(ص) لا يفضل إلا من يفضله الله، ولا يقرب إلا من قرّبه الله، ولا يحب إلاّ من أحبّه الله سبحانه، ومن هنا كانت الآية الشريفة دليلاً بيّناً على عظمة أهل البيت ـ بمن فيهم سيدتنا فاطمة(ع) ـ ومنزلتهم الرفيعة عند الله وعند رسوله(ص).

وهي قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}[الأحزاب:33].

وليتضح دلالة الآية على طهارة أهل البيت ـ بمن فيهم سيدتنا فاطمة ـ وعصمتهم، لا بد أن نوقع البحث فيها في عدة نقاط:

1ـ من هم أهل البيت؟

قيل إن المراد بهم أزواج النبي(ص)، روى ذلك الطبري في تفسيره عن علقمة قال: كان عكرمة ينادي في السوق {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}، نزلت في نساء النبي خاصة، ومن مظاهر إصراره على هذا الرأي أنه كان ينادي به في السوق، ويقول من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي(ص)[14].

وقد يقال:إن ما يؤيده هو سياق الآية التي وردت في أجواء الآيات المتعلقة بهن فيما قبلها وبعدها، ما يجعل الظهور بيّناً في هذا المعنى.

وقيل إنّ المراد بقوله سبحانه: {أهل البيت} رسول الله(ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين، روى ذلك الطبري في تفسيره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(ص): نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي علي (رضي الله عنه) وحسن (رضي الله عنه) وحسين (رضي الله عنه) وفاطمة (رضي الله عنها) {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً}.

وروي ذلك عن أم سلمة قالت: كان النبي عندي وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة، فأكلوا وناموا وغطى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً.

وفي رواية أخرى عنها أن هذه الآية نزلت في بيتها، قالت: وأنا جالسة على باب البيت فقلت:أنا يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: إنك على خير أنت مع أزواج النبي، قالت: وفي البيت رسول الله(ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين[15].

والقول الثاني هو الصحيح والأقرب للصواب والمتعيّن بحسب الدليل، فإن ما روي عن عكرمة لم يسنده إلى رسول الله فيما سمعه الراوي أو المسلمون منه، فهو لا يعدو أن يكون رأياً شخصياً له على أساس اجتهاد خاص لم يأتِ عليه بدليل واضح لننظر فيه، فلا يُلزم غيره برأيه [16]، بينما نجد الروايات الأخرى التي تؤكد القول الثاني مروية عن أم سلمة في ما سمعته من رسول الله(ص) وفي ما نقلته من نزول الآية في بيتها أثناء وجود الرسول(ص) فيه مع أهل بيته، كما رواها غيرها عنه، ما يجعل للتفسير أساساً ثابتاً من مصدر الرسالة الأول.

وإذا لاحظنا المسألة من جانب كثرة الأحاديث ووثاقتها، فإننا نجد أن هذه الروايات تزيد على السبعين حديثاً من طرف المسلمين من أهل السنة والشيعة، وربما زاد المروي منها عن طريق أهل السنة على ما ورد منها من طرق الشيعة، فقد روتها كتب أهل السنة بطرق كثيرة عن أم سلمة وعائشة وأبي سعيد الخدري وسعد وواثلة بن الأسقع وأبي الحمراء وابن عباس وثوبان مولى النبي(ص) وعبد الله بن جعفر وعليّ والحسن بن علي في قريب من أربعين حديثاً. وروتها الشيعة عن علي والسجاد والباقر والصادق والرضا وأم سلمة وأبي ذر وأبي ليلى وأبي الأسود الدؤلي وعمرو بن ميمون الأودي وسعد بن أبي وقاص في بضع وثلاثين طريقاً. وعلى ضوء ذلك، فإن الترجيح العلمي هو لهذه الروايات أمام تلك الرواية، بل أمام ذلك الرأي لعكرمة، لأنه ليس رواية كما قدّمنا.

السياق:

أما مسألة السياق الظاهر في اختصاصها بنساء النبي، فيردّها أن هذه الأحاديث الكثيرة لم تتحدث من قريب أو من بعيد عن نزول هذه الآية مع الآيات الأخرى الواردة في خطاب أزواج النبي، ولم يذكر ذلك أحد من القائلين بالاختصاص ـ اختصاص نزولها بنساء النبي ـ، بل كانت الأحاديث دالة على نزول الآية وحدها، ما يجعلها منفصلة عن السّياق بطبيعتها، ولكنها وضعت في ضمنه للمناسبة.

ويؤيد ذلك أن الاختصاص ووحدة السّياق يفرضان أن يكون التعبير الخطابي بكلمة "عنكن" لا بكلمة "عنكم"، كما جاء في الآية، وقد يذهب البعض إلى قولٍ ثالث، وهو شمول الآية لأزواج النبي بالإضافة إلى أهل البيت، ولكن الروايات الواردة عن أم سلمة تنفي ذلك، كما جاء عنها أنها عندما تساءلت عن شمولها لها قال لها النبي إنك على خير، ولكن المراد بها هم هؤلاء الأشخاص المميزون بأسمائهم، كما أن الروايات تؤكد على الاختصاص بأهل البيت(ع).

والظاهر أن كلمة أهل البيت تحوّلت إلى مصطلح خاص بهؤلاء الأشخاص وعلى لسان النبي(ص) ولسان المسلمين من بعده، حتى أصبحت تنصرف إليهم بشكل سريع من دون أي التباس، حتى أنها لا تشمل بقية أقربائه مع شمول الكلمة لهم بحسب العرف العام. وقد جاء في صحيح مسلم بإسناده عن يزيد بن حيّان عن زيد بن أرقم قال: " قال رسول الله، ألا إني تارك فيكم ثقلين، أحدهما كتاب الله عز وجل هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة، فقلنا من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا وأيم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده"[17].

2 ـ ما معنى الرجس؟

الرجس في اللغة هو الشيء القذر الذي قد يتعلق بالجسد ونحوه من الأشياء الماديّة، كما قد يتعلق بالجانب المعنوي من الشخصية، فقد عبّر الله عن لحم الخنزير بأنه رجس، كما عبّر عن الشرك والكفر وأثر العمل السيئ في قوله تعالى: {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}[التوبة:125] وفي قوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنما يصعّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون..}[الأنعام:125].

وفي ضوء ذلك، فإن الظاهر إرادة الملكات الأخلاقية السلبية التي تمثل قذارة الروح، كما يمكن أن تطل الكلمة على معنى آخر، وهو الأخطاء الفكرية في إدراك الأمور، ما يجعلها دالة على العصمة الذاتية التي هي لطف إلهي يثيره الله في داخل النفس فيمنعها من باطل الاعتقاد وسيئ العمل من خلال ما توحي به كلمة القذارة من المعنى الموجب للتنفر والبعد عن الشيء والاجتناب عنه.

3 ـ هل الإرادة تشريعية أم تكوينية؟

الإرادة الإلهية على قسمين:

أ ـ إرادة تشريعية، وتعني أن الله يضع لعباده من التشريعات الإلزامية وغير الإلزامية ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة، ومثال ذلك قوله تعالى:{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}[البقرة:185]، فإرادته لليسر إرادة تشريعية، لأن الشريعة التي كلفنا بها هي سهلة سمحاء {وما جعل عليكم في الدين من حرج}[الحج:78] وعدم إرادته للعسر أيضاً تعني أنه أراد أن يخفف عنكم من خلال ما رخّصه لكم.

ب ـ إرادة تكوينية، وتعني أن الله سبحانه يريد شيئاً وتتعلق إرادته تعالى بفعله، لا أن تتعلق إرادته بفعل الغير كما في الإرادة التشريعية. ومن الطبيعي إن إرادته إذا تعلقت بفعل شيء فلا تنفك عن المراد ولا يتخلّف المراد عن الإرادة، لأن { أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}[يس:82].

فما هو المراد من الإرادة في قوله:{إنما يريد الله...} ؟

لا يمكن أن يكون مقصوده تعالى بها الإرادة التشريعية، بحيث يكون المعنى أن الله خطط فيما شرع لكم من التشريعات أن يذهب الرجس عنكم ويطهركم بسلوككم وامتثالكم لهذه الشريعة.. ووجه البعد في ذلك أن الله أراد من الناحية التشريعية أن يذهب الرجس عن كل إنسان وأن يطهر الناس جميعاً بما شرع لهم، لا خصوص أهل البيت(ع)، فالله سبحانه جعل شريعته وسيلة لتطهير الناس جميعاً وإذهاب الرجس عنهم، هذا مع أن الآية الشريفة مختصة بأهل البيت(ع) على رأينا، أو شاملة لزوجات النبي(ص) على رأي آخر، ما يوحي بأن هناك خصوصية في المقام تختلف عن الوضع العام الذي يتعلق بالناس بشكل عام، لاسيما في ما يتعلق بمقام النبي(ص) الذي تشمله الآية.

وفي ضوء ذلك، تكون الإرادة الإلهية في الآية هي الإرادة التكوينية التي تتدخل في تكوين الخصائص الذاتية في داخل الذات، ما يحقق للشخصيّة ملكات روحيّة ثابتة متحركة في اتجاه إيجاد الجو الفكري والروحي الذي يدفع إلى اختيار الحق في القول والفكر والعمل، لا الإرادة التشريعية التي تقتصر على توجيه التكاليف.

4 ـ دلالة الآية على عصمة أهل البيت(ع):

وهذه الآية تدل بوضوح على عصمة أهل البيت(ع)، لأن اللام في كلمة "الرجس" للجنس، ما يجعلها شاملة لكل ما يوجب الخلل في الشخصية مما يوجب النفور منها فيما تنحرف به وتخطئ فيه، فتكون دالة على تعلق إرادة الله بإزالة كل الجذور العميقة التي تقود إلى الانحراف أو تدفع إلى الخطأ. وبعبارة أوضح، إن الله أودع في أهل البيت(ع) من عناصر العلم والمعرفة وخصائص القدس والطهارة ما يذهب به الرجس عنهم ويحقّق الطهارة فيهم، وسيأتي مزيد حديث حول هذا المعنى وحول عدم منافاة الآية مع اختيارية الإرادة عندهم عند الحديث عن عصمة الزهراء(ع).

هوامـش الفصل الثالث