إطلالات >الديكتاتورية جذر البلاء الأعظم في تخلّفنا بعد العامل الخارجي

الديكتاتورية جذر البلاء الأعظم في تخلّفنا بعد العامل الخارجي

الشيخ راشد الغنوشي*

يتناول الشيخ راشد الغنوشي موضوع حقوق الإنسان في العالم وفي بلاد المسلمين من خلال حوار أجري معه في منفاه (اللندني)، وهو الشاهد على الأزمة العميقة التي تعيشها هذه القضية في عالمنا الإسلامي وفي طليعتها موضوع الحريات السياسية.

بين الهدية الإنسانية والخصوصيات الثقافية

استغلال الطغاة لمسألة الحقوق

غياب حقوق الإنسان عربياً

الفقه ومسألة الحقوق

أولويات التغيير الاجتماعي

مشروعية الطغاة وثقافة الانحطاط

الظلم هو البلاء الأعظم

بين التخلّف والتحضّر

الخروج من المأزق

بين الهدية الإنسانية والخصوصيات الثقافية

* لا شكّ في حصول عدد من المحاولات لتأصيل حقوق الإنسان وتحويلها إلى ثقافة عامة في المجتمع الإنساني، من الإعلان الأمريكي عام 1776م، إلى الفرنسي عام 1789م، وما لحق هذه الإعلانات من اتفاقيات كالأوروبية عام 1950 وغيرها وصولاً إلى الإعلانات الموصوفة بأوصاف أخرى كالإسلامية، نذكر منها مثلاً المشروع المقدم إلى مؤتمر طهران عام 1989م، إزاء هذا التعدد، هل يمكن الحديث عن "حقوق إنسان" موحدة تنتفي فيها الاختلافات، أم لا بد من هذه التوصيفات للحفاظ على التنوع؟

ـ يعد التركيز على حقوق الإنسان في الثقافة الغربية في بعض مراحلها التاريخية ثورة في وجه كثير من القيم التي كانت سائدة في تلك الثقافة ومن بينها سلطة الكنيسة، ولكن مع ذلك نجد الكثير من إعلانات حقوق الإنسان لا تخلو من الإشارة إلى الله بصراحة أحياناً وغير صراحة أحياناً أخرى كالحديث عن الموجود الأسمى مثلاً.

وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن المرجعية الفكرية لهذه الحقوق في الثقافة الغربية وغيرها من الثقافات، هل هي الطبيعة أو الفطرة كما يسميها الإسلام ويحاول بعضهم التوحيد بينهما أم هي الدين؟

إنه تطور مهم جداً ذاك الذي قاد بعد آلاف السنين إلى الاعتراف بهوية إنسانية مشتركة بين كل الناس مستعلية عن كل ضروب التمايز والاختلاف في اللون والثروة والعقيدة والجنس والوضع الاجتماعي، بينما لم تتمكن فلسفة اليونان ممثلة برموزها الكبار أفلاطون وأرسطو أن تتخطى العرف السائد والروح العالمية التي ظلّت تميز بين الناس بحسب الثروة واللون والجنس والأصل القومي، فالناس ـ حسب أرسطو وأفلاطون ـ سيد وعبد: اليوناني سيد بالولادة والبربري أي غير اليوناني عبد بالولادة،خلقته الآلهة مجرد آلة متحركة لخدمة السيد، وإنما الحقوق في المدينة مثل المشاركة في إدارتها إنما هي للسادة اليونان الذكور ولا للنساء بذلك فضلاً عن العبيد.

الدين قبل الفلسفة هو الذي اعترف بهوية إنسانية مشتركة منبثقة من مبدأ الإيمان بخالق واحد وبأصل واحد للبشر كلهم، فهم جميعاً متساوون في التكريم الإلهي ومدعوون إلى عبادته، حسبما جاءت به رسل الله من تعاليم "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أصفر إلا بالتقوى"، حسبما جاء في البيان الختامي لآخر رسالات السماء، وكان عبارة عن إعلان عام لحقوق الإنسان، كما كان التتويج لجهاد الآلاف من الأنبياء والرسل عبر القرون المديدة. ولم تكن الإعلانات المعاصرة منذ ما ينيف عن قرنين في أوروبا وأمريكا إلا ثمرة للتثاقف بين الحضارتين الغربية والإسلامية بعد أن تمكنت الأولى من التخلص من جهالات التعصب الديني عبر حركات الإصلاح التي أفادت من الإرث الإسلامي ومن اليوناني الذي انحدر إليها أيضاً عبر الترجمات الإسلامية.

وبذلك استقرّ بعد قرنين من التطور الأوروبي تصور عن هوية إنسانية جامعة تمّت ترجمتها في جملة من العهود والمواثيق كان أتمّها "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الذي أقرته الأمم المتحدة سنة 1948 وتمّ تفصيله وتكميله بجملة من العهود والاتفاقيات التفصيلية.

وتوالت بعد ذلك إعلانات مماثلة في أوروبا وإفريقيا وفي العالم الإسلامي، وهي تلتقي كلها في الاعتراف بهوية إنسانية مشتركة جامعة يتساوى فيها الناس جميعاً ويكتسبون بمقتضاها ـ على الأقل من الناحية النظرية ـ حقوقاً متساوية.

لقد كان المنـزع الليبرالي هو الغالب على الإعلانات الأولى اعترافاً بحقوق للفرد مقدسة باعتباره هو الأصل، غير أن الثورات الاجتماعية التي تلاحقت فرضت الاعتراف بحقوق اجتماعية للإنسان باعتباره جزء من جماعة. ولئن اختلفت هذه الإعلانات في بعض التفاصيل ـ بحسب اختلاف الثقافات والأوضاع ـ فهي تلتقي في خطوطها العريضة في الاعتراف للإنسان بحقوق ثابتة باعتباره إنساناً فوق أي اعتبار آخر.

والحقيقة أنه بعد نقاشات مطولّة بين عدد كبير من الخبراء المنتمين إلى خلفيات ثقافية ودينية مختلفة ممن كلفوا بوضع مسودة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان استقرّ الرأي على مبدأ الحيادية الفلسفية والدينية للإعلان، وذلك رغم تأثره بالروح الليبرالية الفلسفية السائدة في الغرب، بما جعله أرضية مشتركة بين المؤمنين وغير المؤمنين، بين الاشتراكيين والرأسماليين. لا شكّ أن هذه الأرضية لا تلغي الاختلاف والتنوّع بين الثقافات ولا تصادر الخصوصية والاستثناء، إذ أن هذه الإعلانات ليست ديناً يخرّ له الناس سجداً، وحتى هذا لم يقبل من الناس الخضوع الأعمى، فعباد الرحمن مما وصفهم به ربهم أنهم {إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صماً وعمياناً} [الفرقان:73]، وهو ما يجعل هذه الإعلانات موجهات كبرى ومقامات مشتركة بين الأمم والحضارات والديانات تتفاعل معها وتنفعل بها كل أمة من موقع خصوصياتها الثقافية دون أن ينال ذلك من العمود الفقري لهذه الحقوق، مثل حق الحياة والمساواة والتقاضي العادل والمشاركة في الشأن العام.. إلخ.

ولكن إذا تعلّق الأمر بتفاصيل تخص ـ مثلاً ـ عقوبة من يعتدي على حق غيره في الحياة، هل هي القتل أم السجن أم التعويض لولي المقتول أو العفو من طرف هذا الأخير؟ ففي الأمر متسع للاختلاف والتنوع من ثقافة إلى أخرى ومن ظرف إلى آخر.

وكذلك إذا تعلق الأمر بالحق في إقامة الأسرة فالرجل والمرأة متساويان في حق اختيار الشريك، ولكن ذلك لا يمنع وضع بعض القيود على هذا الحق لصالح التوافق ودوام العشرة أو لمصلحة الذرية أو لمصلحة بقاء النوع وحسن رعايته وتوازنه، بما يسمح بوضع قيود على ممارسة العلاقة الجنسية نفسها حتى تؤدي وظيفتها التي جعلها الخالق لها..، فتشترط وحدة الدين في ثقافة ولا تشترطه أخرى، وتسمح ثقافة بعلاقات جنسية خارج عقد الزواج وتمنعه وتجرمه أخرى، وتبيح ثقافة العلاقات الجنسية المثلية وتشتد أخرى في تجريمها... وتسمح ثقافة بتعدد الزوجات وتقيده أخرى أو تحظره جملة، مع أو دون حظر تعدد العلاقات خارج عقد الزواج.

إن مثل هذه التفاصيل على أهميتها لا تنال من العمود الفقري لحقوق الإنسان وما يمثله من أرضية مشتركة بين الناس بصرف النظر عن نوع مرجعية هذه الحقوق، هل هي مجرد اتفاقات وتواضعات بشرية أم هي توجيهات إلهية أم هي مواريث ثقافية قومية؟

استغلال الطغاة لمسألة الحقوق

* تحوّلت حقوق الإنسان والدفاع عنها إلى ذريعة من ذرائع القوى الكبرى للتدخل في شؤون الدول الصغرى والشعوب الأضعف، ولا نريد أن ننكر أن هذه الدول تعاني ما تعانيه في هذا المجال ولا شكّ كذلك في عدم إخلاص الدول الكبرى وعدم سلامة دوافعها، ولكن السؤال عن التكييف القانوني لهذا التدخل وضمن أي مبرر فلسفي أو فكري يمكن الدفاع أو رفض هذا الأمر؟

ـ فعلاً قد تحوّلت حقوق الإنسان سلاحاً وذريعة في يد الدول الكبرى للتدخل في شؤون الدول الصغرى واستباحة حرمتها وهدر سيادتها. وأسوأ ما في الأمر أن هذه الدول الكبرى ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية في أيامنا هذه إذ تنتصب، من دون تفويض من أحد، حارساً للقانون الدولي ولحقوق الإنسان وللديمقراطية، وتجند الأساطيل الجرارة لغزو الدول بذرائع واهية، مثل حماية حقوق الإنسان ووضع حد لأنظمة دكتاتورية، أسوأ ما في الأمر أن هذه الدولة الحارسة قد كشفت الوقائع المتكررة ولا سيما إثر أحداث 11أيلول - سبتمبر أنها آخر من يستحق حق الحديث باسم حقوق الإنسان، والطرائق الوحشية التي عاملت بها أسراها الأفغان وحلفاءهم، وكذا جرائم الحرب الأمريكية على العراق وما خلّفته من دمار، خير شاهد على مدى خواء المضامين الإنسانية والأخلاقية للإعلانات الأمريكية.

ولكن لا يعني ذلك الدفاع عن حصانة للطغاة في انتهاكهم لحقوق شعوبهم تحت غطاء مبدأ سيادة الدول، هم أول منتهك له، فكل حق يساء استعماله يعاقب الفاعل بالحرمان منه، ولكن على يد من؟ بالقطع ليس على يد من هو مجرم مماثل أو أشد.

الغريب في الأمر أن الولايات المتحدة هي من اعترض على إقامة محكمة دولية لمعاقبة المجرمين المنتهكين لحقوق الإنسان، وذلك خشية أن يكون جنودها وقادتها من أول من يتسلط عليهم العقاب.

نحن إذن مع إقامة نظام للعدالة الدولية تحرس حقوق الإنسان وتطال يدها المجرمين الكبار قبل الوصول إلى المجرمين الصغار. ونرفض لأي دولة أن تخوّل لنفسها الحق من موقع القوة الغاشمة الانتصاب شرطياً يعاقب من يشاء وينتهك حرمة الدول والشعوب والأفراد باسم حقوق الإنسان والقانون الدولي.

غياب حقوق الإنسان عربياً

* بدأ الحديث عن حقوق الإنسان في بلادنا بالمعنى المصطلح في هذا العصر منذ زمن قديم ونجد في التراث الإسلامي الكثير من القيم السامية في هذا المجال، ولكن مع ذلك لم يتحول هذا المفهوم إلى ثقافة عامة في أكثر بلدان الشرق أو العالم الذي يسمى ثالثاً. فما هي الموانع التي تقف حائلاً دون الوصول إلى هذا الهدف الذي لا شك في سموه، أهي السياسة أم الثقافة أم هو الدين الذي لا يقبل بعض المفاهيم التي تدعو إليها شرعة حقوق الإنسان؟

ـ ما هي العوائق التي تقوم في طريق احترام حقوق الإنسان في بلاد العرب والمسلمين التي تنتصب ـ ولا فخر ـ على رأس قائمة الدول المنتهكة لحقوق الإنسان مثل حرية التعبير ـ مثلاً ـ حيث حافظ حسب القائمة السنوية التي تعدها جمعية الناشرين الدولية، عدد من رؤساء العرب مثل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وملوكهم على مواقعهم ضمن العشرة الأول في قائمة القامعين لحرية التعبير.

أما الحق في محاكمة عادلة والحق في المشاركة في الشؤون العامة ناخباً ومنتخباً وحتى حق مغادرة البلاد والضرب في أرض الله بعيداً عن القهر وغيرها فحظها أتعس، حتى عدّ حكام العرب الأطول عمراً، وهم مَن تبقّى من أنظمة العالم، قادراً على الإعلان ـ من دون حياء ـ على الفوز بنسب خيالية تجاوزت التسعات الأربع الشهيرة مما لا يمكن أن يظفر به حتى الأنبياء ولا حتى رب السماء الذي لم يحصل من عباده حتى على الأغلبية حسبما شهد به كتابه العزيز في مواطن كثيرة، بينما لا يخجل أي حاكم عربي أن يعلن عن وجود معارضة أصلاً أو يحاول تقزيمها فضلاً أن يعلن أن الأغلبية ضدها.

في القرآن الكريم إعلان صريح متكرر أن أغلب الناس رفضوا الاعتراف بالرب وعبادته، وهو سبحانه مكّنهم من هذه الحرية، ورفض أي حق لمن آمن به أن يكرههم على الإيمان {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف:103] {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس:99].

فما هي العوائق في طريق نهوض حقوق الإنسان في بلاد العرب والمسلمين؟ العائق الأول ـ بلا ريب ـ أنظمة القهر، ذلك أن شعوبنا ليست الأكثر عدوانية من بين شعوب الأرض حتى تكون مستحقة للحرمان من الحرية، بل هي الأقل إجراماً وعدواناً على الأرواح والأعراض والأموال.

إن المواطن في مدينة تعج بالسكان مثل القاهرة ـ كما لاحظ الأستاذ علي مزروعي ـ تراه ينام على ضفاف النيل مطمئناً إلى أخيه المواطن، لا يكدر صفوه ولا يستنفر قواه ويجعله في حالة رعب غير شعوره بقرب الدولة منه ممثلة في الشرطي، بينما المواطن الأمريكي في نيويورك قد يخسر حياته لمجرد إحساس مواطن آخر أنه يتوفر على مائة دولار فيشهر موسه لانتزاعها منه، فهذا المواطن ليس يدخل على قلبه شيئاً من الأمن غير شعوره بقرب الدولة منه ممثلة في الشرطي.

وحتى كثير من ضروب عدوان المواطن على أخيه في بلداننا هي في المحصلة ضرب من التنفيس والتعويض على قهر الدولة مثل عدوان الأزواج على الزوجات، وعدوان المدير على من تحت يده من الموظفين.. إنه مجتمع القهر الذي يبدأ من فوق وينحدر كالمصائب.

إن رأس البلاء في مجتمعاتنا هو الاستبداد، وإليه ينبغي أن تتجه كل السهام، ثم تأتي المعوقات الأخرى. إن الغرب لم يتقدم إلا بعد أن تمكن من ترويض حكامه وإخضاعهم لإرادته فارضاً عليهم وظيفة الخادم المطالب بأداء الخدمة حسب شروط السيد وتحت رقابته وتوجيهه، ينصبه ويصرفه متى شاء.

وذلك ولا شك احتاج إلى فكر وإلى ثورات وتطورات. وما من شك في أن العوامل الخارجية تتحمل المسؤولية الأولى في تنصيب هؤلاء الطغاة على رقابنا ومدهم بعوامل البقاء والتكاثر والتوارث.

وهل كان يمكن لجنرالات الجزائر أن يستمروا متسببين في إزهاق أرواح ربع مليون بشر وتدمير البلد وإغراقه في أتون الإجرام والفساد والديون لو تُركوا لأنفسهم حتى سنة واحدة؟ وقل مثل ذلك عن أضرابهم في أكثر من بلد.

بالتأكيد إن دور الطغاة لا يعفي شعوبنا من المسؤولية وبالخصوص النخب، نخبة الثقافة والمال التي طالما باعت ضمائرها للطاغي مقابل المنّ عليها بفتات من موائده، فتشهر أسلحتها لا على الطاغية توعية للشعب وتحريضاً له على القومة، وضرباً للمثل أمامه، وإنما على الشعب تخذيلاً وتخديراً وتزييفاً للحقائق، وذلك على غرار ما فعله سحرة فرعون في التمويه وتزويق الباطل وإخراجه في أثواب الحق زاهياً مختالاً وتشويه وتلطيخ أنصار الحرية وإخراجهم في صورة إرهابيين مجرمين.

ومن هذه الأسباب ما تعانيه هذه النخب من تشرذم وتشقق وتعلق بالجزئيات بما يضخم خلافاتها ويؤجج الصراع والعداوة والقطيعة بين شرائحها بدل توسيع وتعميق المشترك وتركيز الأنظار عليه واتخاذه منطلقاً وأساساً وهدفاً للتغيير: مثل احترام حقوق متساوية للمواطنة بصرف النظر عن مرجعية تلك الحقوق أرضية كانت أم سماوية.

وتبقى بعد ذلك مسؤولية عامة الناس في الالتفاف حول الزعامات والجماعات التي جربت ثباتها وصمودها ومبدئيتها في الدفاع عن حقوق المواطنين وبالخصوص الأشد منهم استضعافاً. والحقيقة أن في جماهيرنا خيراً كثيراً وأصالة نضالية عظيمة ووفاء عميقاً لكل من استبانت منه الصدق والثبات والصمود في الدفاع عن حقوقها، بما جعل جهود الطغاة دائماً تفشل في تجريم هؤلاء، بل طالما حفرت لهم الجماهير في سويداء القلب صوراً ناصعة مشرقة لا تمحى، لا شك أن ثقافة الجماهير في حاجة إلى تعميق وتأصيل في مسائل كثيرة منها مسألة حقوق الإنسان، ولكن استعداداتها لذلك أكثر مما نتصور، وفي الحديث: "من قال هلك الناس فهو أهلكهم" وفي الأثر: "الخير في أمة محمد إلى يوم القيامة".

الثابت أن الجماهير فيها خير بأكثر مما ظن النخب بها، غير أن النخب كثيراً ما خذلت الجماهير وآثرت مصالحها الخاصة، أو أخطأت الحساب فتحركت والجماهير لما يفيض كأس غضبها، وتقاعست يوم الفيضان. فكم هدرت من فرص؟ غير أن أخرى قادمة.

الفقه ومسألة الحقوق

* يحاول بعض الكُتّاب أن يكيفوا الفقه الإسلامي على ضوء المفاهيم الحقوقية المتضمنة في شرعة حقوق الإنسان، كحق المساواة بين الرجل والمرأة. إلى أي مدى ترون أن الفقه الإسلامي يمكن أن يتقبل هذا النمط من التكييف؟ وهل تعتقدون أن المشكلة تكمن في محل آخر هو عدم وضوح الموقف من هذه المفاهيم على مستوى الكبريات؟

ـ رغم أنه في مصادر الإسلام الأولى مثل الحديث قد وردت مسائل فقهية في صيغ حقوقية مثل سؤال الأصحاب ـ رضوان الله عنهم ـ رسول الله(ص) عن حق الله على عباده؟ فيجيبهم: أن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً، فيسألونه: ما حق عباده عليه إن هم فعلوا ذلك؟ فيأتي الجواب: أن يدخلهم الجنة، ويسألونه عن حق الزوج على زوجته وحق الزوجة على زوجها وعن حق الجار على جاره وحق الابن على والديه وحق الوالدين على الابن وحق المسلم على المسلم وحق الراعي على الرعية وحقهم عليه في المقابل، وعن حق غير المسلم "الذمي" في حكم المسلمين؟ بالرغم من ذلك فإن الفقه لم تتم صياغته على هذا النحو وإنما وردت هذه الحقوق موزعة متناثرة في أبواب الفقه وعلم الكلام ومسائل المواعظ والأخلاق والرقائق.

وليس خطأ أن تعاد صياغة مسائل حقوق الإنسان على النحو الذي وردت فيه في الثقافة الغربية المعاصرة كما أعيدت صياغة الفقه على هيئة عدد من المجلات تتضمن صياغات قانونية صالحة للقاضي، بما ييسر عمل القاضي والمحامي والمتقاضي ويعفي القاضي مما كان يشترط فيه من التوفر على شروط الاجتهاد حتى يتمكن من استخراج حكم النازلة المطروحة عليه من مصادر الشريعة، أو في الأقل من الموسوعات الفقهية الزاخرة بفيض من الآراء والاجتهادات.

هذا وإن إعادة الصياغة لمسائل حقوق الإنسان في هيئة إعلانات إسلامية لحقوق الإنسان ووضع شروح لها على غرار المعاهدات الدولية المنبثقة عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا يعني بحال التقليد الأعمى والمتابعة الذليلة للفكر الغربي، فذلك استسلام وانخذال وتنازل عن مقومات هويتنا وشخصيتنا الحضارية، وإنما الأمر يتعلق فقط بالإفادة مما ثبت صلاحه ونفعه في الحضارات الأخرى من أشكال وحتى محتويات، مثل الإفادة مما طوروه من نظام تعدد درجات التقاضي مما هو أدنى إلى تحقيق المقصد الأسمى من التشريع وبعثة الرسل وهو بسط عدل الله في ملك الله. وهذا ولا شك أدنى للتحقق مع تعدد درجات التقاضي ومع القضاء الجماعي منه مع قضاء فردي وذي درجة واحدة.

أولويات التغيير الاجتماعي

* أين يقع مفهوم حقوق الإنسان في سُلّم الأولويات لعملية التغيير الاجتماعي؟ وهل يمكن عدّ ذلك من الترف لو قيس إلى غيره من الاحتياجات والمشاكل التي نعانيها في بلادنا؟

ـ ليس مطلب حقوق الإنسان من الترف في شيء إذا علمنا أنه إنما أرسلت الرسل ونزلت الكتب وشرع الجهاد من أجل مصالح العباد وإقامة العدل بينهم ودرء الظلم عنهم، قال تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان} [النساء:75]، وقال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبيِّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد:25].

ولذلك نصّ حكماء الإسلام: "أن الشريعة عدل كلها رحمة كلها وأن كل مسألة خرجت من العدل إلى الظلم ومن الرحمة إلى ضدها فليست من الشريعة في شيء، وأن كل ما هو عدل وحق فهو من الشريعة وإن لم يأت فيه نص منـزل". (ابن القيم في أعلام الموقّعين).

ورغم أن إعلانات حقوق الإنسان نشأت في مناخ الثقافة الليبرالية وتأثرت بها فكان إلحاحها على الحريات الفردية بارزاً ـ وهذه بذاتها ليست خطيئة، بل ذلك مما يليق بالكائن المستخلف الذي كرمه خالقه وأسجد له ملائكته وسخّر له كل ما في الكون ـ إلا أن منظومة حقوق الإنسان لم تقف عند المطالب الليبرالية، مطالب الحريات الفردية، بل اتّسعت لتغطي الحقوق الاجتماعية والسياسية والدينية مثل الحق في الضمان الاجتماعي وإقامة الأسرة، سواء أتمّ ذلك في نص الإعلان الأصلي أم جاء في جملة من المعاهدات الملحقة مثل تلك المتعلقة بحقوق المرأة أو الطفل.. إلخ.

حريّ بالمسلمين أن يكونوا أسعد الأمم بكل تطور إيجابي يتحقق في مجال حقوق الإنسان أي الاعتراف للإنسان من حيث هو إنسان بحقوق ثابتة، واعتبار ذلك تطوراً في اتجاه الإسلام الذي كان جوهر رسالته تكريم الإنسان خليفة الله في الأرض، من دون فرق بين الأجناس والألوان والطبقات.

فالله ـ جل جلاله ـ كما أخبر عنه مبعوث رحمته للعالمين عليه من ربه ومنا أزكى صلاة وتسليم: "لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وعملكم".

وحتى مع وجود عدد محدود من فصول الإعلان لا تتساوق مع قيم الإسلام، فإن ذلك لا ينقص من القيمة الفلسفية لهذه الإعلانات بالنظر إلى محدودية تلك الفصول (نسبتها أقل من واحد إلى عشرة). إن هذا الإعلان يعد ضربة موجعة للفلسفات والنظريات العنصرية والطبقية المؤسسة لاستعباد الإنسان من طرف أخيه الإنسان والمصادمة للفكرة الجوهرية التي جاء بها الإسلام أن الناس سواسية: متساوون في البنوّة لآدم والعبودية لله والعدل أمام شريعته، بما يسقط كل ادعاء لتفاضل موروث وليس طريقه جهد الإنسان.

مشروعية الطغاة وثقافة الانحطاط

إن جذور التخلف في أمتنا إنما تكمن بعد عوامل التسلط الدولي عليها، في تراجع قيمة الإنسان وحريته في ثقافة الانحطاط، حتى عدّ الفقهاء الأمن والاستقرار والراحة ذات أولوية تكاد تكون مطلقة مقابل سد الباب جملة وبأي ثمن في وجه "الفتنة" أي الثورة على الحاكم الظالم، ولربما تكون تلك الثقافة هي التي أنجبت فكرة المستبد العادل الذي سينقذ بلاد الشرق!! على ما في المفهوم من تناقض داخلي صارخ، ولربما تكون هذه الثقافة هي التي أسهمت على الأقل في انجذاب حركات الإصلاح إلى النماذج الفاشية والنازية والشيوعية باعتبارها أقرب طريق إلى النهوض السريع بدل إضاعة العمر في المناقشات بين الأحزاب والبحث عن التسويات والوفاقات!!

ولا يبعد أن تكون هذه الثقافة لا تزال راسخة في العقل الجمعي وتمثل رصيداً مهماً لاستمرار الدكتاتوريات في بلاد العرب والمسلمين وتسويغ البطش بكل حركة تغيير باعتبارها داعية فتنة. أوَ لم يصدر الأزهر فتاوى تصف الإخوان المسلمين بأنهم إخوان الشياطين، وتمّ تكفير أمثالهم على منابر المساجد في بلاد إسلامية أخرى باعتبارهم دعاة فتنة!!.

ما من شك في أن معنى أساسياً من معاني الانحطاط وأسبابه تراجع ثقافة حقوق الإنسان في الأمة لحساب استقرار الدول والأمن من الفتنة، قال تعالى: {وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصمّوا} [المائدة:71]، وفي آية أخرى {ألا في الفتنة سقطوا} [التوبة:49]، والحق أنه ليس أشد على الأمة من فتنة غياب العدل وسيادة الظلم.

وأشدّ من ذلك فتنة إضفاء الشرعية الدينية أو غيرها على الظلم والطغيان، لما في ذلك من مصادرة للمقصد الأعظم لإرسال الرسل. قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبيِّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد:25]، ومن قديم استقرّت هذه المقالة السيئة والخيار المشؤوم: "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم" أو "ألف عام من حكم سلطان جائر خير من يوم فتنة".

وإذا دققت النظر في مفهوم الفتنة ألفيتها لا تكاد تتجاوز كونها محاولة للتغيير لم تنجح، لأنها إذا نجحت سرعان ما يكسوها الفقهاء أثواب الشرعية. أما التي لم يحالفها الحظ فصاحبها مستحق للعنة وهدر الدم. وفي مجتمع بل في عالم _ يومئذ _ لم تطور ثقافته أساليب للتغيير السلمي لا يبقى هناك من سبيل غير الخضوع للسلطان الغشوم أو سلوك طريق التمرد المسلح الذي كان في العصور القديمة الطريق الوحيد الذي جاءت منه كل الدول التي قادت أمتنا، غير أن كل من استل سلاحاً ونجح في إغماده في قلب السلطان القائم وانتصب مكانه اعترفوا له بالشرعية.

لقد بُذل أقصى الوسع في سد الطريق أمام محاولات تغييرية أخرى بكل الوسائل، ومنها إغراء الفقهاء بتغليظ الفتاوى وتشديد النكير على كل محاولة جديدة، وإلصاق وصمة الفتنة بها، حرصاً منهم على الاستقرار وتجنباً لما جلبته مئات المحاولات الطائشة للخروج المسلح من كوارث على الأمة من دون أن تحقق شيئاً من إزاحة الظلم والظالمين، وهو ما مثل ميلاً جارفاً لدى الفقهاء لخيار الاستقرار مع محاولة الضغط على الحاكم للحد من ظلمه وأداء حقوق الناس وحفظ الحدود بمجاهدة الأعداء المتربصين. وربما يكونون _ رحمهم الله _ قد أسرفوا في إيثار جانب الاستقرار على العدل.

الظلم هو البلاء الأعظم

نعم، الاستقرار مطلوب ولكن في ظل العدل، أما مع الظلم فأسوأ الخيارات على الإطلاق هو الاستقرار. إذ المهم في مجتمع الإسلام أن يسود المعروف أي العدل ويرتفع المنكر أي الظلم. المهم أن المنكر ينبغي ألا يقر له قرار في مجتمع الإسلام. لأن الظلم يجهز على جوهر رسالة الإسلام وهو إقامة العدل، كما يجهز على أعز ما في الإنسان: الكرامة التي وهبها الله له، فلا يعود يصلح لشيء إلا دابة للامتطاء والخدمة. ولذلك هل من عجب أن الإسلام لم يظهر في المجتمعات المستقرة المحكومة بأنظمة جور لأن إنسانها سحق الاستبداد كرامته فما عاد يصلح لحمل رسالة تغيير عظمى، وإنما ظهر في أرض العرب وفي منطقة الحجاز بالذات التي لم كانت متخففة من أي شكل من أشكال الحكم، بل كانت لأكثر من مائة سنة سابقة مسرحاً للحروب الأهلية أي تحكمها الفتنة. نعم قد تكون الفتن تلك ذهبت بأرواح كثيرة، والاستبداد يفعل ذلك أيضاً وربما أكثر، ولكن الثابت أن شخصية الفرد العربي كانت أشد ما تكون أنفة وشموخاً ونخوة وحمية ونجدة واعتزازاً بكرامة وحرصاً على حرية، فلا يبيت على ضيم، ولا يخفر عهداً. ولك أن تستمع لهذا الشاعر العربي اليهودي الذي أشرب قيم تلك «البيئة الفئوية»، هو السمؤال:

تعيّرنا أنّا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل

وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرية ذليل

لقد كانت الخامات الجاهلية غاية في الصلابة والأصالة لم يرهقها استبداد ولا رخاوة تمدن، حتى إذا استلمها الإسلام واختارها من بين كل الخامات البشرية على وجه الأرض: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام:124] صقلها فصنع بها الأعاجيب وغير بها وجه التاريخ. وانظر في عصرنا إلى مثال قريب، هو لبنان، ماذا صنعت منه الحرب الأهلية، وكيف تحول بعدها إلى قلعة قهرت جنرالات إسرائيل حتى لاذ الجيش الذي لا يقهر بالفرار تحت جنح الظلام كالفئران.

وكان يمكن لكل شعب من شعوبنا أن يصنع مثل ذلك وأشد لو أنه تخفف من كارثة الدكتاتورية جذر البلاء الأعظم في تخلفنا بعد العامل الخارجي. إن معظم التجارب الديمقراطية مرت قبل إعلان نجاحها النهائي في طي صفحة الاستبداد بمخاضات عسيرة صهرتها صهراً وسبكتها سبكاً جديداً. ولذلك لم يكن عجباً أن توقع أحد المشتغلين بالفلسفة _ هاشم صالح _ أن يكون بلد كالجزائر وتونس من أكثر بلاد العرب ترشحاً للديمقراطية بسبب ضخامة التضحيات من أجل تحرير الإرادة من حكم الاستبداد، كما أن الخطوة المهمة _ نسبياً _ التي تحققت في البحرين على طريق الديمقراطية، جاءت بعد مخاض عسير مرًّ به هذا البلد الصغير بحجمه الكبير بنضاله.

وليس في شيء مما ذكرنا دعوة إلى الحرب الأهلية فنحن معارضون لاستخدام القوة إلا في دفع الاحتلال، ولكننا نؤكد أن الظلم والاستبداد: مصادرة لحريات الناس وحقوقهم وإذلالهم ومنعهم العيش وفق ما اختاروا من دين ومذهب، وهو الفتنة التي عدّ الإسلام دفعها عن الناس سبباً من أسباب الجهاد: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال:39]. المهم أن الظلم يجب أن يظل عارياً من كل شرعية مدفوعاً بما أمكن، وفق مبدأ: إن النهي عن منكر، ما ينبغي أن يؤول إلى منكر أشد.

إن الثقافة الإسلامية _ وريثة ثقافة الاستبداد والخوف من الفتنة، والمستبد العادل، على أنقاض ثقافة الإنسان المستخلف المكرم التي تعد هدم الكعبة على قداستها أهون عند الله من العدوان عليه _ إن هذه الثقافة أحوج ما تكون إلى إعادة الاعتبار لقيمة الحرية وكرامة الإنسان وحقوقه باعتبارها القيمة المركزية والمنطلق لكل نهوض إسلامي، وإلى تعميق ونشر هذه الثقافة الإسلامية التحررية على أوسع نطاق محل ثقافة الخوف والتخويف من الفتنة.

بين التخلّف والتحضّر

* عندما نقارن بين الشرق والغرب نجد تفاوتاً كبيراً في مجال حقوق الإنسان، ما هو حجم التفاوت _ إن وجد _ وإلى مصلحة من تميل كفة هذا التفاوت وما هي أسبابه الثقافية أو الفكرية؟

- للأسف فإن المقارنة بين وضع حقوق الإنسان في الغرب وفي بلادنا نتيجتها هي بلا ريب لصالح الغرب رغم كل ما في سياساته من مظالم بل جرائم تصل إلى حد الإبادة الجماعية لشعوب وحضارات، واستنـزاف خيرات العالم لصالح 5% من سكانه، ودعمه غير المحدود للظلم والظالمين في العالم وبالخصوص في دار الإسلام. وتكفي جريمة غرس الخنجر الصهيوني في القلب الإسلامي وتهجير شعب بكامله لإسكان آخر محله لدلالة على خواء الثقافة الغربية من المحتوى الأخلاقي والروحي والإنساني.

على أن ذلك لا يمنع توفر هذه الحضارة على معاني من العدل لا قيام للحضارات من دونها ولكنه عدل قومي وليس إنسانياً، خاص وليس عاماً، بما يجعل المواطن ولا أقول الإنسان في دول هذه الحضارة يتمتع بحقوق لا يكاد حتى أن يحلم بها المسلم، من مثل عُلُوّ مكانة القانون على الحاكم والمساواة أمام القانون والعدل في القضاء والحرية في الرأي والمعتقد والشفافية والصرامة في المحاسبة، وتداول السلطة بين الجميع حسب قواعد متفق عليها محترمة مثل الحق في تشكيل الأحزاب والتنافس النـزيه على استقطاب الرأي العام.. إلخ. فضلاً عن تمتع كل المواطنين بحد معقول من ضمانات العيش كالصحة والتعليم والسكن.

إن ما تقدم يفسر لماذا يتجه الناس إلى الهجرة صوب هذه البلاد وليس في الاتجاه المعاكس مسلمين وغير مسلمين. ومعلوم أن الهجرة دائماً هي انتقال نحو الأفضل أو ما يظن كذلك. وانظر إلى شباب المسلمين في المغرب العربي كيف يغامرون بقذف أنفسهم في لجج البحار أملاً في الانتقال من بلاد التخلف إلى بلاد التحضر. وقديماً قال علماؤنا: إن الملك _ أي التحضر _ يقوم على العدل ولو مع الكفر ولا يقوم على الظلم ولو مع الإسلام. ولو أن حقوق المواطن في بلاد الإسلام كانت مرعية أكثر من حقوق المواطن في البلاد غير المسلمة ما تكاثر عدد المسلمين في هذه الأخيرة، حتى استقطبت حركات ومؤسسات ومفكرين، بينما بلاد الإسلام تراها طاردة للطاقات والكفاءات وليست جاذبة بسبب التخلف أي الاستبداد، وإلا فكيف نفسر رحيل الأدمغة بعشرات الآلاف إلى بلاد الغرب من كل الملل بينما بلادهم هي إليهم أحوج، ولكنه التخلف!!.

إن معنى من معاني التخلف هو تدمير الكفاءات وسوء توظيف الطاقات، بينما الحضارة هي قبل كل شيء فضاء حر مفتوح يظلله العدل وتنجذب إليه النفوس الطموحة إلى العلم والثروة والحرية شأن الشجرة وافرة الثمار والظلال تنجذب إليها العصافير بينما التخلف مزبلة لا تجذب غير الحشرات وتستنكف من الجلوس إليها الأرواح الطاهرة. إن التحضر هو فن استقطاب الكفاءات وتطويرها وحسن توظيفها، مقابل كفاءة التخلف في التصحير والتدمير والإخصاء.

إن التحضير يتطلب مما يتطلبه توفر مناخات اجتماعية وثقافية وسياسية صحية أهم مقوماتها الحرية وسائر حقوق الإنسان أو قل بكلمة إسلامية واحدة: العدل أساس العمران حسب التعبير الخلدوني الشهير. وهو عند الغربيين وفيما بينهم موفور، بينما هو عندنا غائب، اللهم إلا في التعامل مع الأجانب حيث يتم تجاوز العدل إلى الإحسان، حتى غدا من ضمانات مواطن تونسي _ مثلاً _ يعيش خارج البلد حتى لا يضطهد إذا رجع إلى موطنه زائراً أن يكون حاصلاً على وثيقة جنسية من بلد غربي حتى تقف سفارة ذلك البلد معه إذا تعرض للاضطهاد فتضغط على بلده الأصلي لإيقاف الاضطهاد وإطلاق سراحه عوداً إلى بلاد مهجره. ولقد حصل ذلك مرات عديدة. ولذلك ترى كثيراً من المواطنين التونسيين يتأخرون في العودة لزيارة أهليهم في انتظار جواز السفر الأجنبي. وهو ما يذكر بحالات مماثلة في القرن التاسع عشر في المرحلة التي سبقت الاستعمار ومهدت له، حيث تصاعد نفوذ القناصل في بلادنا وتصاعدت مظالم الحكم بدرجة احتماء عدد من المواطنين وبعضهم مشايخ من ظلم الحكام باللجوء إلى السفارات الغربية القائمة في البلاد. وكان ذلك إيذاناً بقرب أجل تلك الدول، وهو حال معظم دولنا اليوم بسبب الظلم وانتهاك حقوق الإنسان.

إنه لممّا يؤسف ويحز في القلب شهادة كل من مر بمحنة السجن في سجون الاستعمار وعاش حتى أدركته سجون الاستقلال، أن سجون المستعمر كانت أرحم أو أقل سوءاً من سجون دول الاستقلال، ولقد سألت بعض إخواننا الفلسطينيين الذي ابتلوا بظلم بني قومهم وبظلم اليهود أن المقارنة كانت لصالح الصهاينة قاتلهم الله، كما كانت مع أمثالهم لصالح الفرنسيين والإنكليز. وهو ما يقطع بأولوية حقوق الإنسان في برامجنا وجداول أعمالنا.

الخروج من المأزق

أما عن ضمانات إقامة حقوق الإنسان واحترامها من الجميع حاكماً ومحكوماً، فهل هي الثقافة التي تؤسس لقيمة الإنسان وتكريمه واستحقاقه من حيث هو إنسان كرّمه الله لحقوق غير قابلة للانتقاص والسلب في كل الأحوال مثل حقه في الاحترام والعيش الكريم والمحاكمة العادلة إذا اتهم بجريمة والبراءة الأصلية والمشاركة في الشأن العام؟ أم هي الضمانات القانونية بوجود جهاز قانوني واضح ومحدد في تنصيصه على حقوق الإنسان والمواطن كتنصيصه على العقوبات التي تنال منتهكها أيّاً كان ووجود نظام للتقاضي عادل وقوي ومستقل، وكذا وجود أجهزة مستقلة للرقابة من مثل برلمان منتخب وصحافة حرة وتعددية سياسية حقيقية ومؤسسات مجتمع مدني قوية ومستقلة: «نقابات مهنية وطلابية، وكلها محكومة داخلياً بآليات ديمقراطية صارمة؟ إن أمة من الناس تتوفر على ثقافة تكرم الإنسان وعلى حكومات منتخبة وعلى مجتمعات سياسية وأهلية منظمة ومعبرة حقيقة عن إرادة الشعب وحاجاته وهمومه هي حرِيّةٌ بالتمتع ببركات حقوق الإنسان وما تثمره من سعادة وتقدم لمواطنيها. وإذا تم ذلك في مجتمع إسلامي بدوافع دينية فإن الثمار في الدنيا والآخرة تكون أعظم إذ لا يقتصر أمر الضمانات عندها على ما ذكرنا من مؤسسات هي في كل الأحوال لا غناء عنها، وإنما تتعزز بما هو أعظم من حضور إلهي في حياة المؤمن ومجتمع المؤمنين {وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير} [الحديد:4].

*مفكر إسلامي - مقابلة نشرت في مجلة الوحدة الإسلامية